ملخص
عادة، لا تختبر القدرات العسكرية بصورة جدية إلا في وقت الحرب، إلا أنه في وقت السلم هناك أهمية كبيرة أيضاً للصورة التي ترتسم في ذهن العالم في شأن قوة بلد ما، وهذا ما نجحت فيه الصين إلى حد كبير بإجماع معظم المحللين وخبراء الصناعات العسكرية.
بينما تعمل بكين وطوكيو على احتواء الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، فإن تصريحات رئيسة وزراء اليابان الجديدة ضد الصين أظهرت جانباً مهماً من القوة العسكرية الصينية، إذ بدأت قطع من الأسطول البحري العسكري الصيني تجوب المياه الإقليمية لجزر يابانية في استعراض مقصود للقوة، ذلك إلى جانب الإجراءات الدبلوماسية والتصريحات السياسية العلنية المتبادلة بين البلدين.
وتزامن هذا التطور مع مقال مهم كتبه الضابط السابق في البحرية الأميركية ورئيس قسم الاستراتيجية في كلية الحرب البحرية الأميركية جيمس هولمز ونشر على موقع "ذي ناشيونال انترست" الأسبوع الماضي، وعلى رغم أن معظم المقال يتعلق بالجدل حول القدرات العسكرية للدول "الديمقراطية" المفتوحة والدول "الديكتاتورية" المغلقة، إلا أنه كشف قدراً كبيراً مما تدركه العسكرية الأميركية وأسطولها البحري بصورة خاصة من تفوق صيني في مجال الصناعات البحرية العسكرية.
ويستعرض الخبير العسكري البحري الأميركي ما يميز الدول التي تستطيع تغيير قياداتها بصورة ديمقراطية عن الدول التي يتحكم فيها فرد أو مجموعة أفراد، وكيف أن ذلك يعطي الأولى القدرة على الابتكار والتطوير حتى وإن كانت الثانية تتمكن من الإنجاز الكبير بسرعة، لكنه يشير ضمناً إلى أهمية أن تحافظ الولايات المتحدة على ميزة النقد الذي يضغط من أجل تحسين الاوضاع وأيضاً البعد عن تحكم الفرد أو الجماعة لمصلحة التنوع والتباين المشجع على التقدم.
الصناعات العسكرية في معسكرين
عادة، لا تختبر القدرات العسكرية بصورة جدية إلا في وقت الحرب، إلا أنه في وقت السلم هناك أهمية كبيرة أيضاً للصورة التي ترتسم في ذهن العالم في شأن قوة بلد ما، وهذا ما نجحت فيه الصين إلى حد كبير بإجماع معظم المحللين وخبراء الصناعات العسكرية.
فحتى في أوقات السلم، يسهم تطور الصناعات العسكرية والبحرية منها بخاصة في بسط نفوذ استراتيجي أوسع نطاقاً إلى جانب تعزيز المصالح التجارية.
وفي استعراضه لجلسات مستشارين لقيادة البحرية الأميركية أخيراً، يشير هولمز إلى ثنائية التفكير في شأن تطوير الصناعات العسكرية في المجتمعات المختلفة، إذ يقول إن وجهة النظر التقليدية هي أن المجتمعات الديمقراطية المفتوحة مثل الولايات المتحدة أكثر قدرة على التكيف مع الواقع وتطوراته والتفوق الاستراتيجي من الأنظمة الاستبدادية مثل الصين وأمثالها، ذلك على اعتبار أن الاستبداد السلطوي يساعد على تحقيق نتائج سريعة وحاسمة، لكن لأن ذلك يعتمد على حكمة قائد واحد أو قلة من القادة، فهو أيضاً نقطة ضعف لغياب ضمان الاستمرارية، إذ إن تغير القيادة قد يعني تغيير الأولويات بالتالي تراجع التقدم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويميل الاستراتيجيون الغربيون إلى القناعة بأن المجتمعات الحرة أكثر ديناميكية، في الأقل نظرياً، لأنها تستطيع تغيير قادتها لمواكبة العصر وهذا يجعلها أكثر مرونة على المدى الطويل، لكن الصين، برأي الخبير العسكري البحري الأميركي، طورت بالفعل قدراً من المرونة يضمن الجمع بين سرعة التنفيذ وفعالية التخطيط المرتبطة عادة بالمجتمعات المفتوحة، وهو الاستنتاج الذي توصل إليه خبراء وقادة البحرية الأميركية.
ذلك ما جعل جيمس هولمز يشك في صحة تلك النظرية التي يتبناها الخبراء من مستشاري البحرية الأميركية وصناعاتها على ضوء نتائج المنافسة الحالية بين الولايات المتحدة والصين، إذ يشير في مقاله إلى أن الصين تحرز بالفعل تطوراً في الصناعات العسكرية، بخاصة البحرية لا يمكن انكاره، ويطالب بإصلاح شامل في الولايات المتحدة يعيد الحيوية إلى الحكومة والقوات المسلحة والصناعة، لتتمكن من مجاراة الصين ومنافسي أميركا الآخرين.
الصناعة بين القدرة والصورة العامة
ويقارن هولمز بين القدرة الحقيقية للصناعات العسكرية وصورتها العامة، ويخلص إلى أن دول العالم تميل للالتفاف حول ما يبدو الأقوى وأن هذا ما تحققه الصين بالفعل حالياً، فالقدرة على إظهار القوة بذات أهمية القدرة القتالية الحقيقية، وأن التفوق البحري ليس فحسب في المواجهات البحرية القتالية بل في القدرة على إدارة سمعة البلاد الدولية.
وهنا يعيد الخبير العسكري التذكير بأن الدول المنغلقة مثل الصين قد تتمكن من "قمع" أي أخبار سلبية عن قدراتها الصناعية والعسكرية.
في الوقت نفسه، لا يستبعد هولمز أن يكون أسطول جيش التحرير الشعبي (الصيني) واجه بعض تلك الانتقادات، إلا أن القيادة الصينية بالتأكيد عملت على "كبتها" وإعطاء فرصة للصناعات العسكرية لتطوير أدائها، أما في الولايات المتحدة مثلاً فأن صوراً لقمرة صدئة على مواقع التواصل أو تغطية الإعلام لتصادم في أعالي البحار أو مخاوف بناء السفن الحربية يمكن أن ينال من سمعة الأسطول الأميركي حتى لو كان يدفع باتجاه الضغط على الصناعات العسكرية لتحسين أوضاعها.
إنما في النهاية، يكفي أن يقتنع المراقبون الدوليون أن البحرية الصينية تبدو أقوى من منافسيها، حتى تحقق بكين مكاسب سياسية واستراتيجية حقيقية فالطبيعة البشرية تجعل الدول والحلفاء يميلون إلى دعم الطرف الأقوى بدلاً من الذي يبدو معرضاً للفشل".
وهكذا نجحت الصين في إعادة بناء نفسها كقوة بحرية متكاملة، مع أسطول تجاري وعسكري ضخم له نفوذ في الموانئ حول العالم بما في ذلك مناطق نفوذ أميركية تقليدية مثل البناء الذي بنته الصين في بيرو بأميركا الجنوبية.