Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكاء الاصطناعي ساحة حرب باردة أميركية صينية تعيد رسم موازين القوة

من "ديب سيك" إلى "تشات جي بي تي"، تسعى بكين إلى اللحاق بالتفوق الأميركي عبر خطة وطنية ضخمة لبناء بنية تحتية حاسوبية ذاتية وتطوير نماذج محلية، بينما تستعد واشنطن لمواجهة منافسها التقني الأخطر منذ عقود

سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين وأميركا يعيد للأذهان صدى الحرب الباردة (الذكاء الاصطناعي)

ملخص

تخوض الصين والولايات المتحدة سباقاً محموماً على ريادة الذكاء الاصطناعي، إذ تراهن بكين على تعبئة مواردها وبناء قدرات محلية لمجاراة التفوق الأميركي، في مواجهة تنذر بحرب باردة تكنولوجية جديدة ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وموازين القوة بين العملاقين.

في خضم السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، تبرز الصين والولايات المتحدة بوصفهما قوتين تتنازعان الريادة في التقنية التي يتوقع أن تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع خلال العقد المقبل. فبينما تحتفظ أميركا بتفوق واضح بفضل شركات مثل "أوبن أي آي" و"غوغل" و"إنفيديا"، تسعى بكين عبر خطة وطنية شاملة إلى قلب الموازين، مستثمرة موارد ضخمة في البنية التحتية الحاسوبية وتطوير النماذج المحلية، في ما يشبه "حرباً باردة تكنولوجية جديدة"، وهي جهود سلط الضوء عليها تقرير حديث في صحيفة "وول ستريت جورنال".

في أوائل العام الماضي، كان القادة الصينيون يشعرون بالقلق والإحباط بسبب هيمنة الشركات الأميركية على التكنولوجيا الجديدة الواعدة، إذ كانت الشركات الصينية متأخرة جداً في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي لدرجة أن كثيراً منها اعتمد على نماذج "لاما" Llama مفتوحة المصدر من شركة "ميتا" والمتاحة مجاناً للجميع. وما زاد الأمر سوءاً هو أن القيود الأميركية على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة كانت تهدد بزيادة عرقلة تقدم الصين.

ونتيجة لذلك، في ربيع عام 2024، ضاعفت بكين الضغط على المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا، لدرجة أن إحدى شركات الذكاء الاصطناعي الصينية الرائدة، بحسب التقرير نفسه، تلقت خلال شهر واحد مكالمات من 10 وكالات حكومية مختلفة لحثها على اتخاذ إجراءات في شأن نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية. وخففت البلاد من القيود وزادت التمويل وسارعت إلى تركيب القدرة الحاسوبية. وبعد أشهر قليلة، كشفت شركة ناشئة تدعى "ديب سيك" DeepSeek عن نموذج ذكاء اصطناعي متقدم لفت الأنظار في "وادي السيليكون"، مما أشعل موجة تفاؤل جديدة داخل الصين ودفع الحكومة إلى توسيع دعمها وتكثيف المنافسة مع الولايات المتحدة.

وأصبحت المقارنة بين هذا السباق والحرب الباردة التقليدية حاضرة في الأوساط العلمية والسياسية، إذ ينظر إلى الذكاء الاصطناعي الآن على أنه أداة يمكن أن تمنح الدولة المسيطرة تفوقاً علمياً واقتصادياً وعسكرياً حاسماً. فالتكنولوجيا لا تعد فقط بتحسين الأنظمة الدفاعية وتشخيص الأمراض، بل بقدرتها أيضاً على تغيير أنماط الإنتاج والمعرفة والتحكم في تدفق المعلومات، مما يثير مخاوف من استغلالها في نشر التضليل أو في أعمال التجسس والهجمات السيبرانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب تقرير "وول ستريت جورنال"، تحتفظ الولايات المتحدة بتقدم ملحوظ في إنتاج النماذج الأكثر تطوراً وفي امتلاك الرقائق المتقدمة وتمويل القطاع الخاص، إذ تجاوزت الاستثمارات في الشركات الأميركية الناشئة للذكاء الاصطناعي 100 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي. في المقابل، تراهن الصين على عوامل القوة الداخلية، ومن بينها العدد الضخم من المهندسين وتدني كلفة التشغيل ونظام اقتصادي تقوده الدولة يتحرك بسرعة في مواجهة البيروقراطية الغربية. وتعمل بكين على بناء "سحابة وطنية" ضخمة بحلول عام 2028، تربط مئات مراكز البيانات في مناطق تعتمد على الطاقة الشمسية والرياح، لتوفير قدرة حوسبة مشتركة تمكّنها من تدريب النماذج الضخمة داخلياً على رغم القيود الأميركية على تصدير الرقائق المتطورة.

ومنذ عام 2017، وضع الرئيس الصيني شي جينبينغ خطة طموحة لجعل بلاده رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. وفي البداية، ركزت السلطات على التطبيقات الأمنية مثل التعرف إلى الوجوه، لكن طرح "تشات جي بي تي" أظهر إمكانات أخرى أكثر اتساعاً تتعلق بتوليد الأفكار والمحتوى، مما أثار حماسة ومخاوف في آن واحد. وفرضت الصين في البداية قيوداً مشددة على النماذج التوليدية، لكنها عادت وخففتها لاحقاً بعد إدراكها خطر التأخر عن اللحاق بالموجة الأميركية.

ومع تشديد واشنطن قيود تصدير الرقائق في أواخر 2023، تحركت بكين بقوة لتعبئة مواردها. فأنشأت مراكز بيانات تديرها الدولة لتقديم قدرة حوسبة مدعومة للشركات، وسمحت بالاستعانة بمصادر خارجية للتدريب في الخارج، وشجعت إنشاء أسواق لتداول البيانات العامة. وأطلقت الحكومات المحلية حملات لتأمين التمويل للشركات الناشئة، بينما استفادت بعض الجهات من شبكات شراء غير رسمية للحصول على رقائق أميركية محظورة.

وبعد نجاح نموذج "ديب سيك" مطلع العام الحالي الذي قارب أداء "أوبن أي آي" بكلفة أقل بكثير، اجتمع شي جينبينغ مع مؤسس الشركة وعدد من قادة التكنولوجيا، داعياً إلى جعل الذكاء الاصطناعي محور التنافس العالمي المقبل. وأعقب ذلك إعلان العملاق "علي بابا" استثمار 53 مليار دولار في أبحاث الذكاء الاصطناعي العام خلال ثلاث سنوات، مما أكد تحول الصين من الدفاع إلى الهجوم في هذا الميدان.

لكن رد الفعل الأميركي لم يتأخر، ففي منتصف عام 2025، حذر تقرير "الذكاء الاصطناعي 2027" "AI 2027" من سباق محموم قد يؤدي إلى تجاوز الحدود الآمنة للتطوير، في حين دعت "خطة العمل للذكاء الاصطناعي" التي أعلنها ترمب في يوليو إلى مراقبة مدى خدمة النماذج الصينية لأجندة الحزب الشيوعي ومواجهة نفوذها في المؤسسات الدولية المعنية بوضع المعايير التقنية. وردت بكين بإطلاق مبادرة "الذكاء الاصطناعي بلس" AI Plus التي تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في 70 في المئة من الاقتصاد بحلول عام 2027 و90 في المئة بحلول عام 2030، مؤكدة نيتها "إعادة تشكيل نموذج الإنتاج والحياة البشرية".

ويفيد التقرير بأن التحدي الأكبر أمام الصين يبقى في الرقائق الإلكترونية المتطورة، إذ إنها لا تزال متأخرة نحو عقد كامل عن الولايات المتحدة. لكن الشركات الصينية مثل "هواوي" تطور حلولاً بديلة تقوم على تجميع مئات آلاف الرقائق المحلية في أنظمة ضخمة تزيد قوتها الحسابية. وتعرف هذه الاستراتيجية في الأوساط التقنية بـ"السرب يهزم العملاق"، إذ تعتمد على الكم لتعويض ضعف الجودة. وتخطط "هواوي" لمضاعفة إنتاجها من الشرائح العام المقبل، في حين أعلن شي خطة خمسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي في مجالات أساسية مثل أشباه الموصلات.

وعلى رغم هذه الجهود، يعبر خبراء أميركيون عن اعتقادهم بأن اللحاق الكامل بالولايات المتحدة في تصنيع الرقائق يبقى مهمة شبه مستحيلة، بالنظر إلى السبق الأميركي الممتد لعقود. لكن في حال تباطأت وتيرة التطوير أو بلغت النماذج حدودها التقنية على رغم زيادة القدرة الحاسوبية، فقد تمتلك الصين فرصة لتقليص الفجوة.

لكن السباق الحالي لا يقتصر على التفوق العلمي وحسب، بل يمتد إلى صميم النفوذ الجيوسياسي، إذ ترى واشنطن أن ترك "الذكاء الاصطناعي السلطوي" الصيني من دون رادع يهدد هيمنتها التكنولوجية، بينما تخشى بكين أن يؤدي التأخر إلى ترسيخ تفوق أميركي دائم يمنع صعودها كقوة عالمية مكتملة. وفي ظل هذا التنافس، تتراجع مخاوف السلامة والأخلاقيات إلى المرتبة الثانية أمام هاجس التفوق، في سباق يعيد للأذهان صدى الحرب الباردة، لكن بوسائل رقمية قد تعيد تعريف العالم بأسره.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير