ملخص
ضمن سياق الحرص على السلام، دعت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى إثيوبيا، بالتعاون مع البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد والنرويج، إلى استئناف الحوار السياسي بين الحكومة الإثيوبية و"جبهة تحرير تيغراي" قبل الانتخابات الوطنية المقبلة.
في تطور يقابل الذكرى الخامسة لاشتعال الحرب بين الحكومة الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، تعالت الاتهامات حول واقع السلام الهش بين الطرفين. فهل تنتج الذكرى ظروفاً جديدة؟ وما هي قدرة الحكومة الإثيوبية و"جبهة تحرير تيغراي" على تجاوز واقع الاتهامات لإرساء سلام راسخ؟ وما هو مستقبل "اتفاق بريتوريا" الموقع بين الطرفين؟
كان القائد العام للقوات المسلحة الإثيوبية المشير برهانو جولا قال الإثنين الماضي إن القوات التي شاركت في أعمال التمرد عام 2020 يجب أن تحاسب على أفعالها وفقاً لقانون الدولة، وشدد على أن الجيش يحرص على منع تكرار الأحداث المؤلمة التي وقعت في منطقة تيغراي الشمالية.
وجاء ذلك خلال خطاب في مناسبة الذكرى الخامسة للهجوم على القيادة الشمالية لقوات الدفاع الوطني، أمام كبار القادة العسكريين والضباط، ووصف المشير برهانو جولا الهجوم بأنه "حادثة مخزية وخيانة للوطن"، وقال إن هناك تضحيات قدمتها قوات الجيش للحفاظ على وحدة البلاد وأمنها الوطني.
درس للتاريخ
وأشار جولا وفق ما نقلته وكالة "فانا" للأنباء، إلى أن "ذكرى الهجوم تخلد سنوياً كدرس للتاريخ ولتذكير الشعب ومنع أي تكرار مستقبلي للحادثة"، مضيفاً أن "الهجوم الذي وقع في الثالث من نوفمبر 2020 يعد نقطة سوداء في تاريخ إثيوبيا، والقوات المشاركة دعمت السكان المحليين بخبرتها وقدراتها ومواردها المالية لحماية الإقليم ومنع وقوع مزيد من الأضرار".
وتطرق الخطاب إلى تحركات عسكرية للجبهة، وتحالفاتها مع جماعات الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا، مؤكداً أن "أي تجاوز للأطر الدستورية يعد خرقاً للقانون وتهديداً للأمن الوطني".
ودعا رئيس الأركان إلى "تعزيز المصالحة الوطنية والحوار السياسي بين الأطراف المختلفة كجزء من استراتيجية الحفاظ على الاستقرار طويل الأمد".
في المقابل، أصدرت "جبهة تحرير تيغراي" بياناً مواكباً اتهمت فيه الحكومة الفيدرالية بتقويض "اتفاق بريتوريا"، وحثت الوسطاء الدوليين على إعادة تقييم عملية السلام في البلاد، وأضافت أن "شعب تيغراي لا يزال يعاني الموت والنزوح".
يشار إلى أن الاعتداء على القيادة الشمالية في إقليم تيغراي الذي نفذته "جبهة تحرير تيغراي" في الثالث من نوفمبر عام 2020، كان سبب اشتعال الحرب بين الحكومة الإثيوبية والجبهة التي استمرت عامين.
وضمن سياق الحرص على السلام، دعت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى إثيوبيا، بالتعاون مع البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد والنرويج، إلى استئناف الحوار السياسي بين الحكومة الإثيوبية و"جبهة تحرير تيغراي" قبل الانتخابات الوطنية المقبلة، وركز البيان المشترك على ضرورة تعزيز الثقة بين الأطراف وضمان التنفيذ الكامل لـ"اتفاق بريتوريا" لوقف إطلاق النار". وحثت البعثة على استئناف الحوار السياسي بين الموقعين على الاتفاق قبل الانتخابات العامة المقبلة، مؤكدة أن استدامة السلام وتعزيزه في شمال إثيوبيا وخارجها يظل أمراً بالغ الأهمية.
تاريخ الصراع
الباحث في شؤون القرن الأفريقي عبدالرحمن أحمد يقول إن "تاريخ الصراعات في إثيوبيا قديم ومتجدد، وهذه الصراعات والمواجهات بين الفينة والأخرى تنبع من تظلمات وتنافسات على حد سواء. وكانت المواجهات سابقاً تنشب في الشمال بسبب التنافس بين القومية الأمهرية والتيغراوية، لكن بعد عام 2018 تغيرت تلك الرؤى بالكامل وانتقل مركز الثقل السياسي إلى وسط إثيوبيا لدى قومية الأورومو، مما جعل شمال إثيوبيا، بخاصة منطقة تيغراي، تفقد مراكز قوتها وسلطتها السياسية التي استمرت تحكم الشعب الإثيوبي لأكثر من 30 عاماً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا الشعور بفقد السلطة، وفق أحمد، جعلها ترفض الاندماج على رغم أن رئيس الوزراء آبي أحمد كان منتخباً من الحزب الحاكم (حزب الجبهة الثورية الديمقراطية)، لكن بعد انتخابه شعرت "جبهة تحرير تيغراي" بنوع من التهميش وبأنها فقدت مراكز سلطتها، لذلك توجهت لتحتمي داخل إقليم تيغراي بكل قيادتها التي انتقلت من العاصمة إلى مغلي عاصمة الإقليم وغيره من مدن الشمال، ودخلت في مواجهة مع الحكومة المنتخبة شرعياً.
ويشير أحمد إلى أنه "كانت لدى التيغراويين مراكز السلطة، الأمن والجيش والمال، ولم يتوقعوا أنهم سيسقطون، لذا دخلوا في حرب تلو الأخرى مع الحكومة ولم ينجحوا في أيّ منها، وبعدما فقدت هذه الجماعة كثيراً من قوتها ومراكز قياداتها توجهت نحو الوساطة عبر الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، ووافقت على خيار السلم، في حين كانت القوات الحكومية الإثيوبية على أطراف العاصمة مغلي، وجرى توقيع ’اتفاق بريتوريا‘ بين الطرفين، وتكوين حكومة من قبل ’جبهة تحرير تيغراي‘ بقيادة غيتاشوا رضا، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتفقوا في ما بينهم، وسياسة زعيم جبهة تغراي لم تعجبهم، فشكلت حكومة أخرى بزعامة جنرال منهم كان ضمن القادة التيغراويين. والآن هم يتجهون لتحالفات مع حكومة إريتريا لمحاربة الحكومة الفيدرالية".
تطور دراماتيكي
مع تردي العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا في شأن قضية المنفذ البحري الذي صرحت إثيوبيا باستحقاقه صراحة في منطقة عصب الإريترية، انقلبت موازين العلاقات بين الأطراف، ففي حين كانت الحرب السابقة بتحالف بين الحكومة الإثيوبية وإريتريا ضد "جبهة تحرير تيغراي"، تواجه أسمرا غريمتها أديس أبابا بتحالف جديد يقارب بينها و"جبهة تحرير تيغراي" بزعامة رئيس الجبهة دبراصيون جبرميكائيل. وكمؤشر خطر على مواجهة جديدة بين الطرفين أعلن مكتب الاتصال الحكومي لإقليم عفر شرق إثيوبيا أول من أمس الخميس أن "مجموعة مسلحة تابعة لـ"جبهة تحرير تيغراي" (جناح دبراصيون جبرميكائيل) هاجمت الأربعاء الماضي أراضي في الإقليم، وسيطرت بالقوة على ست قرى في المنطقة الثانية، في خرق واضح لـ’اتفاق بريتوريا‘ للسلام".
يذكر أن إقليم عفر الإثيوبي يمثل المدخل الرئيس إلى ميناء "عصب" الإريتري، حيث المسافة الفاصلة بين الجانبين لا تزيد على 297 كيلومتراً تقريباً، وتخشى إريتريا في ظل التصريحات الإثيوبية من هجوم للاستيلاء على منطقة عصب الإريترية. وكان رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية المشير برهانو جولا قال السبت في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إن بلاده أصبحت في وضع استراتيجي يمكنها من ضمان حقها المشروع في الحصول على منفذ بحري، ورأى أن ذلك يمثل إحدى الركائز الأساسية لنهضة إثيوبيا وازدهارها المستقبلي.
وجاءت تصريحات المشير برهانو جولا خلال الاحتفال بالذكرى الـ118 لتأسيس قوات الدفاع الإثيوبية الذي أقيم في مركز التدريب البحري تحت شعار "أمة لا تقهر، وجيش لا يقهر"، وأكد فيها وفق ما نقلته وكالة "فانا" الإثيوبية للأنباء، أن "أعداء تاريخيين سعوا عبر العقود إلى حرمان إثيوبيا من مواردها الطبيعية وإشغالها بصراعات داخلية لإبقائها في دائرة الفقر والتخلف"، مضيفاً أن "شجاعة الجيش ودعم الشعب والقيادة الرشيدة مكنت البلاد من كسر تلك المؤامرات".
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وجه تحذيراً مباشراً وصريحاً إلى الحكومة الإريترية، محملاً إياها مسؤولية اختيار المسار المستقبلي للعلاقات بين البلدين، إما السلام والتعاون أو "العواقب الواضحة" للصراع.
في مهب الخطر
وما تشهده العلاقة المتوترة بين إثيوبيا وإريتريا تبدو انعكاساته واضحة على "اتفاق بريتوريا" للسلام، فوفق الظروف المتوترة حالياً بين أديس أبابا و"جبهة تحرير تيغراي"، والأزمة المتصاعدة مع إريتريا، تلوح أخطار الإطاحة بالاتفاق، وأبرزها فقدان الثقة بين الأطراف والاتهامات المتبادلة وتأخر عودة النازحين لمناطقهم والظروف القاسية التي يعيشونها، واستمرار وجود قوات إقليمية وأجنبية في مناطق تيغراي، والانقسام وسط السياسيين داخل إقليم وحكومة تيغراي، فضلاً عن الخلافات والتنازع مع الحكومة الفيدرالية حول المناطق التي تطالب "جبهة تيغراي" بعودتها للإقليم، بخاصة منطقة غرب تيغراي وغيرها من المناطق التي حددها الاتفاق، إضافة إلى ضعف الرقابة الدولية وعدم التزام الضامنين أدواراً فاعلة وعاجلة لحل الخلافات بين طرفي الاتفاق.
ويمثل الهجوم الحالي الذي شنته "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" على إقليم عفر الأربعاء الماضي، ظروفاً مشابهة للهجوم على القيادة الشمالية بإقليم تيغراي في نوفمبر عام 2020، مما يتوقع أن يتبعه رد فعل من الحكومة الفيدرالية التي تراقب الأوضاع عن كثب. فكما صادفت الحرب الماضية خلافات سياسية متعددة، يشهد الظرف الحالي اتهامات متبادلة تجاه تنفيذ "اتفاق بريتوريا" كواقع شبيه بالماضي، ويجمع هجوم تيغراي على إقليم عفر بين الليلة والبارحة في شأن ما هو متوقع من انفجار للأوضاع.