ملخص
بدلاً من الشخصية الواحدة والمكان الواحد والزمان الواحد، تختار الكاتبة التركية أليف شافاك أن تتناول في روايتها الجديدة "هناك أنهار في السماء"، ثلاث شخصيات بقصصها المختلفة مع ما يرافق كلاً منها من أحداث وعقبات وفضاءات. فيجد القارئ نفسه أمام رواية متأرجحة بين نينوى في أربعينيات القرن السابع قبل الميلاد ولندن القرن التاسع عشر وواقع الشرق والعالم الغربي في القرن الحادي والعشرين.
تحمل رواية "هناك أنهار في السماء" الصادرة بالإنجليزية عام 2024 ثم بالعربية عام 2025 (دار الآداب، ترجمة أحمد حسن المعيني) قارئها بين قصص مختلفة وأزمنة مختلفة وأمكنة مختلفة جامعة خيط السرد بقطرة ماء واحدة، قطرة ماء تحرك السرد وتوجهه وتبدأه وتنهيه وتسيطر عليه في كل مراحله وصفحاته.
وكما عودت أليف شافاك قارئها في رواياتها السابقة التي تناهز العشرين رواية، ها هي تقدم له في هذه الرواية أيضاً مزيجاً من التاريخ والأسطورة والقضايا الإنسانية الشائكة. من ملحمة جلجامش وصولاً إلى إبادة أتباع الديانة الإيزيدية عام 2014 وما بين التاريخين من إبادات ومجازر تعرض لها الإيزيديون، مروراً ببريطانية الفيكتورية، 644 صفحة من السرد المتماسك الصلب المحفوف بالمعلومات والأخبار والأساطير والأوجاع.
ومن الجدير ذكره أن الترجمة العربية جميلة سلسلة متماسكة لا تضعف في أي موضع من السرد على رغم حجم النص وثقل مضمونه وتشابك الشخصيات فيه.
3 أزمنة و3 أمكنة و3 شخصيات
تقوم هذه الرواية على خمسة أجزاء ينقسم كل منها إلى فصول متعددة، كل منها مخصص لشخصية. فيكتشف القارئ أولاً شخصية آرثر الإنجليزي الذي ولد قرب نهر التِمز والذي يرافقه السرد بين 1840 و1876. بعد آرثر، تظهر نارين الإيزيدية التي تعيش قرب نهر دجلة والتي يرافقها السرد منذ عام 2014 إلى عام 2024، وأخيراً زليخة المهاجرة ابنة المهاجرين المقيمة في لندن قرب نهر التمز والتي يرافقها السرد في عام 2018.
لكن السرد يبدأ فعلياً قبل هذه الشخصيات كلها بعد، في نينوى وتحديداً في مكتبة قصر الملك المستبد آشوربانيبال الذي به تبدأ قصة ألواح الطين التي كُتِبت عليها ملحمة جلجامش. تفتتح شافاك روايتها بعودة إلى أسطورة وملحمة وزمن يرمي السرد بأكمله في عالم الفانتازيا والمتخيل.
ثم فجأة يسير السرد إلى عام 1840 بعد فصل الملك آشوربانيبال، ليعرف القارئ بالطفل الفقير إنما المميز بذاكرته المدهشة آرثر الذي ولد قرب نهر التمز: "الملك آرثر صاحب المجاري والعشوائيات طفل عجيب، ولكن سينقضي وقت طويل قبل أن يجد اهتماماً كبيراً من أحد".
بعد آرثر يقفز السرد إلى عام 2014 ليعرف القارئ بنارين الفتاة الإيزيدية: "على ضفاف دجلة في جنوب شرقي تركيا تحت ظلة السماء الصافية يجتمع نفر من الإيزيديين". يكتشف القارئ الإيزيديين والخوف الدائم الذي يعيشون فيه منذ قرون هم الذين طالما اتهموا بأنهم مشعوذون وعبدة الشيطان، فتقول جدة نارين عندما تسألها هذه الأخيرة "لماذا كل هذه الكراهية ضدنا؟": "أخطأ الناس في فهم الإيزيديين، وافتروا عليهم وأساؤوا معاملتهم. تاريخنا ليس إلا تاريخ ألم واضطهاد. ذبحنا اثنتين وسبعين مرة. تلون نهر دجلة بدمنا، وجفت تربة من نوازلنا، وما شبعوا بعد من كرهنا".
بعد آرثر ونارين، يحين وقت قصة زليخة عام 2018. وزليخة فتاة يتيمة فقدت والديها وهي بعد صغيرة فاحتضنها خالها مالك المهاجر الثري. مقيمة في لندن وعالمة ماء تمنح زليخة بقصتها أبعاداً جديدة للسرد فهي تقدم قصة الغرب الثابت. لا تقفز قصة زليخة في الزمان ولا في المكان بل يراها القارئ غارقة في عالمها وطلاقها ويومياتها لتنفضح عبرها في النهاية شبكة ممارسات إجرامية يقوم بها الغرب من سرقة آثار الشرق والتجارة بنسائه وأعضاء سكانه الذين نجوا من الإبادات والمجازر. في نهاية المطاف يخرج الغرب من يومياته العبثية ليلتفت إلى الشرق وينقذه من مآسيه وحروبه والقتل الكثير الذي يسيطر عليه من خلال رمزية إنقاذ زليخة لنارين.
ثلاث قصص متقاطعة متشابكة غنية بالرمزيات والتفاصيل والأخبار التاريخية والأساطير تحول قراءة "هناك أنهار في السماء" إلى قراءة زاخرة بمئة معلومة ومعلومة. تتوقف شافاك كما هي عادتها في ذلك عند وجع أقلية تعرضت للاضطهاد والتنكيل وهي في هذه الرواية الديانة الإيزيدية. ويبدو جلياً كم أن الكاتبة قرأت وتثقفت حول موضوعاتها سواء أكانت تلك المتعلقة بنينوى أو بملحمة جلجامش أو تلك المرتبطة بالديانة الإيزيدية، فنراها قد استعانت بالتاريخ كثيراً وشبعت نصها به، حتى أنها مثلاً أدخلت شخصية الكاتب الإنكليزي شارلز دكنز (1812-1870) في سرد قصة آرثر وعصره.
إنما لا بد من القول، إنه وعلى رغم أن السرد سهل وسريع وممتع، يبقى ثقيلاً بالمعلومات الكثيرة والرمزيات الكثيرة والقصص والتواريخ والأمكنة الكثيرة. هناك "الكثير" من كل شيء في هذه الرواية لدرجة أن القارئ يتعب. استفاضت الكاتبة بالشخصيات والأزمنة والأمكنة والقضايا والموضوعات ما منح السرد الكثير من الثراء إنما أيضاً كمية هائلة من المعلومات والحبكات، ما أثقل السرد وجعل قراءة هذه الرواية متعة لمحبي الاطلاع على التاريخ القديم أو الحديث أكثر من محبي قراءة الروايات.
الماء: قوة الغضب والعقاب والموت
لا يؤدي الماء في هذه الرواية أي دور كمثل الشخصيات الأخرى، الماء في هذه الرواية هو الرواية محوراً وحبكة وزماناً ومكاناً. منذ العنوان وصولاً إلى عناوين الفصول فالجمل فالأمكنة فالأحداث، يكتشف القارئ في الماء عنصراً مسيطراً على المشهد كله.
تمنح أليف شافاك الماء المكانة الأولى في سردها، فهو موجود في العنوان من خلال الكلمتين المفتاح: "أنهار" و"السماء". كذلك هو موجود على الغلاف، من خلال اللون الأزرق وقطرة المياه الكبيرة في النسخة الإنجليزية، وقطرات المياه التي تملأ غلاف النسخة العربية. يرد الماء كذلك في عناوين الأجزاء الخمسة كلها داخل السرد، فعناوين الأجزاء هي: "قطرة ماء"؛ "أسرار الماء"؛ "أنهار قلقة"؛ "ذكريات الماء"؛ "الطوفان".
يجد القارئ نفسه كذلك أمام عنصر الماء موجوداً في عناوين الفصول، فتتأرجح هذه الأخيرة بين حرفي H وO اللذين يتألف منهما عنصر الماء كيميائياً. فما يكون الماء هو ذرة أوكسجين مركزية ترتبط بها ذرتا هيدروجين بحيث تكون صيغته H2O. من هنا تأتي الفصول متأرجحة بين الحرفين H وO، فالفصول التي تتناول نارين أو زليخة هي فصول H، أما الفصول التي تتناول آرثر فحرفها هو الـ O، وبين كل H وH، يجد القارئ نفسه أمام O في لعبة خلق متكرر لجزيء ماء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يجد القارئ كذلك أن الكاتبة تمنح الماء قوى عظمى في سردها من خلال جمل كثيرة تقيم مقارنة بين الماء والبشر وتمنح الأفضلية للماء. لا تشبه أليف شافاك الماء البشر، على العكس، تمنحه ميزات أكثر وأهم، فتقول: "فالماء غير البشر؛ الماء لا يحفل بمكانة أو بألقاب الملوك" أو كذلك: "فالماء لا ينسى. لكن النسيان شيمة البشر"؛ "أخبري الماء بكل شيء حدث، أياً كان. سيأخذ كل الألم والخوف".
ولا ينحصر الماء في العناصر اللغوية والعناوين في هذه الرواية، بل هو كذلك مكان الأحداث ومحورها. تدور الأحداث كلها جنب أحد النهرين: إما التمز في لندن وإما دجلة في جنوب شرقي تركيا. تنحصر أحداث السرد التي تمتد على قرون طويلة على ضفاف نهرين اثنين فقط، نهر في الغرب ونهر في الشرق، وهو ما له رمزيته أيضاً، فيرد في النص على لسان آرثر: "العالم في تضادات واضحة المعالم: الغرب في مواجهة الشرق، والجديد في مواجهة القديم، والعلم في مواجهة الخرافة، والمتحضر في مواجهة الجاهل. وبطريقة ما، من دون أن يبوح بذلك، كان قد وضع التمز في مواجهة دجلة أيضاً...".
عدا عن الأسلوب السردي الذي يضع الماء في محور الكلام والمشاعر والمكان، يجد القارئ أن الماء هو قوة العقاب وقوة الموت. الماء موجود في الأحداث كلها وهو الذي يحركها. جلجامش يبحث عن الخلود في الماء، الإيزيديون يُقتلون بتسميم المياه أو بكمائن قرب مناهل المياه العذبة، شقيق آرثر يموت بسبب الماء الملوث، والدا زليخة يموتان بسبب فيضان، إلخ. تستعيد شافاك في سردها كل القصص والأساطير المتعلقة بالماء والموت نتيجة الغضب والعقاب الإلهي الذي يتحقق بالماء كمثل فيضان نوح. لتقول الكاتبة بكل وضوح على لسان آرثر الذي يتحدث عن سكان بلاد الرافدين: "لقد عرف سكان هذه البلاد أنهم دائماً ما يعتمدون على الماء في حياتهم [...] تدرك أساطير الرافدين أن الماء هو القوة الحاسمة في الحياة".
"هناك أنهار في السماء" رواية ضخمة، ليس من حيث عدد الصفحات فقط بل من حيث الأحداث والمعلومات والقضايا والأفكار والأزمنة والأمكنة والحضارات والشخصيات والرمزيات والأساطير التي تحتويها والتي يعجز أي نص عن تقديمها بسرعة وإيجاز. من جلجامش مروراً بإبادة الإيزيديين فقضية الاتجار بالنساء والأولاد والآثار وصولاً إلى الثيمة الأزلية وهي التعارض بين الشرق والغرب وما بينهما من حروب، قصص وأساطير وشخصيات تاريخية وشخصيات معاصرة تتألم وتخبر وتتأثر بالماء في رحلة أبدية بين نهر التمز ونهر دجلة.