ملخص
شهدت أطراف مدن العاصمة إنشاء آلاف المساكن المشيدة من الطين والقش والصفيح، وذلك خلال عقود شابتها الكوارث الطبيعية والحروب التي أدت إلى الفقر والجفاف واختلال التوازن التنموي وضعف خدمات التعليم والصحة، وتضرر من إجراءات الإزالة أكثر من 150 ألف شخص، في حين تستهدف السلطات المتخصصة إزالة 4200 مسكن تقع في 70 منطقة قبل نهاية العام الحالي.
بعد ما استعاد الجيش السوداني الخرطوم في مارس (آذار) الماضي، بدأت السلطات المحلية حملة واسعة لإزالة المساكن العشوائية التي يقع معظمها في أطراف العاصمة باعتبارها من المهددات الأمنية المقلقة بسبب إيواء المجرمين والمنفلتين أمنياً، وشملت الإزالة أحياء العزبة وطيبة الأحامدة بالخرطوم بحري، ومربعي 18 و 19 بأبو سعد التابعين لمحلية أم درمان، فضلاً عن منطقتي شرق النيل ودار السلام الواقعتان جنوب الخرطوم، وسط تخوف مواطنين كثر من أن تشملهم هذه الإجراءات.
وشهدت أطراف مدن العاصمة إنشاء آلاف المساكن المشيدة من الطين والقش والصفيح، وذلك خلال عقود شابتها الكوارث الطبيعية والحروب التي أدت إلى الفقر والجفاف واختلال التوازن التنموي وضعف خدمات التعليم والصحة.
وتضرر من إجراءات الإزالة أكثر من 150 ألف شخص، في حين تستهدف السلطات المتخصصة إزالة 4200 مسكن تقع ضمن 70 منطقة قبل نهاية العام الحالي، مع تعويض المتضررين بتخصيص 1100 قطعة لمعالجة أوضاع سكان التعديات العشوائية التي باتت تشكل بؤرة للجريمة في ظل انتشار عمليات النهب والتخريب بسبب فوضي الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع لأكثر من 30 شهراً.
وبحسب "جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات" فإن ولاية الخرطوم أكملت تنفيذ 60 في المئة من إزالة السكن العشوائي في الولاية ضمن خطة مدروسة للحصر والإزالة، شملت حتى الآن منطقة الخيرات بمحلية شرق النيل ومربع 19 الحلفايا و13 مطري الحلفايا والعزبة بمحلية بحري، ومناطق غبوش ومانديلا جنوب الخرطوم وحتى جبل أولياء، مشيراً إلى أن هذه الحملات جاءت في ظل التحديات والأخطار والتفلتات الأمنية الناجمة عن تمدد السكن الاضطراري غير المخطط، مما ضاعف سكان الخرطوم من 5 ملايين إلى 15 مليوناً قبل اندلاع الحرب.
إجراءات صارمة
وفي السياق قال مبارك محي الدين، وهو أحد سكان حي شمبات، إن "جرافات الحكومة ظلت تعمل على إزالة المساكن العشوائية على نحو مفاجئ ومن دون سابق إنذار أو إلمام بالظروف التي قادتهم لإنشاء السكن الاضطراري، إذ يقيمون بها لأكثر من 30 عاماً، ولا سيما أن السلطات استغلت فترة الحرب في أعمال الإزالة للمساكن غير المخططة استناداً إلى معتقدات ومفاهيم راسخة بأن قاطني السكن العشوائي هم من كان وراء عمليات النهب والتخريب الذي طاول العاصمة خلال فترة الحرب".
وأضاف محي الدين أن "جرافات الإزالة ترافقها قوات أمنية مدججة بالسلاح والرشاشات مما أثار الرعب والمخاوف وسط المواطنين، إذ لم يقو أحد على الإعتراض ومنع الحملات من تنفيذ الإزالة كما كانوا يفعلون قبل ذلك، والآن لم تتمكن المجتمعات المتضررة التي تعاني الفقر والهشاشة الاقتصادية خوض معركة، فالسلطات أكدت أنها ستتخذ إجراءات صارمة ضد كل من يقف ضدها مما أدى إلى مغادرة سكان تلك العشوائيات إلى مناطق أخرى بعيداً من العاصمة".
ومضى المواطن السوداني بالقول إن "هناك أسراً في مناطق مختلفة من العاصمة تربطهم علاقات وطيدة بسكان العشوائيات فقامت باستضافتهم وهم يشعرون بالحزن حيالهم، ولا سيما أن معظم نسائهم يمارسن الأعمال المنزلية المختلفة لدى تلك الأسر"، مضيفاً أن "الفقر والجفاف والنزاعات القبلية أجبرت هذه الفئات على ترك مناطقها الأصلية والإحتماء بالعاصمة، وذلك بحثاً عن مصادر يعيلون بها عائلاتهم".
وتابع محي الدين "لا ننفي الاعتقاد السائد بأن سكان المنازل العشوائية يشكلون بؤراً للجريمة وأنها تؤوي المتفلتين، لكن هذا الاتهام لا يشمل جميع السكان، فهناك أسر ملتزمة تمارس المشاريع الزراعية والمصانع وفي خدمات التفريغ والشحن والأعمال المنزلية".
حواضن اجتماعية
من جانبه أفاد محمد عبدالكريم الذي يسكن شرق النيل قائلاً إن "منزلي تعرض للإزالة بعد إقامتي به أعواماً طويلة، إذ اشتريت قطعة سكنية كحيازة من لجان المنطقة قبل الحرب، وشيدت عليها منزلاً صغيراً من الطين مع الوعود بإدخال الخدمات الأساس من كهرباء ومياه وتعليم ومراكز صحية وأسواق تلبي حاجاتنا، لكن خلال الحرب انضم أبناء المنطقة إلى قوات الدعم السريع وصُنفنا كحواضن اجتماعية لتلك القوات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح عبدالكريم أن "السلطات المحلية أصبحت تتردد على منطقتنا، وبعد أيام قليلة جاءت قرارات الإزالة وهو ما حدث بالفعل، وجرت تسوية بيوتنا بالأرض وضاعت ممتلكاتنا تحت الأنقاض وأصبحنا في العراء، ولا سيما أن أوضاعنا الآن كارثية ولا ندري إذا كان هناك تعويض أم لا".
قلق وترقب
إلى ذلك قال عضو غرفة طوارئ الخرطوم الوليد كمال الدين إن "هناك مئات الأسر تعيش حالاً من القلق والترقب في أحياء مايو والإنقاذ جنوب الخرطوم بسبب حملات الإزالة التي تنفذها السلطات المختصة، وهو أمر بات واقعاً ولا أحد يستطيع أن يقف في وجه هذا القرار".
وأردف كمال الدين أن "هذه الفئات المستهدفة لا تستطيع استئجار المنازل مهما كانت أسعارها، فضلاً عن أن هذه الحملات تضع صعوبات أمامهم في الحصول على سكن جديد وهم يعيشون العوز الشديد، إذ إن حملات الحكومة قضت على حياتهم واستقرارهم وحرمانهم من حقهم في المواطنة ".
وتابع المتحدث قوله إن "الجهات المتخصصة تنتهز فرصة الحرب في إزالة المساكن العشوائية، وهذا يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي، إضافة إلى أنها تلوح بدوافع أخرى في القضاء على الظواهر السلبية التي تنامت أثناء الحرب".
ولفت عضو غرفة الطوارئ إلى أنه "من واجب الحكومة تعويض هذه الشرائح الضعيفة وإعادة دمجهم في خطط التنمية والإسكان".
أبعاد أمنية
وعلى صعيد متصل يقول الباحث في قطاع التنمية العمرانية محمد الباقر "في تقديري أن قرار حملات الإزالة في مثل هذا التوقيت الذي يعيش فيه المواطنين ظروفاً قاسية بسبب الحرب يعتبر مجحفاً للغاية، نظراً إلى صعوبة إيجاد هؤلاء السكان بدائل سريعة تمكنهم من الاستقرار مع أسرهم، إذ إن غالبيتهم لا يملكون قوت يومهم، وبالتالي بات مصيرهم مجهولاً".
ولفت الباقر إلى أن ثلث سكان السودان يعيشون على نمط السكن التقليدي، بينهم مليوني شخص يقيمون في منازل اضطرارية في المدن توافر العمالة للمشاريع الزراعية والمصانع.
وأشار الباحث في قطاع التنمية العمرانية إلى أن "المساكن العشوائية التي يسكنها أكثر من 3 ملايين شخص على مستوى السودان تعد نتاج السياسات الاقتصادية والأمنية، مع تركيز الثروات لدى فئات محددة، فضلاً عن أن تفكير الحكومة دائماً ما يكون طابعه أمني لناحية أن القاطنين في المساكن العشوائية يشكلون خطراً كبيراً، ووقود للحرب بسبب ممارستهم أعمال النهب والسرقة، ولا سيما أنها اتهامات غير مبررة لمجتمعات محطمة بسبب الفقر في ظل افتقادهم الإنصاف الاجتماعي والاقتصادي".