ملخص
حضور مكثف ولافت للعائلة كمنطلق سردي في الدورة الحالية من المهرجان الجونة السينمائي من الـ16 حتى الـ24 أمن كتوبر الجاري
الأسرة في عديد من الأفلام حيز عاطفي، نقطة البداية والمرجع، ومنبع الأسئلة الكبرى التي تعيد تعريف الذات في جميع مراحل الحياة. في السينما، كثيراً ما كانت أرضاً خصبة للصراع والمصالحة. ثلاثة أفلام معروضة في الجونة تحمل الهاجس الأسري: "50 متر" للمصرية يمنى خطاب، و"قيمة عاطفية" للنرويجي يواكيم ترير و"أب أم أخ أخت" للأميركي جيم جارموش.
في "50 متر" (مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة)، نطل على علاقة حميمية، متوترة في كثير من الأحيان، بين أب وابنته المخرجة، حيث يتحول التسجيل إلى أداة مواجهة وتواصل في آنٍ معاً. فيلم هاجسه الخوف من الخسارة والرغبة في التمسك بما تبقى من جذور الذاكرة. يمنى خطاب تجعل من علاقتها المعقدة بوالدها جسراً بين ما كان وما يمكن أن يكون، وتطرح سؤالاً وجودياً حول الاستمرارية والانتماء.
الفيلم ليس فقط عن العلاقة بين الأب والابنة، بل عن معنى التصوير نفسه، عن "الميز آن أبيم"، أي العمل الذي يعكس نفسه داخل نفسه. تصور المخرجة هذا الأب الذي كان قد صورها سابقاً، مسترجعة الماضي، محاولة فهم الحاضر في طيف المستقبل والمخاوف منه. الفيلم حال مستمرة من "العمل قيد الإنجاز"، عن الحياة ككل والزمن والغموض الذي يكتنف العلاقات الإنسانية، تجري فصوله حول حوض سباحة، حيث المسنون يخوضون تمارين الأيروبيك. تتحرك المخرجة بين تساؤلاتها الفنية والوجودية: لماذا تصور؟ هل لأنها تحب الرياضة؟ أم لأنها تودُّ قضاء وقت أطول مع والدها بحجة التصوير؟ أم لأنه فعل تكريمي لفئة عمرية مهمشة؟ هناك ربما القليل من هذا كله، كما يقول لها والدها. من بين هواجسها أيضاً أن تضع صورته أمامها لتتجاوزه، خشية أن تتحول إلى نسخة مطابقة له. ومع ذلك تسعى جاهدة إلى صون الإرث العائلي عبر فكرة الإنجاب، كأنها تحاول التوفيق بين الهرب من ظله والاستمرار في جذره.
دراما عائلية أوروبية
"قيمة عاطفية" (خارج المسابقة) يحملنا إلى قلب دراما عائلية أوروبية. منزل العائلة العريق شخصية قائمة في ذاتها تختزن ذكريات أفرادها وتعيد بثها كأشباح. يعود الأب الغائب (ستيلان سكارسغارد)، محاولاً استعادة الزمن الذي ضاع منه مع ابنتيه (ريناته رنسفي وإينغا إيبسدوتر ليلياس)، في مسار من شأنه أن يحدث مصالحة مع الصورة التي كوَّنتاها عنه وعن نفسيهما. العائلة في هذا الفيلم ليست ملاذاً آمناً، بقدر ما هي مسرحاً للمساءلة على أنواعها، وفضاء للتصادم بين أزمنة متعددة: الماضي المثقل والحاضر المأزوم، إضافة إلى المستقبل الذي قد يحمل بداية جديدة.
يأتي الأب وهو مخرج بمشروع سينمائي مُستلهم من ذكرياته. يجد في السينما منفذاً للبوح ومواجهة ماضيه. تمثل الابنة الكبرى نورا، وهي ممثلة تمر بأزمة، الجانب القلق والمتمرد في العائلة، بينما تمثل شقيقتها أغنيس، أستاذة التاريخ، الوجه المتزن والساعي إلى طي الصفحة. يشكل التباين بين الأختين محوراً درامياً يكشف تعقيدات العلاقات الأسرية. أسلوب المخرج، بكثافته العاطفية، تتيح للمشاهد ملامسة ما يضمره الصمت والنظرات الخاطفة، خصوصاً مع التحول التدريجي لحالة الكبت إلى تحرر. يتميز الفيلم بتوظيف الأداء البصري تزامناً مع الحوار المباشر، مما يضفي عمقاً على العلاقات ويجعل المصالحة النهائية بين الأب وابنته لحظة كشف صادقة ومتأخرة، لكنها ضرورية.
"أب أم أخ أخت" لجيم جارموش (مسابقة الأفلام الروائية الطويلة)، يلجأ إلى تفكيك فكرة العائلة عبر ثلاثة فصول وعائلات مختلفة، مستخدماً الحذف والتلميح والصراعات الصامتة. العائلة هنا شتات متناثر عبر مدن وطرق وسيارات. ما يجمع الشخصيات هو الأثر العاطفي الذي تتركه روابط الدم حتى عندما تبهت. يبتعد جارموش عن الحبكة التقليدية، مشتغلاً على فكرة "لم الشمل العائلي". لا يقدم بناءً درامياً تصاعدياً. يكتفي بلمحات وتفاصيل صغيرة موحية، محافظاً على الغموض حتى اللحظة الأخيرة. تمر الشخصيات ثم تغيب، لتفسح المجال أمام الفصل التالي. لا منحنى درامي واضح يرتب فيه المخرج الكبير خطابه عن العلاقات الأسرية. غالبية المشاهد تجري في أماكن داخلية، لكن الوصول إلى هذه الأماكن يمر دائماً برحلة في السيارة، كما لو أن العبور الجغرافي شرط لا بد منه قبل الانغماس في العمق العاطفي. تربط الفصول الثلاثة خيوط واهية لكنها ذات دلالة، كأحاديث عابرة عن الماء، أو سؤال يتكرر بصيغ مختلفة. هذه الطريقة في تجريد الفيلم من أي دراما، ليس سوى احالة لجوهر أسلوب جارموش الذي طالما صور الإنسان في وحدته وعزلته وانتظاره، وفي انعدام التواصل الذي يعانيه، حتى لو تعلق الأمر بالأسرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم اختلاف الأساليب الإخراجية والبيئة التي تخرج منها هذه الحكايات عن الأسرة، فإن الأفلام الثلاثة تتقاطع عند فكرة واحدة: العائلة وقد فقدت مركزيتها التقليدية، لكنها في الوقت ذاته تستعيد معناها العميق كمرجع للذاكرة واختبار للذات. لا أحد يخرج من عائلته كما دخل إليها. العائلة، كما يراها السينمائيون في هذا العصر، سيرورة متحركة من الحب والخذلان والمغفرة. إنها الرابط الذي لا مفر منه، حكاية نرثها ونكتبها في الحين نفسه.