ملخص
"عرض بوتين تسليم أجزاء من منطقتي زابوروجيا وخيرسون لأوكرانيا مقابل الاعتراف بالسيطرة الروسية الكاملة على دونيتسك. بالتالي، أصبحت مطالب موسكو أقل شمولية مقارنة بمحادثات أغسطس في أنكوراج بألاسكا".
يعتقد خبراء عسكريون أميركيون وأوكرانيون أن الولايات المتحدة كانت ستزود أوكرانيا على الأرجح بطرز "توماهوك" قديمة يمكن أن تعترضها أنظمة الدفاع الجوي الروسية.
لم يفقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأمل بعد باحتمال نجاح وساطته في حل الأزمة الأوكرانية، على رغم فشل جميع المحاولات التي قام بها في هذا الاتجاه منذ تسلمه السلطة داخل البيت الأبيض مطلع هذا العام. لذلك، أعلن عقب محادثته الهاتفية الثامنة على التوالي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، أن محادثاته الأخيرة مع نظيره الروسي قد تؤدي إلى تسوية في أوكرانيا.
وقال ترمب ضمن حديث في البيت الأبيض "كانت هذه المحادثة مثمرة للغاية لدرجة أننا سننهي (الصراع في أوكرانيا)... نحن نريد السلام". وأعرب عن اعتقاده أن الوقت الحالي ربما لا يكون مناسباً لفرض عقوبات جديدة على موسكو.
وأضاف في معرض تعليقه على تصريح زعيم الغالبية داخل مجلس الشيوخ جون ثون، بأن "الوقت حان" للنظر في تشريع يفرض عقوبات جديدة على روسيا "أنا لست ضد ذلك. أنا فقط أقول إن الوقت حالياً قد لا يكون مناسباً".
وأكد الرئيس الأميركي أن بوتين رفض بشدة فكرة نقل واشنطن صواريخ "توماهوك" إلى أوروبا ومنها لأوكرانيا. وعقب المكالمة الهاتفية، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة نفسها في حاجة إلى هذه الصواريخ، لذا من المرجح ألا تصل شحنات من هذا السلاح الفتاك إلى أوروبا ومنها إلى أوكرانيا خلال المستقبل المنظور.
وأجرى الرئيسان الروسي والأميركي محادثة هاتفية مساء الـ16 من أكتوبر الجاري، بمبادرة من بوتين الذي يسارع لإرخاء شعرة العلاقة مع ترمب كلما أحس أن الأخير يشدها. ووفقاً للسكرتيرة الصحافية لترمب، كارولين ليفيت، استمرت المحادثة قرابة ساعتين، بينما قال مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، إنها استمرت قرابة ساعتين ونصف الساعة. وكانت النتيجة الرئيسة، بحسب ما أفاد الرئيس الأميركي نفسه على منصة التواصل الاجتماعي "تروث سوشال"، الاتفاق على الاجتماع مرة أخرى مع بوتين في عاصمة المجر بودابست، ولكن لم يحدد موعد محدد. واللافت أن هذه المحادثة الهاتفية التي بادر بوتين لإجرائها، جاءت عشية وصول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن خلال الـ17 من أكتوبر الجاري، إذ استقبله ترمب. وأعلن أنه أطلع نظيره الأوكراني على محادثاته مع بوتين.
الطريق إلى السلام
بحسب غالبية الخبراء السياسيين في موسكو، من المستبعد التوصل إلى اتفاق سلام ضمن القمة المقبلة بين بوتين وترمب، لأن هذه القمة ستكون استمراراً للقمة الأولى التي عقدت بينهما داخل ألاسكا خلال أغسطس (آب) الماضي، ورسمت "خطوط السلام" الأولى من دون أن تضع خريطة طريق واضحة للوصول إلى هذا السلام المنشود.
لكن من المتوقع أن تمثل هذه القمة التي ينتظر أن تعقد خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، خطوة إضافية مهمة نحو حل النزاع الأوكراني، على اعتبار أن اللقاء الشخصي بين الصديقين اللدودين يسفر دائماً عن نتائج.
قال المحلل السياسي والمتخصص في الدراسات الأميركية ورئيس وكالة "دوبرافسكي" الاستشارية بافيل دوبرافسكي، إن المكالمة الهاتفية بين بوتين وترمب كانت حاسمة لجهة تنسيق مواقفهما وسط الحديث عن إمكانية تسليم صواريخ "توماهوك" إلى أوكرانيا.
وأضاف "كانت هذه مكالمة مهمة لمقارنة الآراء. وكان من المهم أن ينقل الرئيس الروسي موقفه الرافض بشدة لاستخدام صواريخ ’توماهوك‘ ضد بلاده إلى الرئيس الأميركي".
ومع ذلك، يرى هذا المتخصص السياسي أنه من المفيد انتظار انعقاد القمة المقبلة لتلخيص المفاوضات الحالية. ووفقاً لدوبرافسكي، من الواضح أن ترمب غير راغب في تصعيد الصراع. ومن المهم له تطوير مسارات مختلفة للعلاقات مع روسيا. وسيكون اجتماع بودابست أكثر أهمية بكثير من تصريحات الرئيس الأميركي في شأن إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا.
وأخيراً، سيمثل انعقاد القمة في بودابست الكائنة وسط القارة العجوز عودة نوعية لبوتين إلى أوروبا. وذكر المتخصص أن الرئيس الروسي لم يزر الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة، لذلك ستعيده هذه القمة إلى أوروبا للمرة الأولى منذ فترة طويلة إلى بلد يتعامل بصورة أكثر إيجابية تجاه روسيا، مقارنة ببلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى.
وكتب رئيس تحرير مجلة "روسيا في السياسة العالمية" وأستاذ الأبحاث في المدرسة العليا للاقتصاد بجامعة الأبحاث الوطنية الروسية فيودور لوكيانوف، أن المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الروسي والأميركي أظهرت وأكدت رغبة الزعيم الأميركي في تجنب "الانزلاق إلى فخ الانحياز إلى أوكرانيا".
وفقاً للوكيانوف، بعد المحادثة، بات واضحاً أن صواريخ "’توماهوك‘ لن تسلم لزيلينسكي غداً". ويعتقد البروفيسور أن ترمب "يتبع نهجاً جديداً في مسار معروف، أي إنه يدور في حلقة مفرغة".
وكتب لوكيانوف "ليس من المؤكد إطلاقاً أن هذه القمة ستنتهي بصورة مختلفة عن سابقاتها، أي بلا أية نتيجة. لكن رغبة ترمب في تجنب الوقوع في فخ الانزلاق نحو أوكرانيا تتضح أكثر فأكثر. إنها عمليات استنزاف دبلوماسية من جانبه. أو بالأحرى، حرب استنزاف دبلوماسية". وأشار إلى أن "ما نوقش هناك لا يزال قيد النقاش. ومن المتوقع أن ينهي الاجتماع الجديد، المقرر عقده داخل بودابست، بعض الأمور التي لا ترقى إلى مستوى السلام في أوكرانيا، ولكن قبل ذلك، ستكون هناك محادثات جديدة على مستوى أدنى مباشرة من المستوى الرئاسي".
مطالب بوتين
طالب الرئيس الروسي خلال محادثته الهاتفية مع الرئيس الأميركي خلال الـ16 من أكتوبر الجاري، أوكرانيا بالتخلي عن السيطرة الكاملة على منطقة دونيتسك، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، نقلاً عن مسؤولين رفيعي المستوى مطلعين على المفاوضات.
وبحسب مصادر الصحيفة، عرض بوتين تسليم أجزاء من منطقتي زابوروجيا وخيرسون لأوكرانيا مقابل الاعتراف بالسيطرة الروسية الكاملة على دونيتسك. بالتالي، أصبحت مطالب موسكو أقل شمولية مقارنة بمحادثات أغسطس الماضي في أنكوراج بألاسكا، وفقاً للتقرير.
وقال دبلوماسي أوروبي مطلع على الموقف الأوكراني "إن الأمر أشبه ببيع ساقيهم مقابل لا شيء".
وأكد الكرملين أن أولوية روسيا هي التوصل إلى اتفاق شامل وملزم قانوناً يقضي على الأسباب الجذرية للصراع.
وضمن المذكرة التي قدمتها روسيا خلال الجولة الثانية من المحادثات مع أوكرانيا في إسطنبول، حددت خيارين لوقف إطلاق النار، إما انسحاب وحدات القوات المسلحة الأوكرانية من أراضي جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوغانسك الشعبية ومنطقتي زابوروجيا وخيرسون وانسحابها من الحدود الروسية إلى مسافة متفق عليها بين الطرفين، أو اقتراح حزمة من 10 نقاط، بما في ذلك حظر إعادة انتشار القوات المسلحة الأوكرانية وإنهاء التعبئة ووقف إمدادات الأسلحة الأجنبية واستبعاد قوات حفظ السلام من دول ثالثة من أوكرانيا، وغيرها.
ورداً على ذلك، لم يستبعد مستشار رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني ميخايلو بودولياك خلال أغسطس الماضي، إمكانية تجميد الصراع على طول خط المواجهة الحالي، وأن تعترف كييف بحكم الأمر الواقع، ولكن ليس بحكم القانون، ببعض الأراضي على أنها خاسرة.
خلال هذه الأثناء، قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، إن "تصريحات ترمب في شأن النقل المحتمل لصواريخ ’توماهوك‘ بعيدة المدى إلى أوكرانيا كانت مسرحية سياسية. لكن صانع السلام الرئيس نجح في استخدام الفأس. وبطريقته المعهودة، نجح في إجهاد الرأي العام العالمي"، وفق ما كتب على تطبيق "تيليغرام".
وأشار ميدفيديف إلى أن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، الذي يلقي ترمب باللوم عليه بانتظام في بدء الصراع الروسي - الأوكراني، لم يدعم أيضاً فكرة إرسال أسلحة بعيدة المدى إلى أوكرانيا.
وأضاف ميدفيديف أن رفض تسليم صواريخ "توماهوك" لا يعني نهاية إمدادات الأسلحة إلى كييف. فمزيد مقبل، وعلينا أن نكون مستعدين لأي تطور، وفق ما اختتم حديثه.
وأفاد موقع "أكسيوس" سابقاً نقلاً عن مصادر، بأن ترمب رفض خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بُعيد يوم واحد من محادثته الهاتفية مع بوتين، بيع صواريخ "توماهوك" بعيدة المدى لأوكرانيا. وكان الرئيس الأميركي يناقش إمكانية تنفيذ هذه الفكرة منذ أوائل أكتوبر الجاري.
وبحسب مصادر الصحيفة، أوضح ترمب لزيلينسكي أن الدبلوماسية أولويته الحالية، وأن إمدادات الصواريخ قد تقوض تلك الجهود. وعقب المحادثات، أشار ترمب إلى أن الولايات المتحدة نفسها في حاجة إلى صواريخ "توماهوك"، وأعرب عن أمله في إمكانية حل النزاع من دون استخدامها.
وفي حديثه للصحافيين، صرح ترمب بأن الولايات المتحدة تمتلك وفرة من صواريخ "توماهوك كروز"، لكنها في حاجة إليها أيضاً. ومع ذلك، وبحسب ما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مصادر، ناور ترمب علناً وفي السر خلال الأيام الأخيرة بالإعلان عن ميله لتزويد كييف بهذه الصواريخ.
التحضير لقمة لا تقتصر على السلام
عقب المكالمة الهاتفية الثامنة والأطول منذ بداية ولاية ترمب الثانية مع بوتين الخميس الماضي، أطلقت التحضيرات اللوجيستية والدبلوماسية لعقد قمة الرئيسين. وأكد مساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية يوري أوشاكوف أن ممثلي البلدين سيبدأون فوراً التحضير لاجتماع جديد بين الزعيمين، والذي قد يُعقد "على سبيل المثال، في بودابست". وكان الجانب الأميركي أول من حدد هذه المدينة كمكان محتمل، وهو ما أيده بوتين فوراً. وستبدأ التحضيرات للقمة الجديدة بمحادثة بين وزيري خارجية البلدين. وبعد ذلك، "سيتضح مع عمل الممثلين متى يمكن تنظيم القمة نفسها".
ووفقاً لأوشاكوف، أكد بوتين اهتمامه بحل سلمي للصراع في أوكرانيا، مشيراً إلى أن القوات الروسية "تتولى زمام المبادرة الاستراتيجية" على طول خط التماس. وقال إن النقاش حالياً يتركز على التحضير لاتصالات جديدة، وتحديداً بين ممثلي واشنطن وموسكو.
وأعلن ترمب من جانبه أيضاً أن جدول أعمال محادثته هذه المرة مع بوتين شمل معاهدة "ستارت" وآفاق التجارة بين البلدين وإجراء تبادلات تجارية بعد حل النزاع، إضافة إلى اتفاق السلام في الشرق الأوسط الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، وأدى إلى وقف إسرائيل و"حماس" للأعمال العدائية.
وهنأ الرئيس الروسي ترمب على هذا النجاح، قائلاً إن السلام في المنطقة "كان حلماً لقرون". وأضاف ترمب "أعتقد حقاً أن النجاح في الشرق الأوسط سيساعد مفاوضاتنا على إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا".
وقال أوشاكوف إن "فكرة أن الصراع الروسي - الأوكراني أثبت أنه الأصعب حلاً بين جميع أنشطة حفظ السلام التي قام بها الرئيس الأميركي، كانت واضحة جلية في تصريحاته". وأضاف "وبالطبع، استذكر (ترمب) في هذا الصدد نجاحاته في حل ثمانية صراعات إقليمية أخرى".
مبادرة خلال توقيت ذكي
آخر مرة تحدث فيها بوتين وترمب هاتفياً كانت خلال الـ18 من أغسطس الماضي، بعد ثلاثة أيام من قمتهما الثنائية الأولى في ألاسكا، وكذلك محادثات ترمب اللاحقة في واشنطن مع زيلينسكي وآخرين. وخلال ذلك الوقت، أيد بوتين وترمب استمرار المفاوضات المباشرة بين الوفدين الروسي والأوكراني على مستوى أعلى. ومع ذلك، لم تعقد أية جولة جديدة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا منذ ذلك الحين.
ويعتقد المتخصصون في موسكو أن بوتين الذي يسارع لإعطاء الرئيس الأميركي من طرف حلاوة في كل مرة يرى فيها أن الأخير غاضب من فشله في إحراز تقدم معه، حاول هذه المرة اصطياد عدة عصافير بحجر واحد من محادثته الهاتفية مع ترمب، أولها إبعاد شبح صواريخ "توماهوك" عن الدخول إلى ساحة المعركة في أوكرانيا، وثانيها لجم التقارب بين ترمب وزيلينسكي الذي بدت ملامحه ضمن اللقاء ما قبل الأخير بينهما على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما صرح ترمب بأن أوكرانيا بإمكانها استعادة كل الأراضي التي خسرتها، وثالثها تخفيف الضغوط الداخلية عن ترمب داخل الولايات المتحدة التي تدعوه إلى فرض مزيد من العقوبات على روسيا لإجبارها على الدخول في تسوية حل وسط للأزمة الأوكرانية.
ويقول نائب مدير مركز الدراسات الدولية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد دميتري سوسلوف إن تصريحات ترمب وطول المحادثة بين الرئيسين تشيران إلى أن الطرفين لا يزالان منخرطين في مفاوضات جوهرية لحل النزاع في أوكرانيا، ويناقشان معايير محددة لتسويته. وأضاف المتخصص أن التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا في شأن القضية الأوكرانية مستمر، وأن رد فعل ترمب الإيجابي على المحادثة مع بوتين يظهر أن زخم قمة أنكوراج في ألاسكا لا يزال قائماً.
وأكد سوسلوف أن جدول أعمال الاجتماع الذي تلا المحادثة بين ترمب وزيلينسكي حسم بعد المكالمة "لن تسلم صواريخ ’توماهوك‘ إلى أوكرانيا غداً. سيكون الموضوع الرئيس هو نتائج محادثة الرئيس الأميركي مع بوتين" وليس التقدم بطلبات تسلح جديدة.
ويتفق رئيس تحرير مجلة "روسيا في الشؤون العالمية" فيودور لوكيانوف مع سوسلوف على أن تسليم صواريخ "توماهوك" لن يُعتمد في المستقبل المنظور. ويعتقد كبير الباحثين في وكالة الاستخبارات المركزية فلاديمير فاسيلييف أن ترمب سيعيد النظر في هذه المسألة بعد القمة الروسية -الأميركية المقبلة في بودابست. وأضاف المتخصص "لا أستبعد أن يكون بوتين أوضح لنظيره الأميركي ضمن المكالمة الهاتفية أنه في حال اتخاذ مثل هذا القرار، فإن ’روح أنكوراج‘ التي كانت داعمة للمفاوضات ستدفن، وسيتعين على الطرفين إعادة بناء جسور التواصل".
وبحسب سوسلوف، فإن الوضع الحالي يشير إلى أن تصريحات ترمب الانتقادية السابقة تجاه موسكو وإعلاناته عن "خيبة أمله" من بوتين، كانت ذات طبيعة ضغط سياسي بحت ولم تُنفذ عملياً.
ويواصل لوكيانوف حديثه قائلاً إن زخم ألاسكا لم يُفقد بعد، مؤكداً أنه لا توجد ضمانات حتى الآن بأن المحاولة الحالية لدفع المفاوضات إلى الأمام ستسفر عن أية نتائج حقيقية، لكنها تُظهر بصورة متزايدة رغبة ترمب في أن يكون صانع سلام في أوكرانيا.
لماذا بودابست؟
وفقاً لسوسلوف، يعود اختيار المجر كمكان للقاء إلى التوافق السياسي بين المجر وترمب، إذ تعد بودابست وحكومتها بقيادة أوربان ملائمة للرئيس الأميركي. ويشير سوسلوف إلى أنه "الاتفاق على بودابست بالفعل، هو خطوة رمزية كبيرة من موسكو تجاه واشنطن. فعلى رغم خطاب أوربان البناء نسبياً، صوتت المجر لمصلحة جميع حزم عقوبات الاتحاد الأوروبي، وهي عضو في حلف الناتو". ويعد اختيار بودابست انتصاراً رمزياً للدبلوماسية الروسية.
أما فاسيلييف فيعد بودابست موقعاً أنسب بكثير لموسكو من إسطنبول، ويمكن أن تشكل أيضاً دعماً للمجر في صراعها مع الاتحاد الأوروبي. علاوة على ذلك، تعيد المفاوضات في العاصمة المجرية روسيا رمزياً إلى أوروبا.
ويقول سوسلوف إن الديناميكيات المستقبلية للمفاوضات الأميركية - الروسية ستحدد في الاجتماع المعلن لممثلي الرئاسة. وتسمح هذه المفاوضات بتقارب جزئي في المواقف في شأن قضايا التسوية الرئيسة، وافتراضاً بوتيرة سريعة للمفاوضات بين واشنطن وموسكو. ويخلص سوسلوف إلى أنه من المرجح أن يسعى الطرفان في المفاوضات المقبلة إلى الحصول على تنازلات من بعضهما بعضاً في شأن حل الأزمة الأوكرانية، لكن موسكو، في رأيه، ليست مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة، وإلا سيميل الغرب إلى ممارسة ضغوط أكبر.
ويمكن تفسير اختيار بودابست كمكان للتفاوض بناءً على انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية في ربيع العام الماضي. بالتالي، لم تعد سلطات البلاد ملزمة بالامتثال لقراراتها، بما في ذلك مذكرة التوقيف الصادرة خلال مارس (آذار) 2023 بحق الرئيس الروسي. مع ذلك، صرحت بودابست سابقاً بأنها لا تعترف بالجزء من نظام روما الأساس الذي يسمح بمثل هذا التوقيف، لأنه يخالف دستور البلاد. ومن يذكر أنه خلال أبريل (نيسان) من هذا العام، وحتى قبل موافقة البرلمان المجري على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه خلال نوفمبر 2024، بودابست من دون أية عوائق.
وصرح رئيس تحرير مجلة "روسيا في الشؤون العالمية" فيودور لوكيانوف بأن المجر هي المنصة التفاوضية الوحيدة المقبولة في أوروبا. وأضاف "لم تعد هناك دول محايدة بالمعنى القديم. المجر وحدها تحاول الادعاء بأنها فوق النزاع. وهذا، بالطبع، يخلق صراعاً، نظراً إلى كونها، في نهاية المطاف، عضواً في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وملزمة رسمياً بالامتثال، على سبيل المثال، لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. ولكن ربما إذا توصل ترمب وبوتين إلى اتفاق، ستضمن المجر بطريقة ما عدم إثارة هذه المسألة خلال الاجتماع".
ورحب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بالإعلان عن لقاء ترمب وبوتين في بودابست لمناقشة إنهاء الصراع في أوكرانيا. وصرح الرئيس الأميركي بأن القمة في العاصمة المجرية ستعقد بعد الجولة الأولى من الاجتماعات بين وزير الخارجية ماركو روبيو ونظيريه الروسي الأسبوع المقبل في مكان سيحدد لاحقاً.
وكتب أوربان ضمن منشوره على "إكس"، "اللقاء المزمع بين الرئيسين الأميركي والروسي خبر سار لمحبي السلام حول العالم. نحن مستعدون!". وكتب أوربان في منشور لاحق "لقد تحدثت للتو عبر الهاتف مع الرئيس ترمب. الاستعدادات لقمة السلام الأميركية - الروسية جارية على قدم وساق".
وقال رئيس الوزراء المجري إن القمة الروسية - الأميركية في المجر قد تعقد بعد أسبوع من اجتماع وزراء الخارجية. وأوضح "أمس، طلب منا الرئيس (الأميركي دونالد ترمب) الاستعداد، ومن المقرر عقد اجتماع بين وزيري الخارجية. وقررا (مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين) أن يسعى وزيرا الخارجية إلى حل القضايا المتبقية خلال أسبوع، وبعد ذلك بأسبوع، سيتمكنان من الحضور إلى بودابست".
وأكد رئيس الوزراء أنه أصدر توجيهاته بتشكيل لجنة تنظيمية للتحضير للقمة، وبدأ العمل.
في هذه الأثناء كتبت صحيفة "تليغراف" البريطانية "لا بد أن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أن يشعر بأنه القط الذي نال النصيب الأكبر. ويصور المجري نفسه كداعم للسلام، وهذه القمة بين القوتين العظميين شرف عظيم لزعيم دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 9.5 مليون نسمة.
وتشير صحيفة "تليغراف" إلى أن دور رئيس الوزراء المجري كمضيف سيعزز سلطته. في السابق، أصر دبلوماسيون أوروبيون على أن أوربان لم يكن يتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، على رغم تولي المجر الرئاسة الدورية للاتحاد لمدة ستة أشهر.
وصرح مساعد الرئيس الروسي أوشاكوف بأن بوتين يفضل عقد الاجتماع. وأضاف أن ترمب كان أول من ذكر بودابست، وأن الرئيس الروسي أيد على الفور فكرة عقد قمة محتملة داخل تلك العاصمة الأوروبية.
تخفيف التوتر
رأى رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي (مجلس الشيوخ) غريغوري كاراسين أن المحادثة الهاتفية الأخيرة بين الرئيسين الروسي والأميركي خففت من حدة التوترات المحيطة بالأزمة الأوكرانية. وكتب عبر قناته على "تيليغرام"، "لقد خففت المكالمة الهاتفية بين رئيسي روسيا والولايات المتحدة بصورة ملحوظة من حدة التوترات التي تأججت بشدة في أوروبا بسبب الأزمة الأوكرانية...".
وأشار السيناتور إلى أن مناقشة آفاق تحسين التعاون الروسي - الأميركي في القضايا الدولية والثنائية لم تكن أقل أهمية خلال محادثة الزعيمين. وأكد كاراسين أن الالتزام بالمضي قدماً في جميع جوانب التعاون الروسي - الأميركي واضح.
وصرحت الخبيرة السياسية وعضو نادي "ديغوريا" للخبراء إيرينا ديفيديان بأن الرئيس الأميركي سيعيد على مسامع بوتين طرح مبادرة عقد قمة ثلاثية بمشاركة الزعيم الروسي ونظيره الأوكراني زيلينسكي، لأنه يرى أنها يمكن أن تسهم في حل أكثر فاعلية للصراع بين روسيا وأوكرانيا.
وسبق لترمب أن أثار إمكانية عقد محادثات ثلاثية بين بوتين وزيلينسكي خلال المستقبل القريب. وأوضحت الخبيرة أن هذا الشكل يظهر النهج العملي الذي تتبعه واشنطن في حل الأزمة الأوكرانية.
وبحسب الخبيرة، لا يمكن التوصل إلى حل فعال للوضع إلا بمشاركة جميع الأطراف الرئيسة. وأشارت إلى صعوبة التوصل إلى حل وسط بسبب تباين مواقف موسكو وكييف. وأشارت إلى أن رفض زيلينسكي دعوة بوتين لزيارة موسكو يبرز عمق الخلافات.
وأكدت ديفيديان أن كييف تستخدم فكرة التنسيق الثلاثي كأداة ضغط سياسي، مصرة على الحوار من دون تحضير مسبق. وخلال الوقت نفسه، دأبت موسكو على تأكيد أن عقد قمة من دون تحضير دبلوماسي لا طائل منه.
وأشارت ديفيديان إلى أن "وجود ترمب كوسيط من شأنه أن يساعد في تهدئة الخلافات بين الأطراف وجعل المفاوضات أكثر فاعلية".
وأضافت أنه من دون لقاءات تمهيدية ومناقشات بين الوفود، من غير المرجح نجاح المفاوضات. وأكدت أن موسكو ملتزمة بالحوار البناء وإيجاد حلول عملية لحل النزاع.
تكتيكات ترمب التفاوضية
يعتقد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب الروسي (الدوما) ورئيس كتلة "الحزب الليبرالي الدمقراطي" النائب ليونيد سلوتسكي، أن هناك سحراً للاتصالات الشخصية بين بوتين وترمب قد يحل الأزمة في أوروبا، وأن "الزعيمين ملتزمان بحل الأزمة الأوكرانية وإخراج العلاقات الروسية - الأميركية من مأزقها. ويستمر الحوار الذي بدأ في ألاسكا من أجل إيجاد سبل لإنهاء الصراع الأوكراني. ومن شأن الاتصالات الشخصية المثمرة بين بوتين وترمب أن تسهم في نهاية المطاف في حل أعقد أزمة أمنية في أوروبا".
من المهم إدراك أن تكتيكات ترمب التفاوضية مع روسيا لا تختلف عن نهجه مع الصين أو أوروبا. أولاً "الصداقة والتفاهم المتبادل"، ثم الرسوم الجمركية والتهديدات والضغوط ومحاولات التفاوض على صفقات جديدة بشروط أفضل. وهذا ما يحدث مع بكين خلال الحرب التجارية، وهو يستخدم تكتيكات مماثلة مع موسكو.
ترد الصين بالفعل بقسوة أكبر من ذي قبل، وواشنطن تستشعر ذلك. وروسيا بدورها تستغل هذه اللحظة لاستعادة الحوار، فالولايات المتحدة لا تهتم بأرباح روسيا من التجارة مع الصين، بل باستقلال بكين المتنامي وتقاربها مع موسكو. وفي ظل هذه الخلفية، يلعب ترمب أيضاً ضد أوروبا، مستغلاً مخاوفها من أنه يقترب من موسكو.
وإذا تصورنا أن روسيا تقدم بعض التنازلات للولايات المتحدة، نظراً إلى أن موسكو تؤكد أن السلام يجب أن يكون طويل الأمد، فإن السيناريو سيكون على الأرجح نموذجياً.
في البداية، ساد تفاؤل شديد ثم خيبة أمل كبيرة، إذ أعلن ترمب أن شروط الاتفاق الذي تعرضه روسيا غير مرضية وطالب بمزيد من التنازلات، فانخفضت السوق هبوطاً حاداً. أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات، وردت روسيا.
بعد فترة توقف، بدأت جولة جديدة من المفاوضات رفعت فيها بعض القيود وبقي بعضها الآخر. وتتكرر الدورة.
لقد شهدنا طفرات مماثلة سابقاً، خلال فبراير (شباط) وأغسطس، بارتفاع في وتيرة المفاوضات أعقبه تراجع. والآن، المكالمة الهاتفية بين بوتين وترمب ليست سوى استراحة في الاضطرابات الجيوسياسية، وليست بداية عهد جديد.
تولد الإشارات الهادئة تفاؤلاً قصير المدى، لكن النمو المستدام يعتمد على عوامل أساس. فالموقف الروسي يعتمد بصورة واضحة على الوقائع الميدانية داخل ساحة المعركة، حتى من دون أية اعتبارات جيوسياسية، فبوتين يستند فقط لفضل الزخم الذي يتمتع به الجيش الروسي على طول خط المواجهة مع الغرب في الساحة الأوكرانية.
بوتين يبعد ترمب من أوكرانيا
أعلن الرئيس الأميركي قبوله بعقد لقاء شخصي مع الرئيس الروسي في المجر خلال توقيت حساس ودقيق. وستسبق ذلك قمة مع مسؤولين رفيعي المستوى من كلا البلدين. قد يشير تصريح ترمب المرحب بقمته الثانية مع بوتين إلى نيته النأي بنفسه عن أوكرانيا، وهذا ما تكتبه وسائل الإعلام الدولية حول آفاق الحوار بين الزعيمين.
وكتبت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية تقول إن خطة ترمب للقاء بوتين تقوض مبادرة أوكرانيا، بعدما جدد الرئيس الأميركي تركيزه على إنهاء الصراع في أوكرانيا، معلناً عن لقاء جديد مع بوتين بعد فشل القمة الأولى داخل ألاسكا في تحقيق نتائج. وقدم الرئيس الأميركي هذا القرار، الذي أعلن عنه بعد محادثة استمرت أكثر من ساعتين مع بوتين خلال الـ15 من أكتوبر الجاري، كخطة عمل للسلام. ويخفف هذا القرار من الضغط المتزايد على روسيا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ أعرب ترمب عن إحباطه من البطء في إنهاء الأعمال العدائية.
استبقت محادثة ترمب مع بوتين اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، المقرر أثناء اليوم التالي. وخلال الأسابيع الأخيرة، ازدادت صداقة ترمب مع زيلينسكي، بينما تراجعت صداقته مع بوتين. ويتناقض هذا بصورة صارخة مع موقفه البارد تجاه الزعيم الأوكراني في بداية إدارته، بما في ذلك توبيخه العلني له داخل المكتب البيضاوي خلال وقت سابق من هذا العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أعرب زيلينسكي عن قلقه إزاء تصريحات ترمب الغامضة حول إمكانية إرسال صواريخ "توماهوك" ومحاولات مجلس الشيوخ فرض عقوبات على روسيا، وطلب مجدداً أسلحة دفاع جوي ومساعدة في توفير مصادر طاقة جديدة، إضافة إلى صواريخ "توماهوك" المرغوبة. ومع ذلك، لم يوافق ترمب بعد على تسليمها له ولحلفائه الأوروبيين، وحذر بوتين الرئيس الأميركي في مكالمتهما الهاتفية من أن ذلك "سيلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات بين بلدينا، ناهيك باحتمالات التسوية السلمية"، وفقاً لبيان صادر عن الكرملين.
وأكد موقع "أكسيوس" أن زيلينسكي فوجئ باجتماع ترمب وبوتين في المجر، لأن الرئيس الأوكراني الذي وصل إلى واشنطن خلال الـ16 من أكتوبر وكان متفائلاً للغاية خلال الأيام الأخيرة في شأن لقائه المزمع مع ترمب واستعداده لتزويده بصواريخ "توماهوك" بعيدة المدى، فوجئ مع فريقه بعد وقت قصير من هبوط طائرته في قاعدة "أندروز" الجوية، بإعلان ترمب أنه تحدث مع بوتين ووافق على لقائه في المجر، الدولة الأقل وداً تجاه أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي.
وأضاف حتى لو وافق ترمب على تزويد أوكرانيا بصواريخ "توماهوك"، فليس من الواضح عدد الصواريخ التي ستتمكن الولايات المتحدة من تخصيصها من مخزونها. علاوة على ذلك، فإن أنظمة صواريخ "تايفون" التي تحتاج إليها أوكرانيا لإطلاق صواريخ "توماهوك" نادرة للغاية. ويعتقد خبراء عسكريون أميركيون وأوكرانيون أن الولايات المتحدة كانت ستزود أوكرانيا على الأرجح بطرز "توماهوك" قديمة، والتي يمكن أن تعترضها أنظمة الدفاع الجوي الروسية.
وذكر بوتين صواريخ "توماهوك" خلال حديثه الهاتفي مع ترمب، وفقاً لما ذكره مستشاره للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف للصحافيين. وأضاف أن بوتين أبلغ ترمب أن هذه الصواريخ لن تغير الوضع في ساحة المعركة، بل ستلحق الضرر بالعلاقات الأميركية الروسية وعملية السلام.
ويبدو أن الكرملين اختار توقيتاً مثالياً لمكالمته الهاتفية المطولة الأخيرة مع البيت الأبيض، وهي الثامنة له خلال ثمانية أشهر، إذ كان ترمب يستعد للقاء زيلينسكي داخل واشنطن، فسبقه تحذير بوتين علناً من أخطار تزويد كييف بصواريخ "توماهوك".
وذكرت قناة "سي أن أن" أن بوتين أكد خلال اتصاله الهاتفي مع ترمب أن صواريخ "توماهوك"، التي يبلغ مداها ما يكفي لضرب مدن روسية كبرى مثل موسكو وسانت بطرسبورغ، لن يكون لها تأثير يذكر على ساحة المعركة. وأضاف أنها ستضر فقط بالعلاقات الروسية - الأميركية، التي يعلم أن ترمب يقدرها تقديراً كبيراً.
ووصف المسؤولون الروس المحادثة بأنها "إيجابية ومثمرة"، و"دارت في جو من الثقة". في غضون ذلك، رحبوا بنجاحه في التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة وإطلاق سراح رهائن إسرائيليين، فدفعوا ترمب إلى الزعم بأن هذه التجربة ستساعد في إنهاء الصراع داخل أوكرانيا. لكن لا يزال من غير الواضح كيف سيحدث ذلك بالضبط، فلم يشر أي شيء ضمن المكالمة الهاتفية الأخيرة بين ترمب وبوتين إلى أي تغيير.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن ترمب قال عن العملية العسكرية في أوكرانيا "نأمل في أن نتمكن من إيقافها". وأضاف "بفضل علاقتي بالرئيس بوتين، ظننت أنها ستحدث بسرعة كبيرة". وتابع "من كان ليظن أنني سأحل مشكلة الشرق الأوسط حتى فعلت ذلك؟".
ووفقاً لخبراء السياسة الخارجية، فإن ترمب كان أكد سابقاً صعوبة المفاوضات مع بوتين، بل لمح إلى أن بوتين وكبار مساعديه ضللوه أحياناً. ومع ذلك، بعد المكالمة، أصبح ترمب أكثر وداً. وقال إن الزعيم الروسي هنأه على جهوده الدبلوماسية في الشرق الأوسط. وأعرب ترمب عن اعتقاده أن نجاح التفاوض على وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن داخل قطاع غزة سيساعده على إنهاء القتال في أوكرانيا.
كيف يقيم الخبراء آفاق قمة بودابست؟
وقال نائب مدير مركز الدراسات الدولية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد دميتري سوسلوف إن المحادثة الهاتفية التي استمرت قرابة الساعتين بين الرئيسين، وخطاب ترمب الذي تلاها، يشيران إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تجريان مفاوضات مستقلة في شأن الأزمة الأوكرانية وتناقشان شروطاً محددة لحلها.
ويشير المتخصص إلى أنه بناءً على رد فعل ترمب لا يزال زخم قمة ألاسكا قائماً. ويؤكد سوسلوف أن المحادثات بين الزعيمين الروسي والأميركي شكلت جدول أعمال اجتماع ترمب وزيلينسكي بأنه لن تحصل كييف على صواريخ "توماهوك كروز"، وستكون القمة المقبلة في بودابست الموضوع الرئيس.
وأعرب رئيس تحرير مجلة "روسيا في الشؤون العالمية" فيودور لوكيانوف عن ثقته في أن صواريخ "توماهوك" ستبقى داخل مخازن البنتاغون ولن ترسل إلى أوكرانيا.
ويعتقد دميتري سوسلوف أن الوضع الذي تطور بعد المكالمة الهاتفية بين ترمب وبوتين، يشير إلى أن التصريحات القاسية التي أطلقها ترمب من البيت الأبيض ضد الكرملين كانت مجرد أداة للضغط السياسي، لكنها أثبتت عدم فعاليتها.
ويعتقد فيودور لوكيانوف أن العلاقات الأميركية - الروسية تواصل تطورها وفق التوجهات التي رسختها قمة أنكوراج. ويوضح أنه في حين يستحيل ضمان نجاح قمة بودابست بنسبة 100 في المئة، فإن تصريحات ترمب تظهر أنه لم يصبح بعد داعماً لأوكرانيا كوسيط.
ويعتقد سوسلوف أن الحوار بين روبيو ولافروف سيحدد وتيرة المفاوضات، ولا يستبعد المتخصص إمكانية توصل الطرفين إلى تقارب جوهري في شأن قضايا رئيسة. ويشير إلى أن "نتيجة اجتماع الوفدين ستحدد موعد انعقاد القمة الثانية بين بوتين وترمب".
يعتقد فلاديمير فاسيلييف أن المفاوضين سيسعون إلى إجبار خصومهم على تقديم تنازلات في قضايا رئيسة، موضحاً أنه من غير المرجح أن توافق موسكو على تسوية في جميع القضايا، لأن ذلك سيدفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى ممارسة ضغوط أكبر عليها.
محادثات بوتين وترمب ضربة مؤلمة للاتحاد الأوروبي
سيشكل الاجتماع المرتقب بين الرئيسين الأميركي والروسي، ضربة موجعة لأوروبا. هكذا قيمت صحيفة "تليغراف" البريطانية نتائج محادثات الزعيمين، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي "بقي إلى حد كبير على هامش محادثات السلام الأوكرانية". وقد يجد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه مهمشاً أيضاً، إذ أفادت مجلة "نيوزويك" بأن محادثات ترمب وبوتين أثارت مجدداً تساؤلات حول موقف البيت الأبيض من حل النزاع الأوكراني.
في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، قررت بروكسل أنها انتقمت من ترمب لانتقاده الاتحاد الأوروبي لاستمراره في شراء النفط الروسي. ولم يوفر الدبلوماسيون الأوروبيون أية فرصة للإشارة إلى أن المجر هي أكبر مشترٍ للنفط الروسي.
ومن المرجح أن اختيار المجر لاستضافة القمة أزال الابتسامة عن وجه الاتحاد الأوروبي. فقد ظل الاتحاد إلى حد كبير على هامش محادثات السلام الأوكرانية.
ويشعر بالقلق إزاء الدور الثانوي الذي لعبه في خطة السلام في غزة، وفق ما جاء في المقالة.
ومع ذلك، أظهر الإعلان عن الاجتماع المرتقب أن واشنطن تخفف الضغط على الرئيس الروسي. وما أثار قلق الاتحاد الأوروبي وزيلينسكي أكثر هو تحول موقف البيت الأبيض تجاه إمدادات صواريخ "توماهوك" وفرض عقوبات جديدة على روسيا.
وكتبت مجلة "نيوزويك" أيضاً أنه خلال الأسابيع الأخيرة، بدا أن البيت الأبيض غير استراتيجيته تجاه أوكرانيا، إلا أن حديثه مع الرئيس الروسي "أثار تساؤلات حول كل هذا".
وأضافت "لقد فاجأ الإعلان (عن لقاء بين الزعيمين) المشرعين والمحللين في الولايات المتحدة وأوكرانيا، مما ترك كثراً في حيرة في شأن استراتيجية ترمب لإنهاء الحرب"، بحسب ما جاء ضمن المقالة.
وهكذا، صرح النائب أوليكساندر ميريزكو في البرلمان الأوكراني للمجلة بأن الرئيس الأميركي "سيكرر الخطأ ذاته" الذي ارتكبه في قمة ألاسكا، والتي لم تسفر وفقاً للغرب وأوكرانيا عن نتائج تذكر. وخلال الوقت نفسه، أشار البرلماني إلى أن ترمب ربما يمارس نوعاً من المناورات الدبلوماسية الخفية، وإن كان ذلك غير واضح للوهلة الأولى.
وأثارت المحادثة بين الزعيمين تساؤلات لدى المقربين من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول خططهم، لا سيما أنها سبقت اجتماعاً بين ترمب والرئيس الأوكراني. وبحسب مجلة "نيوزويك"، "سرعان ما طغت أنباء قمة ترمب وبوتين الأخيرة على التحضيرات لهذه المحادثات".
وفي أعقاب الاتفاق بين الرئيسين الروسي والأميركي على لقاء آخر، تساءل خبراء غربيون عن الدور المستقبلي للرئيس الأوكراني في عملية حل النزاع.
سيناريوهات نتائج القمة المرتقبة
على رغم تعدد السيناريوهات المطروحة، يبقى احتمال فشل القمة قائماً، سواء بسبب التصعيد الميداني أو الخلافات السياسية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الحرب ومزيد من تدهور العلاقات بين روسيا والغرب. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام دامية من القتال، فإن فشل القمة المرتقبة بين بوتين وترمب في تحقيق خطوات ملموسة نحو حل الأزمة الأوكرانية لن يزيد المشهد إلا قتامة. وعلى رغم التفاؤل الذي يحيط بلقاء ترمب وبوتين، فإن اجتماعاً واحداً قد لا يكفي لتحقيق اختراق حقيقي، نظراً إلى اتساع الهوة بين مواقف الطرفين خلال هذه المرحلة. وقد يتطلب الأمر وقتاً واتصالات إضافية للوصول إلى نتائج ملموسة. ومع ذلك، تظل هناك إمكانية للتوصل إلى ترتيبات محدودة، مثل هدنة قصيرة الأمد أو تأجيل موقت للعقوبات الثانوية التي تؤثر أساساً على الهند والصين، وربما الاتفاق على خريطتي طريق منفصلتين، إحداهما لأوكرانيا والأخرى لتطبيع العلاقات الثنائية. لكن حتى إذا تحقق ذلك، فإن قمة بودابست لن تكون سوى بداية لمسار طويل لحل الأزمة، من المستبعد أن يكتمل قبل نهاية العام. وفي حال الفشل، ستكون العواقب وخيمة، تصعيد جديد على الجبهات وتوتر أشد مع الغرب وتكريس حال الجمود العسكري. وهكذا، تمثل هذه القمة خطوة مهمة على طريق التسوية، لكنها لا تضمن حلاً فورياً، فيما تظل احتمالات تجميد النزاع أو إحراز تقدم حقيقي رهينة التعقيدات الميدانية والسياسية المستمرة، ومدى قدرة بوتين على مواصلة الرقص مع ترمب داخل حلقة مفرغة.