ملخص
شهدت الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية تدهوراً غير مسبوق تمثل بارتفاع لافت في اعتداءات المستوطنين ومصادرة أراضي الفلسطينيين والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتفرقة في أنحاء الضفة.
مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة، شرع مستوطنون ببناء بؤرة رعوية عند أطراف بلدة تقع جنوب بيت لحم بالضفة الغربية، ووضعوا عشرات المنازل والمنشآت المتنقلة والحظائر، بعد أن دفعوا 25 عائلة كانت تسكن في المنطقة لترك المكان وصادروا ممتلكاتهم، وهددوا نحو 70 عائلة فلسطينية كانت تعيش في المنطقة من البقاء بشكل موسمي أوقات الزراعة. إلا أن اللافت وغير المسبوق في هذه البؤرة من دون غيرها من البؤر التي أقيمت في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والتي يقدّر عددها بنحو 114، قيام المستوطنين هناك ببناء كنيس يهودي ضخم داخلها يقع على بعد 5 كيلومترات فقط من البلدة الفلسطينية التي يقطنها نحو 13 ألف فلسطيني، ونشروا فور إتمامه مقاطع مصورة تظهر قيامهم بأداء طقوس وصلوات، إلى جانب نشر أحد المستوطنين تسجيلاً مصوراً يظهر كنيساً آخر جديداً على قمة "جبل جرزيم" في مدينة نابلس شمال الضفة، أنشأته المجموعة اليهودية نفسها في يوليو (تموز) الماضي، ويظهر حداثة الكنيس المزود بكل الخدمات والإمكانيات وإطلالته على موقع "قبر يوسف" شرق المدينة، الذي يخططون للسيطرة عليه مستقبلاً ووضع اليد عليه وضمه إلى إسرائيل، لكونه وقفاً يهودياً يحمل قبر النبي يوسف ابن يعقوب، وذلك بحسب المعتقدات اليهودية. ووفقاً لما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية يؤدي المستوطنون طقوسهم الدينية في الضفة الغربية داخل معابد غير ثابتة أشبه بأن تكون بيوتاً متنقلة.
نصف مليون
وفي ذروة الصراع الداخلي خلال مناورات ومفاوضات وقف إطلاق النار في غزة خلال العامين الماضيين، شهدت الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية تدهوراً غير مسبوق تمثل بارتفاع لافت في اعتداءات المستوطنين ومصادرة أراضي الفلسطينيين والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتفرقة في أنحاء الضفة. عل أبرزها إلى جانب الآلاف المعتقلين ومئات القتلى، تسريع السلطات الإسرائيلية من إجراءات توسيع المستوطنات والاستيلاء على المزيد من الأراضي. وأفادت معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، بتنفيذ المستوطنين 7 آلاف و154 اعتداءً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم بالضفة تسببت بمقتل 33 فلسطينياً وتهجير 33 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، كذلك أقاموا 114 بؤرة استيطانية. وتسبب المستوطنون في الضفة خلال الفترة نفسها بإشعال 767 حريقاً وتدمير 48 ألفاً و728 شجرة، بينها 37 ألفاً و237 شجرة زيتون. ووفقاً لتقديرات الهيئة، يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى نحو 770 ألفاً، يتوزعون على 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية بينها 136 بؤرة رعوية زراعية. وأظهر إحصاء رسمي للسكان أصدرته الحكومة الإسرائيلية أخيراً، أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة زاد بأكثر من 15 في المئة خلال الأعوام الخمسة الماضية، مشيراً إلى أن المستوطنين تجاوزوا عتبة نصف مليون خلال العام الماضي، وسط توقعات "نمو متسارعة" لأعداد المستوطنين في الضفة خلال الأعوام المقبلة.
قرار قديم
قرار المستوطنين البدء ببناء الكُنس والمعابد اليهودية من الخرسانة، لم يبدأ مع إقرار صفقة وقف إطلاق النار فعلياً، فخلال سبتمبر (أيلول) 2021 منحت وزارة الشؤون الدينية الإسرائيلية الأولوية وللمرة الأولى لبناء المعابد اليهودية داخل المستوطنات بالضفة الغربية، وصاغ مسؤولون فيها آنذاك معايير جديدة لبناء الكنيس، تضمنت توزيع 20 مليون شيكل (6.25 مليون دولار) على 30 سلطة محلية تضم مستوطنات تشهد نقصاً في عدد المباني المخصصة للصلاة. وذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن هذا الدعم السنوي الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية لبناء المعابد ويقتصر على بلدات إسرائيلية توسع ليشمل مستوطناتٍ في الضفة الغربية". وتشير التقديرات إلى أن كل مستوطنة إسرائيلية بالضفة الغربية حصلت على 500 ألف شيكل (156 ألف دولار) لبناء معبد. على إثر ذلك، أعاد المستوطنون قبل بدء الحرب بفترة وجيزة، بناء معهد ديني في أراضي مستوطنة "حومش" بين نابلس وجنين المُخلاة من شمال الضفة الغربية منذ عام 2005، أملاً في تحويله تدريجاً إلى كنيس، وذلك عقب مصادقة البرلمان (الكنيست) الإسرائيلي على مشروع قانون "إلغاء قانون فك الارتباط" في الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي يسمح بعودة المستوطنين إلى 4 مستوطنات جرى تفكيكها (حومش وغانيم وكاديم وسانور)، وإلغاء العقاب الجنائي المفروض على المستوطنين الذين يدخلون أو يقيمون في هذه المستوطنات الأربع المُقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة. وقالت مؤسسة "يشيفا حومش"، التي تدير المعهد الديني، إن الانتقال جرى "في سِرّية، خشية رد فعل الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة". وبحسب بيان المكتب الوطني للدفاع عن الأرض التابع لـ"منظمة التحرير" الفلسطينية، فإن زيادة مخصصات موازنات الاستيطان لتطوير وبناء معابد ومدارس ومعاهد يهودية "يهدف لإضفاء قدسية وبعداً دينياً على الأرض والمكان عبر الاستيطان الديني"، وأضاف "هذا النوع من الاستيطان هو أشد خطراً من أي استيطان آخر"، بحسب البيان.
توسع مطرد
وجنح كثير من المحللين إلى الاعتقاد بأن تشييد الكنس والمعابد اليهودية والمدارس الدينية في الضفة الغربية وارتفاع عددها، يعود إلى أسبابٍ تتعلق بمبدأ تمكين المستوطنين وتعزيز دورهم بتقوية الاستيطان والتضييق على الوجود الفلسطيني، خصوصاً مع صعوبة تفكيك أو إزالة تلك المنشآت المقامة على أراضي فلسطينية، لما قد تشكله من مسٍ بمشاعر المتدينين اليهود. وقد شهدت مستوطنة "عمونا" القريبة من رام لله عام 2017 اشتباكاتٍ عنيفة جداً مع قوات الجيش خلال إخلاء كنيس يهودي في البؤرة بعد أن تحصن فيه نحو 100 من الشباب اليهود المتدينين، كمحاولة لمنع إخلائه. وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" حينها أنه جرى نقل 24 شرطياً إلى المستشفى لإصاباتٍ كان معظمها نتيجة القتال مع مستوطنين رشقوا عناصر الشرطة بالحجارة والزجاجات ومواد التبييض. وبينت أنه جرى إرسال نحو 3000 عنصر أمن لإجراء عملية الإخلاء. ويرى آخرون أن بناء الكنيس وتطوير المعاهد والمعابد يحملان أبعاداً أيديولوجية وتداعيات خطيرة تندرج في تحقيق حلم "الصهيونية الدينية" بالسيطرة الكاملة على المنطقة، عبر تحويل يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة الغربية) إلى جزءٍ لا يتجزأ من دولة إسرائيل. وقد تلقى عبد الكريم الجعبري من مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية في وقت سابق غرامة ضريبة أملاك قيمتها 88200 شيكل (27 ألف دولار) من مجلس مستوطنة كريات 4، بعد أن قدم التماساً إلى محكمة إسرائيلية لهدم كنيس يهودي بني بشكل غير قانوني على أرضه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضمنت الغرامة أيضاً تصريحاً، أنه ما لم يتم دفع الغرامة ستصادر ممتلكاته وتُباع. وكان تقرير لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في "بتسليم" و"كيرم نابوت" (وهما منظمتان إسرائيليتان حقوقيتان غير حكوميتين)، أكدتا أن الزيادة الكبيرة في أعداد المستوطنين بالضفة الغربية من دون شرق القدس، مرتبطة بحجم الامتيازات التي تمنحها دولة إسرائيل لسكان المستوطنات وطلاب المعاهد الدينية. وقد بينت تقارير عدة أن التعليم الديني شهد توسعاً مطرداً وملحوظاً في إسرائيل، ووفقاً لصحيفة "ذي ماركير" فإن وزارة التعليم الاسرائيلية، وتحت ضغط الأحزاب الدينية المشاركة في الحكومة، قررت أخيراً "زيادة الموازنات المخصصة للمدارس والمعاهد الدينية"، وهو ما أكدته صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية المتخصصة بالاقتصاد حين كشفت نهاية العام الماضي، أن مشروع موازنة الدولة الإسرائيلية لعام 2025 يتضمن تقنيات مالية تمويهية تهدف إلى تخصيص مليارات الشواكل لمؤسسات التعليم الديني، وذلك في الوقت الذي تواجه إسرائيل تحديات اقتصادية كبيرة بسبب الحرب. وأظهر تقرير لعالم البيانات في الجامعة العبرية أور رفل-كرويزر، أن مؤسسات التعليم الديني والمعاهد تلقت تمويلاً يتجاوز استحقاقها القانوني بمقدار 334 مليون شيكل (نحو 87 مليون دولار).
كنس أثري
يذكر أن مدينة أريحا شرق الضفة الغربية تضم كنيسين يهوديين أثريين، يعرف الأول بكنيس "بيت شهوان" ويقع بالقرب من قصر هشام التاريخي، أما الثاني فيسمى كنيس نعران الـ"ديوك" ويعود بناء الكنيسَين إلى الفترة البيزنطية في القرن الخامس ميلادي، لكنهما لم يُكتشفا إلا خلال الحكم الأردني للضفة الغربية قبل عام 1967. ومع أن وزارة السياحة والآثار الفلسطينية تُدرج الكنيسين كموقعَين أثريَين، وعملت على ترميمهما خلال الأعوام الماضية، إلا أن المستوطنين يرفضون ذلك ويصرون على زيارتهما كموقعَين دينيَين يهوديين، من دون شراء تذاكر الدخول، وفي أي وقت يشاؤون. ونص اتفاق أوسلو، بطلب من إسرائيل، في ملاحِقه الإضافية، على سماح السلطة الفلسطينية لليهود بزيارة كنيس "بيت شهوان"، وسُمي في بنود الاتفاق "كنيس السلام". وتوجد وحدة حراسة تابعة للأمن الفلسطيني على مدخله لكنها تنسحب قبيل دخول المستوطنين إليه بحماية الجيش الإسرائيلي، وذلك في ظل حرص المستوطنين على إضفاء الطابع الاستيطاني على الموقع الديني. وخلال زيارته الكنيس قبل أعوام، أشاد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتلك الزيارات التي "تهدف إلى تعزيز ودعم الاستيطان"، مضيفاً أن "المنطقة مشبعة بالتراث والتاريخ اليهودي".