ملخص
ولد أنطونيو غرامشي عام 1891 في سردينيا بإيطاليا، وكان شخصية محورية في تطور الماركسية الغربية، واستكشفت أعماله تقاطعات السياسة والثقافة والمجتمع، ويجسد اقتباسه الاضطراب وعدم اليقين اللذين يصاحبان الفترات الانتقالية.
من بين أكثر العبارات التي تبدو غامضة ومليئة بالإثارة في عالم الدلالات السياسية، تأتي عبارة المثقف اليساري الإيطالي الأشهر "أنطونيو غرامشي" (1891-1937) والتي باتت محفورة في أذهان كبار علماء السياسة الدولية، "العالم القديم يموت، والعالم الجديد يكافح من أجل الولادة، والآن هو وقت الوحوش".
التعبير يفيد بزمن أممي من التحول مشوب بالقلق وعدم اليقين، إذ إن التحول من حال إلى أخرى، عبر تغيير جذري لأنظمة ومعتقدات، بل وهياكل راسخة في الماضي، تبدو اليوم وكأنها آخذة في التدهور.
وعلى المدى الزمني المنظور تبدو هناك مشاهد لعصر جديد يكاد فجره ينبلج، لكنه يعاني صعوبات في الولادة، وبين الأمرين يشير مصطلح الوحوش إلى العناصر غير التقليدية والمزعزعة للاستقرار وغير المألوفة التي تظهر خلال هذه المرحلة التحولية.
ولد أنطونيو غرامشي عام 1891 في سردينيا بإيطاليا وكان شخصية محورية في تطور الماركسية الغربية، واستكشفت أعماله تقاطعات السياسة والثقافة والمجتمع، إذ يجسد اقتباس غرامشي الاضطراب وعدم اليقين اللذين يصاحبان الفترات الانتقالية.
تولد "وحوش غرامشي" من رحم الصراع بين العالمين القديم المحتضر والجديد الناشئ، وتتخذ هذه الوحوش أشكالاً متنوعة مثل الاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي والضياع الثقافي، وهي تجسد التحديات والمقاومة التي تنشأ في محاولة المجتمع شق طريقه من النظام القديم إلى الجديد.
هل لرؤية غرامشي حضور في عالم اليوم؟
في الواقع تجد رؤية ذلك اليساري الإيطالي الشهير صدى واسعاً في حاضرات أيامنا، حيث التطورات التكنولوجية والتحولات الجيوسياسية والتحديات البيئية الملحة، وبينما يواجه العالم تداعيات هذه التحولات تجد البشرية نفسها في وجه وحوش غير مسبوقة، تتمثل في عالم الذكاءات الاصطناعية من جهة والتحولات في موازين القوة من جهة أخرى، وربما انهيارات اقتصادية تفوق أزمنة الكساد العظيم خلال ثلاثينيات القرن الـ20، عطفاً على تهديدات بفناء البشرية من جراء حرب نووية، أضحت ساعة يوم القيامة تنذر بها، ناهيك عن مناخ مختل للكرة الأرضية .
هل عصر الوحوش هذا الذي نمر به هو أمر حداثي بالنسبة إلى النوع البشري؟ أم أن الإنسانية عرفت عصوراً سابقة مشابهة في أزمنة سابقة؟
الدخول إلى العمق في كتابات غرامشي يأخذنا إلى عصر الإمبراطورية الرومانية والوحوش التي جعلتها تسقط وفي قلبها أمراء الحرب والممالك البربرية من القوط والوندال Kوهناك حرب الـ 30 عاماً في أوروبا ونشأة الدولة الحديثة (1618 - 1648) والتي انتهت بـ "اتفاق وستفاليا"، ومن وحوش تلك الفترة جيوش المرتزقة والفصائل الدينية المتشددة ثم الفصائل الثورية، لكن دعونا نتوقف مع أقرب الوحوش في أوائل القرن الـ 20 ومن ثم مقاربة المشهد مع أوائل القرن الـ21، فماذا عن ذلك؟
وحوش ما بعد الحرب الكونية الأولى
مثلت الحرب العالمية الأولى (1914 -1918) بداية نهاية عصر الإمبراطوريات مما أدى إلى انهيار الإمبراطوريات النمسوية المجرية والعثمانية والألمانية والروسية، إلا أن الحرب لم تنشئ نظاماً جديداً مستقراً بل شهدت عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ 20 كساداً اقتصادياً وعدم استقرار سياسي وصعود أيديولوجيات متطرفة، وفرضت "معاهدة فرساي" عام 1919 تعويضات اقتصادية قاسية على ألمانيا مما أجج مشاعر الاستياء والتضخم المفرط والتطرف القومي، وفي غضون ذلك دمر الكساد الكبير عام 1929 اقتصادات العالم وأضعف صدقية الحكومات الديمقراطية وعزز الحركات الاستبدادية، وبحلول ثلاثينات القرن الـ 20 ظهرت أنظمة فاشية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا واليابان، مما أدى في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومن بين وحوش ذلك العصر أدولف هتلر وبينيتو موسيليني، الزعيمان الفاشيان اللذان استغلا اليأس الاقتصادي والقومية للاستيلاء على السلطة .
وفي الاتحاد السوفياتي ظهرت عمليات ستالين الدموية التي عرفت تحت عنوان حركات التطهير، حيث نفذ النظام الشمولي في الاتحاد السوفياتي عمليات إعدام جماعية ومعسكرات عمل قسرية، وكان لهذا الاضطراب أن يقود العالم إلى حقبة مغايرة انتهت بالدخول إلى الحرب العالمية الثانية التي كبدت البشرية زهاء 70 مليون قتيل ومليارات الدولارات من الخسائر، ورسمت لاحقاً عالماً مغايراً من الحرب الباردة.
استمر توازن القوى بين حلفي وارسو والأطلسي زهاء أربعة عقود حتى سقوط الاتحاد السوفياتي، غير أن حقبة ما بعد الحرب الباردة والحرب على الإرهاب لم تفض إلى سلام عالمي، فبينما برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة، ازداد المشهد العالمي اضطراباً وملأت الدول الفاشلة والإرهاب والحروب الإقليمية الفراغ، وأدى تفكك يوغسلافيا العنيف إلى إبادة جماعية وتطهير عرقي، وأشعلت هجمات الـ 11 من سبتمبر (أيلول) 2001 شرارة الحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة التي زعزعت استقرار الشرق الأوسط، وبرز تنظيم "داعش" من أنقاض العراق وسوريا مثبتاً أن فراغ السلطة ينشئ تهديدات جديدة.
وكان من بين وحوش تلك الحقبة الجماعات المتطرفة مثل تنظيمي "القاعدة" و"داعش" وغيرها من الفصائل المسلحة التي ازدهرت في الدول المنهارة والتمردات والدول المارقة، وكل فترة انتقالية تاريخية سارت على نمط معين من الانهيار والفوضى والوحوش، وفي النهاية محاولة السعي إلى الاستقرار.
ولعل السؤال الآني ونحن في منتصف العقد الثالث من القرن الـ21، هل نبدو في عمق مرحلة جديدة من عصر الوحوش وزمن خلو العرش؟
الوحوش وسؤال الهيمنة الأميركية
ولأن الحياة منذ بدايتها جُبلت على ثنائية الخير والشر والليل والنهار والعناء والراحة، والفرس والروم والإنجليز والفرنسيين والبرتغال والإسبان، لذا بدا لكثيرين من منظّري العلوم السياسية أن فكرة النظام العالمي الجديد بقطبية أميركية منفردة، أمر لا يتسق وطبيعة الحياة، ومن هنا كثر الحديث عن ملامح العالم الجديد الذي لم يظهر بعد، على رغم مرور ثلاثة عقود ونصف العقد على سقوط الاتحاد السوفياتي، وعدم نشوء وارتقاء بديل مستقر، إذ بات جلياً ضعف العالم أحادي القطبية الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة بعد عام 1991، وبات جلياً أننا نشهد تراجع الهيمنة الأميركية وصعود قوى جديدة مثل الصين، وتفتت نفوذ السياسة العالمية إلى مناطق نفوذ كثيرة ومتنافسة، وفي خضم هذا التحول نرى بالفعل صراعاً وفوضى وعودة قوى سياسية كان كثيرون يفترضون أنها أصبحت من الماضي.
هل كانت الأعوام الـ 30 الماضية للإعداد لظهور الوحوش؟
غالب الظن أن ذلك جرت به المقادير بالفعل، وقد بدأ الأمر من عند ضعف القيادة العالمية للولايات المتحدة، فهي على رغم قدرتها الحالية لا تقارن بما كان لها عشية سقوط حائط برلين في ديسمبر (كانون الأول) 1989، أضف إلى ذلك أن الجميع يرى حالاً من عدم الاستقرار السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، عطفاً على إشكال مخيف يتمثل في ارتفاع هائل في ديونها الخارجية التي تجاوزن 36 تريليون دولار، مما يهدد الاقتصاد العالمي بورطة كبيرة حال توقفها عن السداد، وهناك من يتنبأ بأن واشنطن ستعيد تسعير احتياطاتها من الذهب لتحسين وضعها الاقتصادي، فيما العالم يغرق من وراءها.
ومن "وحوش غرامشي" في الوقت الراهن صعود الصين كقوة بديلة، فعلى رغم أنها لم تصبح بعد قوة مهيمنة عالمية فإن صحوة الصين الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية تتحدى النفوذ الأميركي بصورة مباشرة، وبخاصة في قارتي آسيا وأفريقيا، وأمر آخر يتمثل في ما يسمى الدول التعديلية، أي تلك التي تسعى إلى تعديل مواقفها من المؤامة والمواكبة إلى التحدي والمنافسة، مثل روسيا وتركيا وإيران، وجميعها لم تعد صديقة للنظام الدولي الأميركي القائم وإن لم تسع في طريق تجاوزه ففي الأقل عدم مهادنته، ومن ثم السعي إلى إعادة تشكيل بنيانها المؤسساتي الإقليمي والدولي من خلال تكتلات عسكرية أو اقتصادية جديدة .
وفي سياق الوحوش العودة لعالم الأحلاف مرة جديدة، والتي كان الجميع يظن أنها ذهبت إلى غير رجعة حتى وإن لم تظهر تحت العناوين القديمة والتقليدية، بل ترفع رايات التكتلات الأممية مثل "بريكس" و"بريكس+" و"شنغهاي" وما شابه .
وفي سياق الحديث عن "وحوش غرامشي" المحدثة لا يمكن للمرء أن يجاوز فكرة تراجع المؤسسات العالمية، فقد ضعفت المؤسسات التي طفت على سطح الأحداث بعد الحرب العالمية الثانية، مثل "الأمم المتحدة" التي ضعفت ثقة العالم فيها، و"منظمة التجارة العالمية" التي باتت صنواً للانفراد الأميركي بمقدرات العالم، ناهيك عن الصندوق والبنك الدوليين، والخلاصة أن صوت "الوحوش الغرامشية" أدى إلى نتيجة مؤكدة وهي أنه عوضاً عن نظام عالمي واحد مهيمن فقد أصبح العالم الآن ينقسم إلى كتل منقسمة ومتنافسة
لكن تبقى هناك علامة استفهام مثيرة إلى حد الخوف ومخيفة إلى حد الفزع، هل من تنين أشد هولاً من كل "وحوش غرامشي" يكاد يتسلط في البر والبحر على الجنس البشري، شرقاً وغرباً، يهدد بما هو أشد هولاً من الحروب العالمية، ولا سيما أنه ينشر وباء قاتلاً داخل الأمم والشعوب التي ظلت متماسكة لقرون طوال متجاوزة ذلك الخطر المميت؟
عن عودة القوميات وصحوة الشعبويات
في القلب من "وحوش غرامشي" التي يمكن ملاحظتها بوضوح تيار القوميات التي صحت خلال العقدين الأخيرين، والشعبويات التي ارتفع صوتها مرة جديدة في الفترة عينها، وكأنها نذير لما سيحدث في زمن خلو العرش الأممي من ملامح ومعالم نظام عالمي جديد واضح التفاصيل، فتقليدياً ومنذ "جمهورية فايمار" التي نشأت في ألمانيا بين عامي 1919 و1933 كنتيجة للحرب العالمية الأولى، وعندما تنهار الأنظمة القديمة يسارع الناس بحثاً عن ملاذات آمنة، وغالباً ما يكون أصحاب السلطة والأيديولوجيات المتطرفة، عطفاً على القوى الرجعية، هم متقدمو الصفوف وواضعو الحلول، يقيناً منهم أن الشعوب ستكون متعطشة لمن يقدم لها الآمال البراقة حتى وإن كانت كاذبة وغير واقعية أو حقيقية، وما جرى في عشرينيات القرن الـ 20 هو عينه ما نراه اليوم، فقد انهارت الديمقراطيات الأوروبية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وعوضاً عنها صعدت الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا والعسكرة في إسبانيا، أما في الاتحاد السوفياتي فحدث ولا حرج عن الشيوعية والحكم الستاليني المطلق.
هل يشبه اليوم الأمس؟
يخشى المرء أن يكون الأمر قولاً وفعلاً ماض قدماً في هذا السياق، فالقومية اليمينية تتزايد في أرجاء المسكونة كافة، ونظرة واحدة على أوروبا، أصل الفكر العلماني، تفيد بتراجع واسع لمصلحة التيارات الشعبوية والأصولية ذات المرجعيات المغرقة في اليمينية، والأمر ينسحب كذلك على دولة كبرى مثل الهند التي كانت مثالاً على العلمانية الصافية، وقُدّر لها أن تنجح في خلق حال من التعايش بين مئات عدة من التوجهات العقدية، لكنها اليوم تعاني نزعة هندوسية يمينية متشددة تنذر بحال من الصدام وتطلق وحوش الطائفية من عرينها.
ولا تبدو الولايات المتحدة بدورها بعيدة من المشهد، فهناك صعود متنام منذ نهاية التسعينيات تمثل في حركة "المحافظين الجدد" والتوجهات ذات الروح الدينية التي خلطت المطلق بالنسبي، واليوم تبدو إدارة الرئيس دونالد ترمب مثالاً حياً على نزعة يمينية مثيرة للقلق، ولا سيما في عدائها الواضح لـ "اليسار الأميركي" واعتباره الطابور الخامس، مما يعيد هواجس المكارثية خلال خمسينيات القرن الـ 20، والثابت أن وحوش الحركات الشعبوية تعمل جاهدة على زعزعة استقرار الديمقراطيات، حيث يستخدم القادة خطاباً ضد النخب والمهاجرين والعولمة لبناء السلطة السياسية .
هل للمرء أن ينسى أحد الوحوش التي تناولها الكاتب الإيرلندي الشهير برنارد شو في أحد تعبيراته اللاذعة ذات المعنى والمبنى؟
القصد هنا وحش التفسيرات أو بالأحرى التطمينات الدينية والإيمانية، وقد قال برناردشو ذات مرة إنه "عند العاصفة يلجأ المرء إلى أقرب مرفأ، ومن هنا يتساءل بعضهم: هل من مرفأ قريب للبشرية من السماء؟" ومن هذا المنطلق تدخل البشرية اليوم في محاصصة عقدية، حيث فريق واسع شرقاً وغرباً يتكلم باسم السماء ويحاجج عنها، وهؤلاء الذين أطلق عليهم بعضهم لقب "موظفي الله"، وما أشرس هذه الطغمة من وحوش، ولعل المحصلة النهائية هنا تتمثل في حال من الاستقطابات والعنف السياسي المتزايد مع تحول المجتمعات ضد بعضها بعضاً، بسبب التضليل والانقسامات الأيديولوجية العميقة، وتضحى النتيجة أنه عوضاً عن أن يمضي العالم في طريق الديمقراطيات التي تتصادق فيها الأنظمة الديمقراطية وتسير سوياً عبر مسارات النمو والبناء والنماء، نشهد صداماً يبدأ فكرياً وعقدياً، ولا ينفك يتحول إلى مواجهات مسلحة وعسكرية، مما يفتح الباب لتكريس حال من الفوضى العالمية .
على أنه وبعيداً من الرموز الفكرية والدلالات الروحية والرمزية لعصر الوحوش فهل من تحول جيوسياسي عسكري بعينه يمكن أن يمثل صحوة لوحش بعينه، يخيف الجميع ويذكر بمجريات التاريخ خلال الثلث الأول من القرن الـ 20؟
عن أوروبا وصحوة الوحش الألماني
في الـ17 من أبريل (نيسان) الماضي وعبر عمود خاص في مجلة "إيكونيميست" البريطانية، اقتبس قائد الجيش الألماني الجنرال ألفونس مايس كلمات غرامشي المشار إليها أعلاه، وذلك في مناسبة تشكيل فرقة عسكرية جديدة في برلين، وكان عنوان ما سطره مايس "زمن الوحوش الآن هو وقت اليقظة والاستعداد والجاهزية للحرب".
العنوان كان يشئ بنيات ألمانيا وبقية أوروبا، ولا سيما في ضوء متغيرين رئيسين عالميين، الأول هو الحرب الروسية في أوكرانيا، وهذه هي الأولى من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والثاني التوسع العسكري الصيني براً وبحراً وجواً، عطفاً على البرنامج الصيني العسكري الفضائي والسعي إلى التسلح النووي، فالجنرال الألماني يعد أن هذه تحولات تاريخية تقود إلى اضطرابات وتغييرات جذرية، وجميعها تلقي بضغوط هائلة على ألمانيا وأوروبا .
ما المطلوب فعله إذن؟
يقر كبير العسكرية الألمانية بأنه يجب أن يصبح العالم القديم، وألمانيا في مقدمه، قادراً على امتلاك قوة عالمية أخيراً، إذ لم يعد بإمكان برلين أن تدافع عن قيادة مركزية متواضعة كما فعلت في عهد المستشارة أنغيلا ميركل من "حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، أو أن تخفي سياسات الاسترضاء الفاشلة تحت ستار الحكمة، كما فعل المستشار أولاف شولتز من "الحزب الاشتراكي الديمقراطي"، فالوحش الألماني حانت له العودة من جديد، وهو أكبر من أن يختبئ خلف الدنمارك، فألمانيا أكبر وأقوى دولة في أوروبا بلا منازع، وثاني أغنى دولة في حلف شمال الأطلسي، وحالياً وعلى رغم كل مشكلاتها تعتبر ثالث أكبر اقتصاد في العالم.
هل من هدف بعينه عند الجنرال الألماني يفيد بصحوة الوحوش ضمن سياق العالم الجديد الذي يسعى إلى الولادة من جديد؟
يرى حفيد الجنرالات العتاة أنه يجب على الجيش الألماني الذي قُسّم إرباً بسبب إجراءات التقشف أن يصبح سريعاً أقوى جيس تقليدي في القارة الأوروبية، والحقيقة أن ما ينادي به صوت العسكرية الألمانية قد وضع الأساس اللازم له بقرارات الـ "بوندستاغ" الأخيرة لرفع الديون عن الدفاع، ويتبع الأمر الحاسم الجديد لبرلين تكتيك الدبابات الألماني القديم الذي يعني أن هناك عوداً على بدء، وأن أصوات المجنزرات الألمانية ستعود مرة جديدة عما قريب.
هل في هذا الحديث ما يخيف؟
الشاهد أن بعضهم يرى أنه ما دامت ألمانيا لا تمتلك سلاحاً نووياً فإنها لن تصل إلى مرحلة التوحش، غير أن هذا الكلام مردود، ولا سيما أنها مثل اليابان تمتلك الخبرة العلمية وكميات اليورانيوم الواسعة المستخدمة في محطات الطاقة، وساعة يصدر القرار الفوقي الألماني فيمكن أن تتحول المصانع المدنية إلى عسكرية، ومحطات توليد الطاقة النووية إلى مفاعلات لتصنيع القنابل النووية، ولا يغيب هذا السيناريو عن أعين وملاحظة قيصر الكرملين، والألمان يعلمون ذلك جيداً ولعلهم يجدون أنفسهم اليوم بين المطرقة والسندان، فمن جهة يهددهم العم سام بسحب المظلة النووية الأميركية التي بقيت قابعة على أراضيهم لثمانية عقود، ومن جهة ثانية فها هم في خطر محقق من أن تتحول تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى خطر وجودي، يبدأ بصواريخ فرط صوتية تقليدية، إذ يمكن أن يصل مدى التهديد إلى الصاروخ الجهنمي "سارمات" برؤوسه التي تحمل الموت، وهنا لا يبقى أمام الألمان سوى صحوة الوحش حتى ولو كانت بنبرة تحمل صرخة الموت كما صرخة الطائر الذبيح.
وحش الذكاء الاصطناعي إلى أين؟
خلال أشهره الأولى في السدة البابوية ركز الحبر الروماني الأعظم، البابا لاوون الـ14، الأميركي الأصل، على أمر مهم غالب الظن أنه سيكري له جل وقت حبريته، وقد اهتم سلفه البابا فرنسيس بصورة رئيسة بموضوع المناخ والبيئة وأحوال الكرة الأرضية، إذ تمر هذه الأيام 10 أعوام على رسالته "كن مسبحاً" والتي خصصها لما يعتري الكوكب الأزرق من أخطار قاتلة، فقد قال لاوون الـ14 إنه ربما ساقته الأقدار العلوية ليكون الرجل الذي يتناول في شأن أحد أخطر محددات وربما مهددات الإنسانية في القرن الـ21، أي الذكاء الاصطناعي، ويعتقد بابا الفاتيكان أنه إذا كانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في نهاية القرن الـ19، وفي زمن البابا ليو الـ13، قد كرست اهتماماتها عبر وثيقة "الأشياء الحديثة" لمواجهة التحديات الناجمة عن الثورة الصناعية، والتي كانت قد أخذت تختمر في بطون الحضارة الأوروبية، فإن قضية الذكاءات الاصطناعية ينبغي أن تكون قضيته في الوقت الراهن وقضية كنيسته .
هل الذكاءات الاصطناعية هي إحدى "وحوش غرامشي" التي نحن بصددها؟
يكفي أن نذكر بما قاله عنها بطريرك السياسة الأميركية هنري كيسنجر قبيل وفاته بقليل، حين وصف ذلك الفرع من العلوم والمعارف بـ "الديكتاتور الخالد"، وعليه يمكن للقارئ أن يتساءل عن أي عالم قادم ذلك الذي ترعاه وحوش الآلات ويمكن أن تفكر في ما بينها، وعند لحظة بعينها تستبعد الإنسان؟
السؤال خطر والجواب أخطر، ولا سيما أنه وحتى الساعة لا يوجد إجماع أممي على الكيفية التي سيجري التعامل بها مع هذا النوع من السباق، إذ تسارع كل دولة قطبية كبرى إلى أن يكون لها قصب السبق في المشهد، من دون مانيفستو أخلاقي منظم أو بيان أممي يأخذ في عين الاعتبار مواقع وتقاطع ما هو متاح ومباح، وما هو محرم وممنوع، فهل عالم الذكاء الاصطناعي بوجه الـ "يوتيوبي" الذي ييسر حياة البشرية، هو عينه أحد الوحوش الديستوبية، أي حاملة الفوضى والهلاك لبشرية منشغلة في قضايا ضيقة الأفق، حيث تتراجع الاهتمامات المشتركة إلى ما وراء البراغماتية الفردانية، وليذهب الكوكب ومن عليه ما شاء له أن يذهب؟
تبدو المقاربة بين زمن الثورة الصناعية وانفجار عالم تلك الذكاءات وما يحمله للبشرية من اختراعات أمر غير عادل، وربما غير دقيق بالمرة، فالمسافة واسعة وشاسعة والمخاوف هائلة، تبدأ من تقزيم الإنسان نفسه في مواجهة الآلات وتصل إلى حد هيمنة تلك الأخيرة على النوع البشري ووضع نهاية له، بعد المرور بمرحلة الـ "سايبورغ" أو حتى من قبلها، ولعل من نافلة القول إن ذلك العالم سيخلق باباً جانبياً مخيفاً بدوره، مادته هي عدم اليقين، وسيضحى من شبه المستحيل مع الدقة غير المتناهية لأدواته، التمييز بين الحقيقة والأفك والصالح والطالح، وما هو يخدم البشرية وما يسعى في طريق فناءها، فهل كان يخطر ببال غرامشي كل هذه الأنواع من الوحوش وهي يشرح حال انتقال العالم من نظام قديم إلى آخر جديد؟ ثم وربما هذا هو الأهم، هل سيكون مولد العالم المقبل مغايراً لكل ما عرفته البشرية من ولادات منذ أزمنة القياصرة والأكاسرة، حتى النازيين والفاشيين ومن لف لفهم من اليابانيين ومن يليهم من السوفيات؟
الوحوش بكائيات أم فرص وتحديات؟
هل البنود المتقدمة من الوحوش هي كل ما تزخر به حاضرات أيامنا الانتقالية؟ قطعاً لا، فهناك كثير جداً من البنود التي تحتاج إلى أحاديث مطولة وما هذه إلا نماذج وعينات منها، لكن التساؤل الأخير والأهم يظل إذا كانت عملية ولادة عالم جديد قدر مقدور في زمن منظور، أي أمر لا بد من أن تجري به الخطوب، فهل الهرب والاختباء منه هو الحل؟ وألا يمكن أن يكون حاملاً في جعبته قدراً من الفرص كما يبدو أنه محملاً بالأخطار؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فلسفياً دائماً التساؤلات أهم من الإجابات، ولعل من يقرأ غرامشي بعمق يدرك كيف أن المفكر اليساري الإيطالي الشهير كان يرى أن هذه اللحظة الانتقالية تمثل تحديات هائلة وفرصاً استثنائية للتغيير الجذري، وكيف أنها بمثابة دعوة إلى العمل في لحظة تؤكد الأهمية الحاسمة لتجاوز هذه الاضطرابات، إذ يحث الأفراد والمجتمعات على مواجهة هذه الوحوش وصياغة المستقبل بنشاط من خلال درس النظام السائد بنظرة نقدية وتصور إمكانات بديلة، والعمل على بناء عالم جديد قائم على العدالة والمساواة وتحرير الإنسان، فغرامشي المثقف العضوي يعلمنا أن التركيز على القيم أمر بالغ الأهمية، وعنده أنه غالباً ما تبقى الجماعات القوية مهمة، لأنها تجعل قيمها وأفكارها تبدو طبيعية، ويمكن مواجهة ذلك بالوضوح التام في شأن قيمنا الخاصة التي غالباً ما تكون مختلفة، وبمجرد أن نكون واضحين في شأن قيمنا الفردية والتنظيمية والمجتمعية وقيم الأمة يصبح من الأسهل التحدث أو دعم أو إنكار قيم الآخرين التي تنعكس في أقوالهم وأفعالهم.
ويخبرنا غرامشي أنه إن كان المرء في منصب قيادي ويتمتع بالسلطة فمن المهم أن يعلم أن هناك حاجة إلى نوع مختلف من القيادة لسد الفجوة بين العالمين القديم والجديد الناشئ، وفي كل الأحوال فإنه لا يمكن محاربة الوحوش في عالم تناولي، بل يتعلق الأمر بنهج شعبي من القاعدة إلى القمة، حيث توزع السلطة بصورة أكثر عدالة .
هل من طريق مؤكد لهزيمة الوحوش قبل أن تهزم بشريتنا الخائفة؟
الحل الوحيد يتمثل في أن نقف صفاً واحداً ونسمح لقيمنا وأصواتنا أن تسمع لضمان أن مرحلة التدمير تتبعها فترة من التجديد والنمو، حيث مجتمعات أكثر عدالة وعالماً أكثر إنصافاً.