ملخص
لم يمنع التطور العلمي خلافاً أو يوقف حرباً، وهو ما ظهر في الربع الأول من قرننا، وما أكدته خبرة القرن الـ20 على مدى 100 عام، ولهذا فإن القرار السياسي المسؤول الذي تتخذه الدول، بالتعاون والتضامن، هو وحده الكفيل، ليس بوضع حد للنزاعات وإدارة التكنولوجيا في خدمة الشعوب فحسب، وإنما أيضاً بوضع تشريعات تمنع الروبوت من قيادة البشر أو استعماله لإخضاعهم.
قبل نصف قرن لم يكن الهاتف الأرضي قد اتصل بقرى لبنان وأريافه. وعندما أنشأت وزارة الهاتف شبكتها ومراكزها المزودة بهواتف يدوية يتم تحريكها لتعمل، لم يكن أحد يحلم بأنه بعد ربع قرن ستتحول تلك المراكز والهواتف إلى ذكرى متحفية قديمة. شخص واحد ممن استقبلوا "سنترالاً" في منزله ليستضيف أصحاب الحاجة إلى اتصال، وقف وقال في ذلك الزمان: سيأتي يوم تمسك فيه بهاتفك الشخصي من أي مكان، ثم تجري اتصالاً بعزيز عليك في أية بقعة من العالم، ولن تحتاج إلى سلك ولا إلى موزع ولا إلى سنترال وموظفين.
لم يكن الإنترنت والحاسوب منتشراً، ولم تكن البشرية قد استوعبت ثورة صناعية وعلمية استغرقت قرناً ونصف القرن، من القطار إلى السيارة والطائرة، فإلى الراديو والتلفزيون وأجهزة التبريد والتسخين المنزلية.
فمنذ منتصف القرن الـ19 وحتى نهايات القرن الـ20، كان على البشر أن يستوعبوا ويتأقلموا مع تغييرات سريعة لم تحصل منذ قيام الجنس البشري: ثورات تطويرية متسارعة في مختلف نواحي حياتهم، تقريب للمسافات ومحو للفروق وتعميم للخدمات الطبية والمعيشية، ومعها حروب هي الأكثر دموية ووحشية، حربان عالميتان خلال قرن واحد، ثم حروب متفرقة لا تقل شراسة في بلدان وأقاليم، وثورات وانقلابات اجتماعية أوقعت خسائر لا تحصى، ومزيد من الميل نحو فرض سلطة الأقوى على الأضعف عبر احتكار الموارد والأسواق وشن الحروب من أجلها.
لم يكن التقدم العلمي حافزاً لتكريس قيم إنسانية وأخلاقية ثابتة ومحترمة عندما دخلت البشرية ألفيتها الثالثة، ولا ندري إذا كانت الأحوال ستختلف في مقبل الأعوام. فمنذ بداية الألفية ترافق الصعود الصاروخي في عالم الاتصالات والحديث عن قرية كونية، مع مزيد من الصراعات والنزوع نحو العصبيات القومية والإثنية وانتشار ظاهرة الإرهاب والاعتداء على الحقوق الإنسانية البديهية، وما كاد الربع الأول من الألفية ينتهي حتى كان العالم يلهج باحتمالات حرب عالمية ثالثة نتيجة صراعات جيوسياسية ومنافسات اقتصادية وقومية. كانت حرب أوكرانيا المستمرة نموذجاً لهذه الصراعات ومعها حروب الشرق الأوسط وعصبها الأساس الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وصار الحديث عن احتمال صدام صيني - أميركي أمراً طبيعياً، لا ينقصه إلا التوقيت.
كان المتفائلون بثورة المعلومات والتواصل يأملون في أن تنعكس مفاعيل هذه الثورة في الوصول فعلاً إلى عالم منفتح، متطور ومتعاون في مواجهة التحديات المشتركة الكبرى. لكن التجربة الخطرة التي عانتها البشرية مع انتشار وباء كورونا مطلع العقد الثالث من الألفية، أظهرت خللاً في مستوى التعاون لا يتناسب مع حجم التقدم العلمي. حلت المصالح القومية والجهوية في مواجهة الجائحة محل المشاركة الصريحة والاستخدام المشترك لأحدث تقنيات العلوم الطبية، واندفعت البشرية إلى الانزواء والناس إلى الانعزال في حرب - جائحة هددتهم جميعاً، وترك ذلك آثاراً على سلوكيات الأفراد والجماعات في الأعوام اللاحقة، لا تزال مؤثرة في أنماط حياتهم وأعمالهم.
الجائحة كانت اختباراً إنسانياً للدول والشعوب في عصر الثورة العلمية الخارقة، وطرحت الأسئلة الأساسية حول العلاقة بين التطور والغرائزية. بمعنى آخر، جعلتنا نبحث في مصير العالم انطلاقاً من أسئلة العلاقة بين الثورة التكنولوجية ومصائر البشرية. وفي السياق يلح سؤال أساس حول الانتظارات والتوقعات: هل يمكن توقع الأفضل في ضوء مسيرة ربع القرن الأخير ونتائجها؟ أم أن علينا انتظار مزيد من المفاجآت، مفاجآت العلم ومفاجآت السلوك البشري؟
في مارس (آذار) 2017 طرح الكاتب المتخصص في راين لوفكين في بحث نشره موقع BBC، 10 تحديات سيواجهها العالم عام 2050 عرضها على النحو التالي:
1- التعديل الجيني للبشر بما يساعد في القضاء على الأمراض وتحسين النسل.
2-ارتفاع نسبة المسنين وتجاوز معدل الـ100 سنة بمقدار 50 ضعفاً.
3- زوال مدن بفعل التغير المناخي وارتفاع مستوى المياه.
4- تطور مواقع التواصل الاجتماعي بحيث يبدو العالم بلا خصوصية، ما يطرح بقوة دور سلطات القانون والشركات التي تدير عمليات التواصل.
5- حصول توترات جيو سياسية جديدة وتنامي المشاعر القومية.
6- ارتفاع نسبة استعمال السيارات على رغم أنظمة جديدة للنقل ستولد ومنها الـ"هايبر لود" وغيرها.
7- تضاؤل الموارد الطبيعية النادرة (90 في المئة منها موجودة في الصين).
8- تنشيط الرحلات وعمليات استيطان الكواكب (المريخ والقمر).
9- تحفيز القدرات العقلية عبر الأدوية وزرع الشرائح.
10- هيمنة الذكاء الاصطناعي.
لو كتب لوفكين نصه وتوقعاته هذه اليوم لكان، على الأرجح، عدل في ترتيب أولوياته وجعل الذكاء الاصطناعي في مقدمة أولويات رؤيته للعالم الآن. لقد تقدم هذا الفتح العلمي الجديد ليحدث "تغييرات هائلة وأكثر ضخامة من تلك التي أحدثها ظهور وانتشار شبكة الإنترنت"، فما يطرحه هذا الذكاء يستوعب كل ما طرحته التحولات العلمية المماثلة ويتخطاها، على المستويات العلمية والاجتماعية والأخلاقية والقيمية، ويثير تحديات أشمل لم يشهد البشر مثيلاً لها.
يرى بيتر نورفيغ الذي عمل مديراً للأبحاث في "غوغل" أن الجانب المهم يتعلق في ضمان أن تعود الأنظمة المعلوماتية الحديثة بالنفع على المجتمع ككل، "من دون أن تقتصر فوائدها على من يتحكمون بها فحسب".
وفي الواقع أن النفع يبدو عميماً وشاملاً، أما إشكالية من يتحكم فيها ففي طريقها إلى أن تصبح معضلة، خصوصاً مع انطلاقة الذكاء الاصطناعي، الوريث المتقدم لعالم الإنترنت السحري، ليهدد بالحلول محل صانعيه ومستخدميه. قد تكون هذه ضريبة التطور، إلا أنها مشكلة كبرى في الآن ذاته.
لقد أنشأ الإنترنت ومنتجاته إقطاعاً جديداً في العالم، لكن الذكاء الاصطناعي يهدد بالاستغناء عن منشئيه. عالما الكمبيوتر إليعازر بودكوفسكي ونايت سواريز، من معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي في بيركليMIR، أصدرا أخيراً كتاباً حول "لماذا سيقتلنا الذكاء الاصطناعي جميعاً"، حذرا فيه من "نهاية العالم" بسبب إمكانية إمساك هذا الذكاء بمفاصل الحاجات البشرية، من الطاقة إلى الطيران وشتى المؤسسات والأعمال. إنه تحذير سوداوي من الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في برمجة عالمنا، وهو ما يبرر المخاوف التي تحتاج إلى أجوبة مطمئنة.
يعيدنا ذلك إلى السؤال الأساس: من يدير ومن يمسك ومن يملك؟ فالثورة العلمية ماضية في غزواتها اليومية وسط عالم يلهث للحاق بها، في وقت تتخلف فيه التشريعات الناظمة والأنظمة السياسية، عن القيام بمسؤولياتها التاريخية. ففي العالم الذي يفتخر بامتلاك أدوات المعرفة الجديدة، بات القتل بالطائرة المسيرة، أحد إنتاجات العلم الحديث، مصدر قوة، كما في أوكرانيا وروسيا والشرق الأوسط، وبات توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب، كما فعلت إسرائيل في غزة ولبنان وغيرهما، مساراً يثير الاعتزاز.
لذلك لا بد من تدخل السياسة بقوة لحل المشكلات القائمة وفرض إدارة مسؤولة لمنتجات خارقة لا تكف عن التطور. ومن هنا لا يمكن فصل التوقعات في شأن مصير عالمنا ومنطقتنا عن التناغم الضروري بين سياسات قائدة وفاعلة وبين إدارة مسؤولة لأدوات المعرفة المتجددة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم يمنع التطور العلمي خلافاً أو يوقف حرباً، وهو ما ظهر في الربع الأول من قرننا، وما أكدته خبرة القرن الـ20 على مدى 100 عام، ولهذا فإن القرار السياسي المسؤول الذي تتخذه الدول، بالتعاون والتضامن، هو وحده الكفيل، ليس بوضع حد للنزاعات وإدارة التكنولوجيا في خدمة الشعوب فحسب، وإنما أيضاً بوضع تشريعات تمنع الروبوت من قيادة البشر، أو استعماله لإخضاعهم.
ما حصل في مطلع الألفية الراهنة يفترض أن يكون دليلاً إلى ربع القرن التالي إذا أريد للعالم، ومنطقتنا في قلبه، أن يتقدم بخطى واثقة نحو السلام والازدهار. وشرط ذلك أن تكون المعرفة في خدمة الجميع، وأن تتوفر إرادة وضع هذه المعرفة في خدمة البشرية.
سألت الذكاء الاصطناعي عن رؤيته لمنطقتنا بعد ربع قرن فأعطاني سيناريوهين متناقضين، سيناريو التفاؤل وفيه يتحدث عن شرق أوسط مزدهر رقمياً، أكثر استقراراً، بقيادة شابة واعية وتعليم حديث... وسيناريو التشاؤم وفيه استمرار النزاعات وقمع سياسي وهجرة عقول وسط انقسامات وعنف وضغوط اجتماعية.
لكن جوابه أعطى فسحة أمل في حديثه عن التنوع الاقتصادي في الخليج ونجاح رؤية السعودية في إعطاء ثمارها، وتحول دول كالإمارات وقطر إلى مراكز مالية وتكنولوجية إقليمية. لم أفاجأ بالجواب. ففي السعودية والمجموعة الخليجية خصوصاً، قرار سياسي متخذ بمواكبة التطور ومساعدة المحيط على النهوض من عالم الانقسام والعنف. ولا ينقص دوله الالتزام بأعلى معايير ما تقدمه المعرفة الرقمية، في موازاة التزامها السياسي بحل النزاعات السياسية استناداً إلى مبادئ العدالة والسلام. ونهج كهذا يمكن أن يسمح لنا بتنبؤات متفائلة لمصائر منطقة عانت ما يكفي ودفعت أثمان تطور علمي كانت بعيدة، إلى حد كبير، عن المساهمة فيه.