ملخص
لعل أكثر ما يجذب الانتباه في رواية "أبي الجبل" في المشهد الثقافي الجزائري هو فوزها بجائزة علي معاشي للمبدعين الشباب، إضافة إلى عنوانها اللافت الذي اختارته الكاتبة مريم يوسفي، باعتباره أول ما يوجه القارئ كمدخل رئيس إلى النص.
يبدو عنوان "أبي الجبل" مثيراً للفضول، فهو يوحي من جهة باعتزاز ابنة بوالدها، ويبعث على التساؤل من جهة أخرى حول دلالة التركيب ذاته: هل أبي هو الجبل؟ أم الجبل هو أبي؟ وإلى أي حد ستتماهى علاقة الأبوة المتوقعة في العمل السردي مع جغرافيا البلد وانتماء الشخصيات إلى الأمكنة، مع ما تحمله الجبال من رموز مكثفة في الثقافة العربية؟
أما الجبل المشار إليه في هذه الرواية، والذي شكل مصدر الإلهام والتشبيه والاستعارة، فهو جبل كردادة المطل على مدينة بوسعادة، بحيث تصفه الكاتبة بأنه الجبل العظيم الذي يلف خاصرة بوسعادة بكل ما أوتي ساعداه من بأس.
الحضور الأبوي في التكوين النفسي للشخصية
يمثل حضور الأب في رواية "أبي الجبل" المفتاح الأساس لفهم شخصية صابرين وتحليل تركيبتها النفسية في الحاضر بناء على علاقتها بوالدها، وتأثيرها العميق في تكوينها العاطفي والاجتماعي، فالراوية لا تكتفي بتعداد خصاله النبيلة وإنما تبرز عمق الرابط الذي جمعها به منذ طفولتها، مما جعل رؤيتها تتشابك برؤيته وصعب عليها الانسلاخ عن سلطة حضوره في وعيها والاستقلالية بذاتها، خصوصاً وهي تسعى في محاولاتها إلى أن تكون بطريقة ما المرأة الجبل، أي النسخة الأنثوية عن أبيها الراحل، ومن خلال هذا البعد النفسي يمكن قراءة مجريات الرواية كلها، بما تحمله من أحداث متنوعة، فالنص يبدو مبنياً على أساس عقدة إليكترا، كما صاغها كارل يونغ لوصف التعلق المفرط بين البنت ووالدها، وآثاره الممتدة إلى ما بعد البلوغ، فنجد صابرين الطفلة في رواية أبي الجبل شديدة الارتباط بوالدها، تلازمه في مجالس الرجال وتفضل صحبته على مرافقة أمها في الأسواق وصالونات الحلاقة ومجالس النساء، وحتى بعد مقتله يجسد غيابه حضوراً طاغياً يكتمل بمأسوية اليتم.
وبالنسبة الى صابرين يصبح والدها بعد رحيله المرجع الأول والمثل الأعلى في حياتها، إذ يجمل الموت صورته في وعيها إلى حد التقديس، فيحجب العيوب ويستر الخطايا، وفي المقابل تكشف الراوية عن علاقتها الفاترة بوالدتها، شاكية ضعف التواصل وسوء الفهم بينهما، ومبررة المسافات التي حددتها الابنة بصرامة كما لو أنها بنت بينهما جداراً من الجليد، وبينما تصور دعم الأب وانفتاحه بصورة تقترب من المثالية، تسلط الضوء على عيوب الأم كأسلوبها التقليدي في التنشئة، وضعفها وخضوعها لمجتمع ذكوري تنتميان إليه.
في الحب أيضاً تسعى الابنة للعثور على رجل شبيه بوالدها، ولا ترضى بمن هو أقل منه في صفاته، وعندما تبدي الأم قلقها عليها من العنوسة، تنبهها بأنها تبحث عن "شخص غير موجود وغير قابل للاسترجاع "، فتجيبها الابنة بإصرار "لكن أبي لم يكن وهماً"، عندها الأم متأثرة "رأيته كأب ولم تريه كزوج"، وبعد هذه المحادثة تصدم الابنة حين تكتشف أن والدها ليس قديساً كما تخيلت، فقد كان هو نفسه جرح والدتها بخيانته إياها مع سيدة معروفة بسمعتها السيئة في العمارة.
هذه العلاقة المعقدة لا تنحصر في شخصية روائية متخيلة وحسب، لكنها تعكس أنماطاً واقعية شائعة في علاقة الأبناء بآبائهم، وما تتركه تلك الروابط الأبوية من أثر مباشر في مسارات الحياة، وفي تشكيل الشخصية وما يعتريها من ضعف واضطراب سلوكي، وإضافة إلى هذا البعد السيكولوجي تطرح الرواية مسألة حساسة حول تصور المرء لوالديه، بين صورة واقعية برؤية محايدة وصورة أخرى تشكلها العاطفة ويغلب عليها الوهم.
"بوسعادة" في قراءة اجتماعية مغايرة
لا تبدأ رواية أبي الجبل بحدث أو بشخصية وإنما تنطلق من مكان، إذ تولي الكاتبة مريم يوسفي الفضاء المكاني أهمية واضحة من الصفحة الأولى، فتنطلق نقطة البداية من عمارة في مدينة بوسعادة تصفها الراوية "أنا الطابق الأرضي للعمارة، العمارة ذات الواجهة الواحدة، كامرأة طمسوا ثديها الأيمن"، ومن الطابق الأرضي وبأسلوب سردي تصويري يؤدي دور كاميرا متحركة، تبدأ في الصعود إلى الشقق الخمس، شقة بعد أخرى لتعرف تباعاً بسكانها وأسمائهم وطباعهم وخلافاتهم.
تقع العمارة في مدينة بوسعادة، هذه المدينة التي تعد بوابة للصحراء للجزائرية، ألهمت عبر تاريخها كثيراً من الفنانين والأدباء، غير أن حضورها في النصوص السردية غالباً ما يرد، إما في صور شاعرية أو بمعالجة تجريدية تجعل الحدث قابلاً لأن يقع في أي مكان آخر، أما رواية أبي الجبل فتنتمي إلى المدرسة الواقعية، فقد صورت الكاتبة مريم يوسفي في بدايات النص الملامح الجغرافية لبوسعادة، ووظفت أسماء أحيائها، ثم عرضت في الفصول اللاحقة تدريجاً، طبيعة المجتمع البوسعادي نفسه، بعد أن وضعت مدينة كاملة تحت مجهر الرواية، لتكشف بشجاعة عن الجوانب الخفية والقاسية للبيئة المحافظة.
تتجلى جرأة النقد الاجتماعي في الرواية من خلال صور سردية متعددة، فمثلاً تأتي على لسان الخاطبة الزائرة عبارة مهينة "لالة جوهر، عندها سلعة زوينة وهانا جينا نعاينوا فيها"، وهي صياغة تنقل مفهوماً شائعاً عن تسليع المرأة لمصلحة الرجل وأسرته، مما يمنح الزواج طابعاً تجارياً تتحول فيه الفتاة إلى سلعة، تعاين وتقلب قبل أن تسلم إلى أهل الزوج المستقبلي.
وفي الفصل الـ 12 تكشف البطلة عن الضغط النفسي الذي كان يمارسه خاله بصفته وصياً عليها بعد مقتل والدها بقولها "يقطع كل أسبوع 80 كيلومتراً من المسيلة إلى بوسعادة كي يطمئن بأنه ليس بديوث".
توجه مريم يوسفي نقداً صريحاً لذكورية المجتمع البوسعادي الذي يمثل في الرواية مجتمعات عربية مشابهة، تقول "كيف نخوض حرب الرغيف بمفردنا؟ في مدينة تقليدية ذكورية مثل بوسعادة، لا توجد فيها مكاتب ذات أثاث أنيق، لا محلات نسائية، لا مراكز استشارات، ولا معاهد لتعلم البيانو، إنها بوسعادة التي لا تملك في جعبتها كثيراً من الحيل وفنون الحياة لكي تلقنها لبناتها".
وفي موضع آخر تذكر الملحفة البوسعادية، تلك الملاءة البيضاء التي تلف بها السيدة جسدها ووجهها فلا يظهر منها سوى عين واحدة، فتصف صابرين أمها بقولها "صارت تخفيه بالملحفة، ولا تنظر إلى هذه الحياة إلا من خلال عين واحدة"، في إشارة رمزية ترمي إلى ما هو أبعد من ممارسة الرؤية اليومية للعالم بعين واحدة، وكأن الملحفة لا تحجب بصر العين الأخرى وحسب، وإنما تحجب بصيرتها أيضاً.
الإيحاء والتلميح كآليات سردية
على رغم بساطة الحكي في رواية "أبي الجبل" فإنها لا تقدم حبكة جاهزة أو خطاً سردياً مستقيماً، بل تبني أحداثها تدريجاً عبر استخدام تقنيات متنوعة بين الاستباق الزمني والاسترجاع، والانتقال بين أعوام الطفولة والشباب، لتروي وقائع بعضها من الذاكرة وبعضها الآخر يحدث في الزمن الآني، وتعتمد مريم يوسفي آليات سردية تقوم على الإيحاء والتلميح بدلاً من عرض الحدث كاملاً بتفاصيله، تشير إليه ثم تعود له لاحقاً في فصول متأخرة، وتتجنب السرد التلقيني المباشر الذي يفسر الأحداث أو يكشف نيات الشخصيات، تاركة مساحات للانتظار والاستنتاج والمشاركة في بناء الحدث التالي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تتعدد الأصوات في الصفحات الأخيرة من الرواية في صورة مفاجئة، إذ يبدو هذا التعدد عفوياً وغير مخطط له، فبعد أن روت الابنة الحكاية كاملة بضمير المتكلم، تتدخل الجارة عتيقة لتعيد سرد الحوار من منظورها وتوضح ما لم تتمكن شخصية الابنة من توضيحه، ثم يمنح الصوت للوالدة لالة جوهر وبعدها لحسام، حبيب الشخصية الرئيسة، غير أن هذا التوزيع جاء سريعاً ومتعجلاً، إذ لم تتح لهذه الشخصيات الثانوية سوى صفحة أو صفحتين للتعبير عن مواقفها، مما جعل حضورها عابراً باهتاً ومتأخراً، مقارنة بالحيز الذي خصص للبطلة.
في بداية الرواية تعرّف صابرين عن نفسها مشيرة إلى أنها بصدد كتابة حكاية "مؤخرة العمارة"، ولكنها تروى بعد ذلك من دون توظيف فعلي لتقنية الحكاية داخل حكاية، غير أن الكاتبة تعود في الصفحات الأخيرة لاستحضار الـ "ميتاسرد" من جديد عبر نص اعتراضي تواجه فيه بطلتها، محاولة أن تكتب لها النهاية التي تتمناها، وتفصح الكاتبة عن رأيها في شخصيتها فتقول "أحاول تخفيف نظرتها الأسطورية الى والدها، أحاول أن أجعلها تشفى منه، من حضوره لا من غيابه"، ثم تضيف "أجعلها تتفهم والدتها، تمنطق ضعفها، تعذر حسام، تتجاوزه بإدراكها لا بكبريائها."
ويتواصل هذا البوح حين تعلن الكاتبة صعوبة الاستجابة الكاملة لرغبات بطلتها فتقول "إنها تريد المستحيل، ولكنني مهما غذيت خيالي لأكتب لها حكاية ترضيها فإنني لا أستطيع أن أجعل نافذة في السماء تفتح لها لتعيد والدها للحياة".