ملخص
يمثل العمل ضغطاً سياسياً واقتصادياً، ففي الهند استخدم الدعم كوسيلة لتخفيف التضخم وتهدئة الناخبين، وفي كوريا الجنوبية شكلت قضية العمال محور اختبار لتحالف إستراتيجي ضخم، أما في اليونان فتحولت ساعات العمل إلى ساحة مواجهة بين الحكومة والنقابات.
في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه أسواق العمل عالمياً، تباينت القرارات والتطورات الاقتصادية بين قارات العالم الثلاث هذا الأسبوع، ففي حين منحت الهند موظفيها والمتقاعدين جرعة دعم جديدة لمواجهة التضخم، دخلت العلاقات الأميركية - الكورية الجنوبية في اختبار صعب على خلفية أزمة عمال مصانع البطاريات.
وعلى الجانب الآخر من المتوسط شلت الإضرابات حركة النقل في اليونان رفضاً لخطط حكومية مثيرة للجدل لزيادة ساعات العمل، في أحداث متزامنة ولكنها مترابطة، تكشف عن صراع متجدد بين الحكومات والعمال والمستثمرين، إذ يسعى كل طرف إلى تثبيت مواقعه في ظل اقتصاد عالمي يواجه موجات تضخم ونقص عمالة وضغوط استثمارية متزايدة.
الهند: زيادات لملايين الموظفين والمتقاعدين
أعلنت الحكومة الهندية عبر وزير الإعلام أشويني فايشناو زيادة نسبتها ثلاثة في المئة في البدل والدعم المرتبطين بالتضخم لموظفي الحكومة والمتقاعدين، في خطوة ستكلف الخزانة 100.8 مليار روبية (1.1 مليار دولار) سنوياً.
ويستفيد من القرار نحو 44.9 مليون موظف حكومي و6.8 مليون متقاعد، مما يجعله واحداً من أكبر برامج الدعم في المنطقة.
وتعكس الخطوة حرص نيودلهي على تعزيز القوة الشرائية للطبقة المتوسطة، في وقت يشهد الاقتصاد نمواً متسارعاً لكنه يواجه ضغوط الأسعار العالمية وتذبذب أسعار السلع، وقد أقرت الحكومة خطة ضخمة لتعزيز إنتاج البقوليات بقيمة 114.4 مليار روبية على مدى ستة أعوام، وزيادة موازنة شراء المحاصيل إلى 600 مليار روبية، وذلك في قرارات تحمل دلالات سياسية أيضاً، إذ تأتي قبيل الانتخابات لتظهر الحكومة بصورة المنحازة للفئات الشعبية.
أزمة عمال تثير توتراً دبلوماسياً
في المقابل تواجه العلاقات بين واشنطن وسيول اختباراً صعباً بعد أزمة عمال مصنع البطاريات في ولاية جورجيا الأميركية، فقد وافقت الولايات المتحدة أخيراً على السماح للعمال الكوريين الجنوبيين الحاصلين على تأشيرات قصيرة الأجل بالمشاركة في مشاريع صناعية، بعدما أثارت عميات الدهم التي طاولت مئات العمال المهاجرين غضباً واسعاً في كوريا، فقد أشعلت صور العمال الكوريين وهم مقيدون الرأي العام وأثارت شعوراً بالغدر لدى حليف رئيس استثمر مئات المليارات في السوق الأميركية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكشف هذه الأزمة عن هشاشة التوازن بين السياسة وحماية العمالة المحلية من جهة، وحاجات الاستثمارات الدولية الضخمة من جهة أخرى، فبينما تراهن واشنطن على جذب الاستثمارات لتقوية قطاعها الصناعي ترى سيول أن كرامة عمالها وسياسات التأشيرات غير العادلة تقوض الشراكة الإستراتيجية.
شلل في أثينا بسبب الإضراب العام
أما في اليونان فقد توقفت القطارات والعبّارات وسيارات الأجرة عن العمل إثر إضراب عام أمس الأربعاء دعت إليه أكبر النقابات العمالية، وذلك رفضاً لخطة حكومية لتمديد الحد الأقصى لساعات العمل، إذ ترى النقابات في القانون الجديد تكريساً للاستغلال في بلد لا يزال يتعافى من أزمة الديون (2009 - 2018) التي قادت إلى تقشف قاس وخفض للمعاشات والأجور، فيما تؤكد الحكومة أن التعديل موقت ويوفر مرونة أكبر لسوق العمل مع تعويض إضافي يصل إلى 40 في المئة، وعلى رغم هذه التطمينات فإن المحللين يتخوفون من أن تؤدي السياسات الجديدة إلى موجة غضب اجتماعي متجددة في بلد يحتاج إلى أكثر من مليوني عامل إضافي بحلول 2035 لتعويض النقص الناتج من التقاعد الجماعي.
وعلى رغم تباعد الجغرافيا بين نيودلهي وسيول وأثينا لكن الخيط المشترك بين هذه الأزمات واحد، إذ يمثل العمل ضغطاً سياسياً واقتصادياً، ففي الهند استخدم الدعم كوسيلة لتخفيف التضخم وتهدئة الناخبين، وفي كوريا الجنوبية شكلت قضية العمال محور اختبار لتحالف إستراتيجي ضخم، أما في اليونان فتحولت ساعات العمل إلى ساحة مواجهة بين الحكومة والنقابات.
وتكشف هذه القضايا عن أن الأجور والعمالة لم تعد مجرد تفاصيل محلية بل عوامل حاسمة في رسم السياسات الاقتصادية والدبلوماسية عالمياً، فمن آسيا إلى أوروبا مروراً بأميركا، يعيد الجدل حول الأجور والعمالة رسم أولويات الدول، في عالم يتسارع فيه التضخم وتتغير فيه خرائط الإنتاج والاستثمار، ليصبح العامل البشري قلب المعركة الاقتصادية.
وبينما تلجأ الحكومات إلى حلول متباينة يظل صوت العمال والنقابات حاضراً بقوة، مما يجعل العلاقة بين الحكومات والشعوب مقياساً رئيساً لاستقرار الاقتصادات خلال المرحلة المقبلة.
انخفاض الوظائف في القطاع الخاص الأميركي
في سياق قريب الصلة، أظهر تقرير التوظيف الذي تصدره مؤسسة "إيه دي بي" أمس الأربعاء انخفاض التوظيف في القطاع الخاص في الولايات المتحدة بمقدار 32 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تراجع قدره ثلاثة آلاف وظيفة في أغسطس (آب) الماضي بعد تعديل بالتخفيض.
وقد يحظى تقرير التوظيف الصادر عن مؤسسة "إيه دي بي"، والذي يعد بالشراكة مع مختبر "الاقتصاد الرقمي" التابع لجامعة ستانفورد، باهتمام أكبر من المستثمرين الباحثين عن مؤشرات جديدة حول سوق العمل لأن وزارة العمل لن تصدر غداً الجمعة تقرير التوظيف الأكثر شمولا عن سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو تقرير يحظى بمتابعة وثيقة.
وأوقفت الحكومة الأميركية معظم أنشطتها عند منتصف ليل أول من أمس الثلاثاء، بعد الإخفاق في التوصل إلى اتفاق تمويل.
وقال كبير خبراء الاقتصاد في بنك "كوميريكا" بيل آدامز "تعليق إصدار الإحصاءات الاقتصادية سيجعل من الصعب تتبع حالة الاقتصاد أثناء فترة الإغلاق".
وأضاف "ربما يؤدي هذا إلى رد فعل أكبر من المعتاد من الأسواق المالية تجاه إصدارات البيانات الخاصة، مثل تقرير (إيه دي بي)".
وأعلنت وزارتا العمل والتجارة الإثنين الماضي تعليق جميع إصدارات البيانات خلال فترة الإغلاق الحكومي.
وأظهرت بيانات حكومية أول من أمس الثلاثاء مؤشرات على تباطؤ في سوق العمل مع ارتفاع طفيف في عدد الوظائف المتاحة في أغسطس الماضي وانخفاض في معدلات التوظيف.
ويتوقع الاقتصاديون أن يدفع هذا الركود في سوق العمل مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) إلى خفض أسعار الفائدة مجدداً الشهر الجاري.
واستأنف البنك المركزي التيسير النقدي الشهر الماضي بخفض سعر الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق ما بين أربعة في المئة و4.25 في المئة في محاولة لدعم سوق العمل.