Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ارتفاع مقلق في حوادث السير في لبنان... من المسؤول؟

وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني لـ "اندبندنت عربية" "للمواطن دور أساسي في الالتزام بالقوانين وتخفيف الأخطار"

ارتفعت معدلات حوادث السير والوفيات الناتجة منها في مختلف المناطق اللبنانية (الوكالة الوطنية للإعلام)

ملخص

تشير أرقام "الدولية للمعلومات" إلى أنه ما بين نهاية شهر أغسطس عام 2024 والفترة ذاتها من العام الحالي، سُجّل ارتفاع بلغ نسبة 28 في المئة في عدد حوادث السير، ونسبة 29 في المئة في عدد القتلى، ونسبة 30 في المئة في عدد الجرحى.

طوال موسم الصيف، لم يمض يوم من دون أن يسمع اللبنانيون خبراً عن حوادث سير عدة في مختلف المناطق، ولا تزال هذه الأخبار تتكرر يومياً حتى الآن. ومن ضمن الحوادث الكثيرة هذه، ارتفعت نسبة تلك المؤسفة التي حصدت أرواحاً بالعشرات. ما بين مسؤولية الدولة بمختلف أجهزتها، ومسؤولية المواطن التي تقف وراءها، بلغت حوادث السير في هذا العام أرقاماً مقلقة، لا بل مروّعة، بشكل يدعو إلى التحرك السريع والفاعل. فكثيرة هي الدول التي بلغت مراحل تُسجل فيها معدلات منخفضة من حوادث السير، مثال على ذلك دول النرويج، والسويد، وآيسلندا التي تعتبر من الدول التي تسجل فيها أدنى معدلات وفيات بسبب حوادث السير في العالم لأسباب عديدة منها مبادرات السلامة المرورية، وانتشار الوعي بين سائقي السيارات، هذا ما يؤكد أن ثمة مساعي وجهوداً يمكن أن تسهم ببلوغ تلك المراحل التي تنخفض فيها معدلات حوادث السير أياً كانت أسبابها.

 

أرقام مروّعة لأكثر من سبب

تشير أرقام "الدولية للمعلومات" إلى أنه ما بين نهاية شهر أغسطس (آب) عام 2024 والفترة ذاتها من العام الحالي، سُجّل ارتفاع بلغ نسبة 28 في المئة في عدد حوادث السير، ونسبة 29 في المئة في عدد القتلى، ونسبة 30 في المئة في عدد الجرحى. ومع الارتفاع المقلق في ضحايا حوادث السير في أشهر الصيف وخلال عام 2025 عموماً بالمقارنة مع العام الماضي، وبعد أن سُجلت أرقام قياسية في شهر أغسطس بشكل خاص، أطلقت جمعية "يازا" (جمعية شبابية للتوعية بالسلامة المرورية) مجموعة من التوصيات هدفها المساهمة في الحد من هذه الكوارث، منها التطبيق الصارم لقانون السير مع مطالبة قوى الأمن الداخلي بملاحقة المخالفات الخطيرة التي تهدد سلامة المواطنين، مثل تجاوز الإشارات الضوئية والقيادة عكس السير، وأيضاً رفع قيمة الغرامات ومضاعفتها في حال تكرار المخالفة وتطبيقها على المواطنين كافة من دون تمييز، وإعادة تنظيم المعاينة الميكانيكية مع خطة أكثر شفافية وفعالية، وإعطاء الأولوية لصيانة الطرقات بشكل دوري، وتجهيز القوى الأمنية بمزيد من أجهزة الرادار وأجهزة حديثة لقياس نسبة الكحول لدى السائقين، والتشدد في معاقبة سائقي الدراجات النارية في حال قيامهم بمخالفات، وتطبيق قانون السير الخاص بوسائل الأمان مثل إلزامية استخدام حزام الأمان، وكراسي الأمان المخصصة للأطفال، وتكثيف الحملات الإعلامية للتوعية بالإرشادات المتعلقة بالسلامة المرورية للحد من الأخطار.

بحسب ما أوضح مؤسس جمعية "يازا" زياد عقل ارتفعت أرقام حوادث السير بالفعل إلى حدّ كبير خصوصاً مع ازدهار الموسم السياحي في هذا العام، لأنه بطبيعة الحال، مع ازدياد السياحة يمكن أن ترتفع معدلات حوادث السير، في الوقت نفسه، كان لبنان في حال حرب العام الماضي، ما أسهم أيضاً في خفض معدلات حوادث السير مع تراجع مستويات التنقل على الطرقات. لذلك، ارتفعت أرقام حوادث السير بنسبة 30 في المئة. في شهري يوليو (تموز) وأغسطس سجّلت أعلى أرقام حوادث سير منذ سنوات، وقد تكون ربما الأعلى في تاريخ لبنان "في ظل نشاط الحركة الاقتصادية في البلاد وحركة النقل، من الطبيعي أن ترتفع معدلات حوادث السير. لذلك، في هذا العام عادت إلى ما كانت عليه مستوياتها قبل الأزمة. ومما لا شك فيه أن ثمة فوضى هائلة على الطرقات في لبنان". 

أياً كانت طبيعة حوادث السير، لا يمكن أن يتحمل طرف واحد المسؤولية فيها، فمما لا شك فيه أنه تقع على الدولة مسؤولية كبرى بالفعل، وما يجري التداول فيه صحيح، فما بين مسؤولية وزارة الأشغال العامة والنقل في صيانة الطرقات، ومسؤولية وزارة الطاقة والمياه التي تقع على عاتقها مسؤولية إنارة الطرقات والمصابيح فيها، ومسؤولية وزارة الداخلية والبلديات التي تتولى مهمة الحفاظ على السلامة المرورية، ليست هناك مبالغة من قبل من يوجهون أصابع الاتهام نحو الدولة بمختلف أجهزتها، إنما في الوقت نفسه، هذا لا يعفي المواطن من المسؤولية، فقسم كبير من حوادث السير التي تحصل، تنتج من السرعة الزائدة، وعن إهمال واستهتار بقوانين وأنظمة السير الهادفة إلى الحفاظ على السلامة المرورية.

عندما يتحمل الكل مسؤولياته

تظهر تجارب الدول المتطورة، ومنها دول الخليج العربي التي استطاعت أن تبلغ أدنى مستويات في أعداد حوادث السير، أن السلامة المرورية أو الوقاية من حوادث السير ترتبط بقطاعات عديدة، فلا تتحمل جهة معينة المسؤولية في حوادث السير التي تحصل في بلاد معينة، بأي شكل من الأشكال. في الوقت نفسه، إن الوقاية من حوادث السير تتطلب تحمل كل جهة مسؤولياتها. في هذا الإطار، أشار عقل إلى أن من مسؤولية وزارة التربية والمؤسسات التربوية العمل على توجيه الجيل الصاعد ونشر الوعي في المدارس والجامعات، "كذلك فإنه حيث تكون هناك حركة نقل أياً كانت طبيعتها، من إدارات مدارس، وإدارات شاحنات أو باصات، أو أي مرفق وشركة، وأيضاً بوجود الأهل الذين لهم أبناء يقودون سيارات، يكون هناك خطر وتتحمل الجهات المعنية المسؤولية. فكل من هو معني بأي حركة نقل تحصل يتحمل جزءاً من المسؤولية، ما يؤكد أن ثمة تشعباً في المسؤولية يرتبط بكل من يقود سيارة أو وسيلة نقل". ولفت عقل إلى مسؤولية وزارة الأشغال العامة والنقل التي تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، "إذ تقع على عاتقها مسؤولية صيانة الطرقات العامة التي كانت مهملة طوال السنوات الماضية. لكن حالياً، بدأت بالفعل تتحمل هذه المسؤولية وتبذل جهوداً واضحة وجدية للحد من حوادث السير. أما وزارة الداخلية فهي من الجهات المعنية إلى حد كبير بالسلامة المرورية من خلال البلديات التي لها عليها سلطة الوصاية، وأيضاً من خلال قوى الأمن الداخلي المعنية بتطبيق القانون، وأيضاً من خلال هيئة إدارة السير المعنية بالمعاينة الميكانيكية المتوقفة مع ما لذلك من تداعيات".

انطلاقاً من ذلك، يصعب تحميل جهة معينة مسؤولية حوادث السير التي تحصل على الطرقات اللبنانية وتحصد أرواحاً بالعشرات لأنها حلقة، والمعنيون بها كثر يتحمل كل منهم جزءاً من المسؤولية. بالتالي، يتطلب خفض هذه المعدلات من الجميع جهداً مشتركاً لبلوغ تلك المراحل التي بلغتها الدول المتقدمة في عدد حوادث السير، علماً أنه في وقت تبلغ نسبة الوفيات في أوروبا أربع أو خمس وفيات من 100 ألف نسمة، في لبنان، تصل النسبة إلى 25 وفاة من 100 ألف نسمة، وهي نسبة مرتفعة جداً ومقلقة، ما يؤكد الحاجة الملحة إلى تضافر الجهود من قبل القطاعات كافة للوقاية من حوادث السير. والأسوأ أن في لبنان ثمة نقصاً على مستوى الرصد والتتبع لضحايا حوادث السير لدى قوى الأمن، إذ تكتفي الأجهزة الأمنية بتعداد الوفيات المباشرة لحوادث السير، فيما من الممكن أن تسجّل الوفاة بعد شهر من دخول المستشفى. ومن المفترض رصد الجريح بسبب حادث السير لمدة 30 يوماً للتأكد ما إذا كانت قد حصلت وفاة أو ما إذا كان قد تعافى، ما يسمح بتحديد العدد الحقيقي للقتلى أو الجرحى بسبب حوادث السير لتوضع السياسات الوقائية اللازمة على هذا الأساس، كما في الدول المتقدمة، فنقص البيانات والأرقام مشكلة حقيقية في لبنان ما يزيد من صعوبة وضع استراتيجيات وقائية وفق عقل الذي اعتبر أن عدد 800 ضحية لحوادث السير في هذا الصيف، استناداً إلى الأرقام الرسمية، لا يعكس حقيقة الوضع أبداً، وقد لا يشكل إلا نصف العدد الحقيقي لضحايا حوادث السير على الطرقات.

واللافت أيضاً في هذا العام حوادث الدراجات النارية التي أضيفت إلى الحوادث المعتادة. وسجّلت حوادث سير بين دراجات نارية أودت بحياة سائقين، وبين دراجات نارية ومشاة، وهي تتكرر حتى الآن بشكل يومي، فهذه الفوضى والمخالفات الكثيرة التي تسجّل في حركة تنقل الدراجات النارية، تتطلب تدخل قوى الأمن الداخلي بحزم حرصاً على سلامة سائقي هذه الدراجات النارية وعلى بقية المواطنين الموجودين على الطرقات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لإهمال الطرقات أسبابه

وسط هذه الأجواء، أسف وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني في حديث لـ "اندبندنت عربية" لأعداد الحوادث الأخيرة التي تُسجّل وتدعو إلى دقّ ناقوس الخطر، معتبراً في الوقت عينه، أنها تضع الجميع أمام مسؤولياتهم "لا شك أن للمواطن دوراً أساسياً في الالتزام بقوانين السير وتخفيف الأخطار، لكن الدولة تتحمّل، بدورها، مسؤوليات عدّة. شبكة الطرقات في لبنان لم تخضع لصيانة جدّية منذ أكثر من عقد، والنتيجة أن البنية التحتية أصبحت متقادمة وغير مؤهلة لاستيعاب ضغط السير ولا الظروف المناخية. في ذلك، تعتبر مسؤولية وزارة الأشغال العامة والنقل واضحة ومحدّدة، فهي معنية بالطرق الدولية والرئيسة والثانوية والمحلية، وهذا محور عملها اليومي".

في المقابل، تابع رسامني "لا تعتبر الإنارة مثلاً من مسؤولية وزارة الأشغال، فهي تتأثّر بشكل مباشر بأزمة الكهرباء الوطنية، وهي أزمة متراكمة تعود إلى سنوات طويلة بغياب الحلول المستدامة. لذلك، تتولى وزارة الأشغال العامة والنقل مهمة تركيب الأنظمة وتجهيز الشبكات في الأنفاق والطرقات، لكن توفير التيار ليس من صلاحياتها. وعلى رغم ذلك، هي تبذل جهوداً لتأمين ما هو ممكن، كتأهيل إنارة أنفاق المطار، والأوزاعي (بيروت)، وبحمدون (جبل لبنان)، فيما الأعمال مستمرة لإنارة أنفاق فندق فينيسيا في بيروت ونفق شكا في شمال لبنان. كما يجري العمل على مشروع تجريبي للإنارة الهجينة على امتداد 28 كيلومتراً من خلدة (جبل لبنان) إلى الأولي، وإذا نجحت هذه التجربة، فسيكون من الممكن العمل على تعميمها على بقية الطرقات التي تحتاج إلى الإنارة".

أمّا على صعيد الحفر والمطبات والبؤر السوداء، فأوضح الوزير رسامني أنه يجري العمل على معالجتها ضمن الإمكانات المتاحة، "وبالتالي المسؤولية مشتركة، والوزارة تقوم بدورها ضمن حدود صلاحياتها، لكن لا يمكن معالجة الأزمة جذرياً من دون تكامل فعلي بين الوزارات والبلديات والجهات الأمنية". وأضاف "أرقام الحوادث المقلقة لم تمرّ مرور الكرام، بل كانت حافزاً لتسريع وتيرة برنامج (لبنان على السكة) الذي أطلقته الوزارة منذ أشهر، وهو مشروع شامل لصيانة وتأهيل الطرقات والجسور والأنفاق على امتداد الأراضي اللبنانية، وأيضاً بدأت بخطوات ملموسة، من إنارة الأنفاق الاستراتيجية، إلى صيانة المقاطع الأكثر خطورة على الأوتوسترادات الساحلية والدولية، كذلك طلبت من مجلس الوزراء اعتمادات تقارب 800 مليون دولار لإطلاق خطة شاملة لإعادة تأهيل الطرق الدولية، لأن المعالجة الجذرية لا يمكن أن تتم بالترقيع، بل تحتاج إلى استثمار طويل الأمد".

في موازاة ذلك، ختم رسامني "وعلى رغم أهمية صيانة الطرقات للحد من حوادث السير، لا يمكن إغفال مسؤولية بقية الوزارات والجهات، فلا بد من التعاون بين مختلف الجهات المختصة لتطبيق القانون، إلى جانب التزام المواطن، بما أن الحل ليس فقط في تعبيد الطرق أو إنارتها، بل أيضاً في تغيير السلوكيات المرورية، بالتالي من المهم أن تجتمع البنية التحتية، مع التزام المواطن بالقوانين، إضافة إلى تعاون الجهات الرسمية كافة لتكريس ثقافة السلامة، وصولاً إلى سياسة وقائية تحمي حياة الناس".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير