Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حوادث السير في مصر... عندما تصبح الطرق مصائد للأرواح

الإحصائيات تطلق إنذارات متتالية عن ثغرات المنظومة المرورية رغم تشديد القوانين وتطوير شبكة النقل

حصيلة حوادث الطرق في مصر تصل إلى 13 ألف قتيل سنوياً (أ ف ب)

ما زالت إحصاءات حوادث الطرق المتزايدة في مصر تطلق إنذارات متتالية عن ثغرات في جسد المنظومة المرورية، على الرغم من قوانين عدة أصدرها المشرع أخيراً للحد من رعونة السائقين.

وبعد أن كانت القوانين لا تفعّل بالشكل اللازم على أرض الواقع، تم الدفع بأعداد ضخمة من كاميرات المراقبة لتشديد الرقابة على الطرق، ومن ثم تفعيل القوانين بصورة أكثر صرامة عن ذي قبل.

لكن المفارقة تأتي على هيئة سؤال بلا إجابة، أين العوار والثغرة التي تنفذ منها حوادث الطرق التي تصل حصيلتها إلى 13 ألف قتيل و80 ألف إصابة سنوياً، بحسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

نصوص وثغرات

الخبير القانوني حازم أبو خليوة، المحامي بالنقض، قال إن الدفع بأعداد ضخمة من كاميرات المراقبة في مختلف الطرق لم تكن الخطوة الوحيدة التي اتخذتها الحكومة المصرية للحد من حوادث السير، بل أضافت نصوصاً جديدة أكثر صرامة إلى قانون المرور الحالي، لتصل عقوبة تعاطي المواد المخدرة في أثناء القيادة على الطرق السريعة والرابطة بين المحافظات إلى الحبس.

وأشار إلى نص المادة 76 من قانون المرور الحالي، التي تقول إنه "يعاقب كل من قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر أو السير عكس الاتجاه في الطريق العام داخل المدن أو خارجها بالحبس مدة لا تقل عن سنة". كما تضيف المادة أنه "إذا ترتب على ذلك إصابة شخص أو أكثر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (نحو 530 دولاراً أميركياً)، وحال ترتب على ذلك وفاة شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 7 سنوات وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه (نحو 1060 دولاراً أميركياً).

 

ولفت إلى أن القانون يقر على أن "تسحب رخصة القيادة عند ضبط قائد المركبة للمرة الأولى يقودها تحت تأثير خمر أو مخدر وإحالته للفحص الطبي للاشتباه في وقوعه تحت تأثير خمر أو مخدر وفقاً للمادة 66 من القانون تسحب لمدة 90 يوماً".

وعلى الرغم من أن إضافة تلك النصوص تعد خطوة مهمة للحد من حوادث الطرق، لكن الواقع يرصد ثغرات تنفذ منها انتهاكات للقانون ذاته من قبل رعونة السائقين، بحسب محمد عبد العاطي (35 سنة) سائق سيارة نقل، متعهد نقل البضائع من القاهرة إلى الفيوم (جنوب غربي العاصمة) والعكس. وقال إن معظم السائقين أصبح لديهم شبه خريطة لأماكن كاميرات المراقبة على الطريق، فيتعمد السائقون تخفيف السرعة فقط قبل الكاميرات بوقت كافٍ، ثم العودة إلى السرعة الجنونية، ومع تهالك بعض الطرق، تحدث الكارثة.

عوار في جسد المنظومة

الأرقام الرسمية هي الحد الفاصل بين المدعين باستتباب الأمن وتقدم المنظومة المرورية، وبين الهواة ممن يطلقون الاتهامات هنا وهناك من دون سند قانوني أو رسمي، فالإحصاءات الرسمية لحوادث الطرق توضح حقيقة جلية، وهي أن الأزمة ما زالت قائمة، كان آخرها حادث المنيا الذي راح ضحيته أكثر من 20 قتيلاً وعشرات المصابين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يلقى سبعة آلاف شخص مصرعهم سنوياً في حوادث الطرق بمصر، أما الإصابات فسجلت ارتفاعاً في نهاية عام 2020 نحو 57 ألفاً.

الدكتور محمد عبدالله، أستاذ الهندسة في جامعة حلوان، أوضح أن التطور الذي شهدته الطرق والبنية التحتية أخيراً، على الرغم من الفارق الذي أحدثته في تخفيف الضغط المروري وتطور المنظومة بشكل عام، لكننا ما زلنا نحتاج إلى مزيد من الوقت لكي يشمل التطوير جميع الطرق، مؤكداً أن الالتزام بالسرعة المقررة وتجنب الرعونة من قبل سائقي المركبات المختلفة، خصوصاً النقل الثقيل، قد يخففان عنّا نسبة كبيرة من الحوادث التي ترجع بشكل كبير إلى سلوكيات السائقين المتهورة وليست الطرق، وذلك وفق الإحصاءات الرسمية.

حوادث يتجاهلها الرادار

على الرغم من أن المحافظة على مسافة آمنة تقدر بـ5 أمتار بين السيارة والأخرى تبدو مخالفة بسيطة، لا تؤخذ في الاعتبار من قبل جميع أطراف المنظومة، سواء ضابط المرور أو كاميرات المراقبة، إلا أن الأرقام الرسمية تؤكد أن تلك المخالفة وحدها تقف وراء 10 في المئة من إجمالي حصيلة حوادث الطرق.

محمد بدوي (44 سنة) يعمل في القرية الذكية، قال بصفته شاهد عيان على حادث بطريق الواحات الرابط بين منطقتي أكتوبر والهرم، أنه شاهد حادثاً مروعاً أثناء عودته من عمله مساء، إذ تصادمت خمس سيارات بسبب توقف مفاجئ للسيارة الأولى.

وأكد مصطفى أحمد، شرطي مرور يخدم في المنطقة ذاتها، أنه بالفعل رصد عدداً من الحوادث بسبب تجاهل سائقي المركبات المسافة القانونية الآمنة، وقال "كي لا نثقل كاهل المواطنين لا ندوّنها مخالفة"، لافتاً إلى أن الالتزام بها سيأتي ثماره حين تشديد العقوبة بإقرار غرامة محددة تجبر السائقين على التقيد بها.

 

وبالرجوع إلى قانون المرور، رصدنا 12 مخالفة محددة بتوقيع غرامات على مرتكبيها، و14 مخالفة تشديد العقوبات بشأنها ولا يجوز التصالح فيها، وجميعها ليس من بينها تخطي المسافة الآمنة، ومن جانب آخر تم وضع مشروع قانون يشمل تلك المخالفة، لكن من دون غرامة أيضاً، واستبدالها بخصم أربع نقاط من الرخصة، في نظام جديد للمخالفات، بحيث يتم سحب الرخصة إذا تجاوزت المخالفات عدد النقاط المسموح به، لكنه ما زال قيد الدراسة ولم يتم البت بشأنه.

دفاتر "الطوارئ" تقول كلمتها

الدكتور محمد يوسف، استشاري جراحة العظام في مستشفيات وزارة الصحة، قال إن عدد الإصابات التي تستقبلها أقسام الطوارئ يومياً يقدّر بالعشرات، ومعظمها حوادث سير ناتجة من تجاوز السرعة وعدم التزام القوانين. في المقابل، تزداد قائمة العمليات الناتجة من كسور مضاعفة، ونقابل إشكالية أخرى وهي توفير المستلزمات الطبية لتغطية تلك الأعداد، مؤكداً أن حوادث السير لا تؤثر في المنظومة المرورية فحسب، بل تثقل على المنظومة الطبية كأثر جانبي لتفاقم الأزمة.

الدكتور أحمد خالد، طبيب في مستشفى الهلال للعظام برمسيس، قال إنهم أحياناً تحت الضغط الواقع عليهم نتيجة زيادة أعداد المصابين يومياً يضطرون إلى طلب بعض المستلزمات الطبية من أهل المريض ليتم التعامل مع المصابين بشكل عاجل وإنقاذ الوضع من التفاقم، الأمر الذي يدفع بعض الأهالي إلى الشجار مع الأطباء في غرفة الطوارئ، ويزداد الأمر تعقيداً.

سائق محترف وأرعن

الدكتور محمد حسن، متخصص نفسي في مستشفى العباسية، أشار إلى مفارقة تثير كثيراً من علامات الاستفهام، وقال إن النسبة العظمى من الحوادث تأتي من قبل السائقين المحترفين نتيجة الرعونة وانتهاك القانون، مستندين إلى خبرتهم.

وقال إنه تحت عدد من الضغوط النفسية والاجتماعية والجسدية، التي يمر بها السائقون بسبب حاجته لتكرار "النقلات" في اليوم الواحد في ظل أزمة اقتصادية تثقل الجميع، يفقدون توازنهم نسبياً، ما قد يدفعهم أحياناً إلى تعاطي المواد المخدرة والمنبهة، وعند ظهور المفاجآت على الطريق، تحدث الكارثة.

وقال إن سائقي المركبات غير المحترفين يكون بينهم وبين الرعونة والسرعة الجنونية حاجز نفسي كبير لمعرفتهم بقدراتهم المحدودة في التحكم بعجلة القيادة لحظة الخطر على عكس المحترفين، ما يمكنهم من مقاومة الغرور وعدم تخطي السرعات المسموحة.

تطوير غير آمن

في الأعوام القليلة الماضية، أسهمت مصر في رفع كفاءة الطرق بشكل كبير، بحيث بلغ عدد الطرق المرصوفة وفق النشرة السنوية لنتائج حوادث السيارات والقطارات عن عام 2020 التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 101500 كيلومتر، من جملة الطرق المرصوفة والترابية على مستوى الجهورية المقدرة بـ149900 كيلومتر، وعلى الرغم من هذا التطور الإيجابي، فإن حوادث الطرق ما زالت في تزايد، ربما هذا الأمر يرجع إلى أمور منها الزيادة الكبيرة في عدد المركبات، إلى جانب أن جودة الطرق من الواضح أنها أغرت كثيراً من السائقين فزادت رعونة قادة السيارات.

 

لكن يبدو أن هذا التطور "غير آمن" أيضاً، وفقاً لرؤية الخبراء، فتجاهل نظم الأمان كربط أحزمة، وقلة الخوازيق الصناعية التي تسهم في تقليل نسبة الحوادث، وتعمد السير بسيارات متهالكة أو قديمة، وإهمال خزانات الوقود وإهمال التغيير الدوري لإطارات السيارات، وانشغال قادة السيارات بغير الطريق، خصوصاً استخدام الهواتف النقالة، كل تلك الأمور تسهم في رفع نسبة حوادث السيارات وتحتاج إلى رادع قوي بالقانون والمراقبة.

خارج المنطقة الحمراء؟

في مايو (أيار) 2020، ذكر المهندس كامل الوزير، وزير النقل، أن مصر قفزت في التصنيف العالمي لجودة الطرق 90 مركزاً، من المركز 113 إلى المركز رقم 28 عالمياً عام 2019، ما يجعلها تخرج من المنطقة الحمراء لحوادث الطرق، موضحاً أن الفضل يعود إلى المشروع القومي للطرق، الذي تم إنشاؤه بإجمالي سبعة آلاف كيلومتر طولي، وبلغت كلفته 175 مليار جنيه، ليصل إجمالي شبكة الطرق الرئيسة إلى 30 ألف كيلومتر، ومنوهاً بأن صيانة وتطوير شبكة الطرق الرئيسة بين المحافظات يعتمد لها 10 مليارات جنيه سنوياً، بينما شبكة الطرق المحلية يعتمد لها ثلاثة مليارات جنيه سنوياً.

الأمر الذي ذهبت إليه أيضاً الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، عندما أشارت إلى أن حجم الاستثمارات التي أنفقتها مصر على تطوير شبكة الطرق والكباري أسهم في خفض نسبة وفيات حوادث الطرق بنسبة 44 في المئة، موضحة أن مصر أنفقت نحو 14 مليار جنيه عام 2018 لترتفع نسبة الاستثمارات إلى 26 مليار جنيه في 2019 ثم إلى نحو 28 مليار في 2020.

وعلى الرغم من حجم الإنفاق الهائل، الذي بذلته مصر خلال الأعوام الماضية في عملية تطوير الطرق، فإن أرقام الإحصاءات الرسمية تشير إلى زيادة عدد ضحايا حوادث الطرق، وفقاً لما تناوله تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر في يوليو (تموز) 2022، الذي يستعرض نتائج حوادث السيارات والقطارات عام 2021.

وأوضح التقرير أن عدد المتوفين في حوادث الطرق بلغ 7101 متوفي عام 2021 مقابل 6164 متوفياً عام 2020 بنسبة ارتفاع 15.2 في المئة، وهو ما يعيدنا إلى التساؤل مجدداً هل مصر بالفعل خرجت من المنطقة الحمراء في حوادث الطرق؟

 

المزيد من تقارير