Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل موسيقى الأغنياء هي نفسها موسيقى الفقراء؟

الأدوات واحدة لكن المكانة هي التي ترسم الفوارق

الموسيقى لغة طبقية لكنها في الوقت نفسه عصية على التصنيف، فقد يكون البيانو تاج الصالونات لكنه يظل عاجزاً أمام عفوية دف أو طبلة في مقهى شعبي (بيكسلز)

ملخص

من قصور الأرستقراطية إلى الحارات، الكلاسيكي يدوم لأنه مدون والشعبي يسري لأنه معاش، والموسيقى قد توحد القلوب لحظة لكنها لا تلغي التمايز، والميزان الحقيقي ليس ثمن الآلة بل الدمعة التي يتركها اللحن في عين عابر.

الموسيقى لا تسأل عن جيبك قبل أن تدخل إليها، لكنها منذ ولدت كتبت على جدار الصراع بين قصور المترفين وأحياء الفقراء، ففي أوروبا البعيدة سكنت الكمانات قصور الأباطرة، وجلس بيتهوفن في حضرة الملوك، وفي الحقول كان الناي يصنع من قصبة ويطلق أنين الأرض في وجه الريح، والأغنياء دونوا موسيقاهم في مخطوطات صارت مدارس وأكاديميات، والفقراء اكتفوا بنقلها شفهياً لتُغنى في الأعراس وتدفن مع أصحابها.
الموسيقى لغة طبقية لكنها في الوقت نفسه عصية على التصنيف، فقد يكون البيانو تاج الصالونات لكنه يظل عاجزاً أمام عفوية دف أو طبلة في مقهى شعبي، وقد يحفظ الأرشيف العالمي اسم موزارت وتشايكوفسكي لكنه يظل مديناً لقرية مجهولة أنجبت لحن دبكة أو ميجانا.
وفي الشرق كما في الغرب، ظل السؤال يطاردنا: هل هناك موسيقى للأغنياء وأخرى للفقراء؟ أم أن الفوارق في القاعات والآلات بينما الجوهر واحد؟ وهل يقاس الفن بسعر التذكرة أو بثمن الآلة؟ أم بالدمعة التي يتركها لحن في عين عابر لا يملك ثمن عود ولا ثمن مقعد في دار الأوبرا؟ وهنا يصبح النقاش أقرب إلى محكمة ضمير: أيهما أصدق، موسيقى الصالونات التي تعيش قروناً على الورق، أم موسيقى الأزقة التي تذوب في اللحظة ثم تختفي؟

الموسيقى عالمية

في السياق يوضح الموسيقار لبنان بعلبكي أن "الموسيقى الغنية هي ذاتها موسيقى الفقراء، والأدوات واحدة والأعمال لا تقاس بالثروة بل بالروح التي تسكنها"، وتاريخياً كان التموضع الطبقي للموسيقى أوضح ما يكون في أوروبا الكلاسيكية، إذ ارتبطت الألحان المكتوبة بالطبقة الأرستقراطية فيما ظل الفولكلور الشعبي عابراً من جيل إلى آخر عبر الذاكرة، وهذه الازدواجية بين "المكتوب" و"المغنى" هي ما رسم الحدود بين الموسيقى الأكاديمية والموسيقى الشعبية، ثم استعاد بعلبكي تاريخاً مضى قائلاً إن "الموسيقى ارتبطت طويلاً بالتصنيف الاجتماعي لا المادي، ففي أوروبا القديمة التصق المال بالمكانة، والعائلات الكبرى كانت تمتلك حق الدخول إلى عالم الموسيقى المثقفة، وتلك التي تحولت لاحقاً إلى الموسيقى الكلاسيكية، ففي قصورهم كان الفنانون يقيمون ويبدعون وتتحول الصالات إلى ورش موسيقية نابضة".
لكن الصورة تغيرت، ليضيف بعلبكي أن "المال لم يعد مرآة للثقافة فقد تجد شخصاً متواضع الحال ينهل من الموسيقى العميقة ويعيشها بشغف، وفي المقابل هناك عائلات ميسورة تكتفي بوضع بيانو في صالون المنزل لا كجسر لمهنة، بل كقطعة ديكور أو لعبة للأطفال"، ويتنهد قائلاً إن "الموسيقى عندهم نشاط جانبي، أما المهنة الحقيقية فهي دائماً ما تحصر بالاختصاصات التي تدر المال".


الموسيقى الشعبية: دفء اللحظة

يتوقف بعلبكي عند "الشعبي" ليرفض وصفه بموسيقى الفقراء، "هي موسيقى شعبية ومحلية وفطرية، وليست عرضاً تقنياً ولا إنتاجاً بصرياً مبهراً، بل هي لحظة إحساس جماعي، لحظة فرح واشتراك"، مشيراً إلى أنه "في المقاهي والأعراس لا يبحث الناس عن النظافة التقنية بل عن الدفء، والموسيقى هناك فعل مشاركة لا استعراض، وفي المقابل فالعمل المحترف هو ابن دراسة وابن تسويق وابن فكرة تطرح للعالم"، وتظهر الدراسات الأنثروبولوجية أن الموسيقى الشعبية ليست أقل شأناً بل هي أقرب إلى وظيفة اجتماعية: تماسك الجماعة ومشاركة اللحظة وترسيخ الهوية، ومن هنا كان تأثيرها بالغاً حتى في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية التي استعار كبار مؤلفيها ألحاناً من الفولكلور. ويرى بعلبكي أن "الموسيقى الشعبية تركت أثرها في الكلاسيكية الأوروبية، فاستعار كبار المؤلفين ألحانها ودمجوها، فالشعبي بسيط يقوم على لحن واحد، أما الكلاسيكي فهندسة معقدة وهارموني وصروح صوتية".

ويستحضر مثال كركلا ويقول "كما في الرقص حين أخذ عبدالحليم كركلا الدبكة الشعبية ووضعها في إطار معاصر فحملها إلى مسارح العالم، وكذلك في الموسيقى هناك من حول الفولكلور إلى عمل عالمي ضمن رؤية أكاديمية أو احترافية".

التحدي اللبناني

عن لبنان يختصر بعلبكي المشهد قائلاً "لسنا أمام مسرح مركزي، فالموسيقى لا ترى كمهنة بل كترف، ونحن بلد بحاجة إلى رؤية تعتبر الموسيقى حرفة جدية تستحق البنية التحتية والدعم"، ويختم أن "الموسيقى الشعبية هنا تبقى لحظة إحساس جماعي، أما العمل الأكاديمي أو المحترف فيبقى محتاجاً إلى رعاية ثقافية وإيمان مجتمعي ومؤسساتي بأن الفن ليس ترفاً، بل هو جزء من الهوية والذاكرة".

وغياب البنية التحتية الموسيقية في لبنان ليس مسألة موارد فقط بل مسألة رؤية، فبينما تبني الأمم مؤسسات موسيقية تحفظ تراثها وتطوره، بقيت الموسيقى في لبنان رهينة المبادرات الفردية، وهنا يطرح سؤال الهوية: هل نستطيع أن نعتبر الموسيقى جزءاً من مشروع وطني، أم أنها ستظل نشاطاً جانبياً محكوماً باللحظة؟


البيانو ظل سيد الصالونات والناي رفيق الحقول

من جهته يرى الموسيقار أندريه الحاج أن "خيار الآلات الموسيقية يختلف بالتأكيد بين المجتمعات، ومنذ 200 عام وحتى اليوم لم يتغير الكثير، فالآلة التي سيطرت على قصور وبيوت الطبقات الغنية هي البيانو، ولا يزال يحتل هذه المكانة، أما الآلات البسيطة مثل الناي أو العود أو الربابة فهي آلات الفقراء، ويستطيع الإنسان أن يصنعها من الطبيعة من الحقل مباشرة"، متابعاً أن "البيانو أو الكمان المصنوع يدوياً، أو آلات النفخ مثل الكلارينيت والأوبوا، كانت تاريخياً آلات فاخرة وثمنها مرتفع، ودرسها كان محصورة بأبناء الطبقات الغنية الذين تعودوا ارتياد القصور وحفلات الأوبرا، أما الآلات الشعبية مثل العود والبزق والطبلة والدف والغيتارات البسيطة فلم تكن تحتاج إلى كُلف عالية أو دراسة أكاديمية، وبقيت مرتبطة بالاحتفالات الشعبية والأعراس والمقاهي، وحتى اليوم لا يزال الدخول إلى الحفلات الموسيقية الكلاسيكية في لبنان أو في دول مجاورة محصوراً بفئة اجتماعية قادرة على دفع ثمن البطاقات".
والآلات الموسيقية نفسها تحمل دلالات طبقية، فالبيانو ظل على مدى قرنين رمزاً للثراء، فيما ارتبط الناي أو الربابة بالريف والحقول، وهذا التباين بين الآلة الفاخرة والآلة البسيطة يوازي الفارق بين المسارح الكبرى والمقاهي الشعبية، مضيفاً أن "البيانو كان ولا يزال رمزاً للمكانة الاجتماعية ويوضع في الصالون الكبير ليشهد على الثراء، بينما الآلات الشعبية كانت وسيلة للتعبير الجماعي في جلسات صغيرة، والفرق لم يكن في قيمة الموسيقى بل في طبيعة التربية والمكان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الموسيقى بين القصور والأحياء الشعبية

ويوضح الحاج أن "المواضيع التي كانت تغنى في الأحياء الشعبية تختلف عن تلك التي كانت تقدم على المسارح الكبرى، فالأوبرا مثلاً كانت تحتاج إلى جمهور مثقف وقادراً على فهم النصوص الموسيقية، بينما في الأحياء الشعبية بقيت الأغاني قريبة من هموم الناس اليومية، وحتى الجاز في أميركا نشأ من البيئات الفقيرة لكنه تحول لاحقاً إلى مدرسة قائمة بذاتها"، مضيفاً أن "الأغنية الشعبية ظلت في الذاكرة كفولكلور، بينما الأعمال الكلاسيكية عاشت على المسارح الكبرى مدعومة بالبنية الثقافية للنخب".
والمحتوى الغنائي نفسه يعكس التمايز، فالأوبرا احتاجت جمهوراً مثقفاً بينما بقيت الأغاني الشعبية قريبة من اليوميات، وحتى في أميركا خرج الجاز من بيئات فقيرة ليصبح مدرسة عالمية، وهكذا تتحول موسيقى الهامش أحياناً إلى تيار مركزي يغير مسار التاريخ الموسيقي.

امتياز النخب وانتشار الموسيقى الكلاسيكية

يقول الحاج إن "المجتمعات الغنية امتلكت دوماً أدوات الانتشار، وموسيقى بيتهوفن وفرانز ليست وموزارت بقيت لأنها أولاً مدونة مكتوبة، وثانياً لم يجرؤ أحد على تغيير نوتة واحدة فيها، ومن هنا انتشرت عالمياً، من أوروبا إلى اليابان وكوريا والعالم العربي، والأوركسترا في كل مكان تعزفها كما هي".
أما الآلات الشعبية فيقول "بقيت محصورة في بيئاتها المحلية وإيقاعات بسيطة تستخدم في الأعراس أو الطقوس ولا تخرج غالباً من بيئتها إلا إذا تحولت إلى فولكلور خالد، ففي لبنان مثلاً الميغانا والعتيقة بقيتا لكنهما استثناء بين مئات الأغاني التي اندثرت".


الفولكلور كمادة خام

يشير الحاج إلى أن "الفولكلور كان دائماً المادة الخام التي استلهم منها الفنانون أعمالهم الكبرى، ففي مصر أخذ سيد درويش ألحان الشارع المصري وصاغ هوية موسيقية حديثة، وفي لبنان اعتمد الأخوان رحباني على التراث السرياني والآرامي وطوعوه في أغنياتهم، وفي روسيا استلهم تشايكوفسكي من الموروث الشعبي وأضافه إلى مؤلفاته الأوركسترالية"، شارحاً أن "الأمر نفسه حصل في أوروبا الغربية، فالفالس الذي كان رقصة شعبية تحول على يد شتراوس إلى عمل كبير يقدم في القاعات المرموقة، وهكذا دخل الإيقاع الشعبي إلى المسارح الكبرى بعد أن صيغ في قوالب أوركسترالية مدروسة".
وهذا التلاقي بين الشعبي والكلاسيكي يكشف معادلة عميقة وهي أن الفولكلور ليس عائقاً أمام العالمية، بل هو مادتها الخام، فمن سيد درويش إلى الرحابنة ومن الفالس إلى الدبكة، ولم يكن الطريق إلى المسارح الكبرى إلا بمرور إجباري عبر الأزقة والحقول.

تلاقي الطبقات في لحظة موسيقية

لكن للموسيقى لحظات نادرة تسقط فيها الطبقات أقنعتها وتذوب الفوارق على إيقاع واحد، وهنا تبلغ الموسيقى ذروتها الإنسانية حين تجمع الملوك بالشعوب وتوحد الغني بالفقير، لكنها لحظة عابرة لا تلغي التمايزات بل تكشف هشاشتها، فالفن قادر على أن يفتح باباً للحوار لكنه لا يغير بالضرورة قواعد اللعبة الاجتماعية.
ويقول الحاج إن "هناك أوقاتاً يكسر فيها الحاجز بين الغني والفقير، وحفلات أم كلثوم مثلاً جمعت الملوك والشعوب في قاعة واحدة، والجميع غنى اللغة نفسها وفهم الرسالة نفسها، وكذلك حفلات الجاز حيث يجتمع الغني والفقير على إيقاع واحد"، مضيفاً "لكن يبقى الفرق قائماً، ففي دار الأوبرا هناك تربية مختلفة وعزف مختلف ومكان مختلف وجمهور مختلف، بينما في الحارات الشعبية والموسيقى لحظة عفوية وإيقاع جماعي للتصفيق والغناء، ولهذا سيظل التمايز موجوداً حتى لو جمعت الموسيقى القلوب في لحظة واحدة".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون