ملخص
واقعة سرقة السوار الذهبي من المتحف المصري، وتبديده على أيدي موظفة بالقطاع تعرف قيمته جيداً، وترافقه مع الكشف عن مزيد من وقائع التنقيب عن الآثار في عموم البلاد، تفجر سؤالاً مفاده: لماذا لم تعد محاولات تبديد الآثار وبيعها حكرا على الخارجين عن القانون، فهل التهاون مع الآثار المصرية ظاهرة، أم أنها مجرد سلوكيات فردية ألقت وسائل التواصل الاجتماعي الضوء عليها؟
تبدو مصر بشمالها وجنوبها وشرقها وغربها وكأنها تسبح في الآثار الفرعونية والإسلامية والقبطية والرومانية كذلك، لكن أخيراً يتنامى القلق بين المهتمين من فكرة الاستهانة في التعامل مع تلك الآثار. فبدلاً من أن يكون المواطن العادي اكتسب ثقافة الحفاظ على هذا التراث القيم والاحتفاء به مصدراً أساساً من الدخل القومي للبلاد، ومصدر رزق مباشراً لملايين ممن يعملون بالقطاع السياحي وفق التقديرات الرسمية، بات على ما يبدو البحث عن خطط تأمين محكمة خيالية، في ظل المساحات الشاسعة التي تحتاج إلى حماية من العبث، وكذلك مع أوضاع مصرية مركبة اقتصادية واجتماعية، وحتى على مستوى الثقافة الشعبية يزداد أمر الحفاظ على الآثار صعوبة.
وتكافح مصر منذ عقود تجارة الآثار، حيث جرى تهريب قطع لا حصر لها للخارج بطرق غير مشروعة تحتفي بها كبرى متاحف العالم وتعرضها مقابل أموال باهظة مقارنة بغيرها، وهي قطع خرجت في وقت لم تكن قد شددت فيه العقوبات، أو من خلال التنقيب البعيد من أي غطاء قانوني، وقبض على عصابات كثيرة تعمل في هذا المجال، حيث لا يقتصر أمر التنقيب على جنوب مصر الغني بآثار الدولة المصرية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين، إنما في الإسكندرية والدلتا، وبكل بقعة تقريباً نظراً إلى غنى البلاد بالقطع المتنوعة.
وبات لافتاً أخيراً انضمام فئات كثيرة من الناهبين الذين يبيعون القطع الأثرية عن عمد مقابل الحصول على الأموال، من دون أي تقدير لقيمتها التي لا تقدر بثمن، فهل هناك تحول سلبي حقيقي في تعامل المواطن مع الآثار؟ وهل هذا التحول مرتبط بمشاهد هدم المقابل والمباني الأثرية في القاهرة القديمة على مدار السنوات الأخيرة الذي بررته الجهات المعنية بـ"التطوير"؟ أم أن توجهات التبديد مجرد سلوك فردي؟
خلل العلاقة بالتراث
يتفق المتخصص في علم الاجتماع بجامعة القاهرة سعيد المصري مع فكرة أن هذا السلوك "بات ملحوظاً، وأنه أصبح يضم فئات مختلفة"، موضحاً "عصابات سرقة الآثار موجودة منذ عقود، لكن أصبح هناك تحول ما يؤكد ببراهين أكثر عدم ارتباط الناس بالآثار، ولهذا تختفي العاطفة تجاهها، حيث لا يدركون أن هذه الآثار مرتبطة بهويتهم على أكثر من مستوى".
ويشير المصري إلى أن الوقائع الأخيرة باختلاف تفاصيلها توضح أن علاقة المصري بالتراث بها "مشكلة وخلل يزداد بمرور الزمن، وبتعدد مظاهر الانتهاك"، مؤكداً أن مصر أكثر بلد فيه ثراء كبير جداً من التراث الحضاري المتنوع، وفي المقابل نحن أكثر شعب ينتهك تلك الآثار.
وينص القانون المصري على السجن من ثلاث إلى سبع سنوات وبغرامة قد تصل إلى 5 ملايين جنيه (نحو 100 ألف دولار أميركي) في حوادث سرقة الآثار، ويحصل العاملون بالقطاع والمؤسسات الأثرية المتخصصة على عقوبات مشددة في هذا الجرائم.
وضجت مصر في الفترة الأخيرة بحوادث متعددة تخص الآثار، بدءاً من ضبط عدة حوادث تنقيب غير مشروعة، بعضها كان يحدث في مؤسسات حكومية، سواء تابعة لوزارة الثقافة أو وزارة الصحة، وسرقة لوحات، إضافة إلى الحادثة الأخيرة بسرقة موظفة تعمل في مجال الآثار سواراً ذهبياً يعود إلى ثلاثة آلاف عام مضت، من المتحف المصري بوسط العاصمة، بل وبيعها وصرفها بمبلغ مقارنة بقيمتها الأثرية يبدو زهيداً.
والموقف الأخير كان صادماً لمتابعي هذا الملف، نظراً إلى أن العاملين في هذا الحقل يدركون جيداً القيمة المعنوية والقومية لأي قطعة مهما كانت صغيرة ولديهم الوعي الكافي الذي يجعلهم ضمن حماة التراث. فهل الحالة الاقتصادية فقط هي التي فجرت تلك المشاهد التي تحولت بالطبع إلى قضايا أمام الجهات الأمنية المعنية؟ فيما أن محاولة تحليلها كظاهرة مجتمعية وثقافية تبدو جديرة بالبحث بالطبع.
من يؤتمن على الأثر؟
فجرت الواقعة مئات التعليقات من مشاهير الإعلام والمجتمع، بينهم المذيعة لميس الحديدي، التي كتبت تدوينات عديدة تتساءل عن أوضاع بعض المرممين ومدى كفاءتهم ونوعية الاختبارات التي تجرى لتعيينهم في مكان يحرسون فيه كنوز البلد. كما ذكرت أن الحادثة تأتي قبيل وقت قصير من افتتاح المتحف المصري الكبير، حيث يتساءل كثر عن مدى الأمانة في المحافظة على الآثار المصرية الأغنى والأقدم في العالم.
فكرة تأمين الأثر داخلياً أصبحت جديرة بالطرح أخيراً مع تكرار الحوادث المشابهة، لكن اللافت أن حتى تأمين الأثر خارجياً عليه علامات استفهام أكبر، إذ جرت وقائع متعددة خسرت فيها مصر آثاراً كانت معروضة في بريطانيا والبرازيل، بسبب السرقة أو الحرائق أو غيره.
يوضح الباحث الأثري والمؤرخ المتخصص في علم المصريات وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، بسام الشماع أن أبرز فئتين من وجهة نظره لا يتورعون عن سرقة الآثار الأولى تتمثل في العصابات الإجرامية المحترفة أو مافيا الآثار، أو أشخاص يمرون بضائقة مالية، فإما يقتحمون المؤسسات التي تعرض هذه المقتنيات بطريقة ما، أو يلجأون للحفر ليتحولوا من مواطنين عاديين إلى لصوص حضارة بين ليلة وأخرى، لافتاً إلى أنه "ما دام دائرة الفقر تتسع في ظل الأحوال المعيشية الضاغطة، ومشكلات الأسعار، فمن الطبيعي أن تتواتر مثل تلك الأنباء، ومن يبررون لأنفسهم الأحقية في سرقة التراث لا يستشعرون أي نوع من الحرج أو الحرمانية".
المفارقة أن كلفة البحث عن الآثار بطرق غير مشروعة من الأساس عمل مكلف، ويرى الشماع أن الحلم بالثراء يجعلونهم يتناسون أنهم في دائرة الخطر، وأنهم معروضون للسرقة أو الموت، معتقدين أنهم يمكن أن يعوضوا الأموال التي أنفقوها على العملية بطريقة سريعة، ولا يقومون بالمغامرة التي هي بالأساس جريمة، إذ لا يفسر المتورط الموقف هنا على أنه تعد أو حتى استهانة بتراث هو ملك للشعب، إنما يعدها حقاً له نظير التعب ونظير ملكية العقار أو قطعة الأرض التي ينبش فيها.
لصوص الحضارة
يشرع المؤرخ والمتخصص في علم المصريات بسام الشماع السيناريو المعتاد الذي بات أكثر رواجاً أخيراً بالقول، "عادةً يكون في القرى النائية، حيث يقوم البعض بإقناع شخص أو عائلة ما بوجود آثار في أملاكهم، وأنهم لديهم وسيلة للتصرف فيها مقابل أموال طائلة، فيبدأ الحفر بهدف البحث عن مقتنيات تاريخية لاستعمالها لأغراض شخصية غير قانونية، والعملية (الجريمة) هنا تفتقد السلامة تماماً، لأن من يقوم بها غير متخصصين، والأمر يصل بهم لبناء سقالات، والاستعانة بفنيين لعمل نظام إضاءة، بل والدفع بغطاسين مياه، لأن كثيراً من عمليات الحفر شديدة العمق يستتبعها ظهور مياه، واللافت أن هذه الحكايات باتت أكثر انتشاراً، على رغم محاولات التثقيف وعلى رغم تواتر أنباء القبض على المتورطين بها، لكن على ما يبدو أن طرق التوعية والإقناع المعمول بها في هذا الشأن لم تجد نفعها وينبغي وضع خطط جديدة".
اللافت أن سرقة الآثار محلياً تشترك فيها فئات كثيرة من المجتمع، سواء محدودي الدخل أو الأثرياء، حيث جرى الكشف عن جرائم كبرى في الاتجار بالآثار من قبل مشاهير بالمجتمع قبل سنوات قليلة، وقد نالوا جزاءهم القانوني.
مع ذلك يتوقع الباحث في التاريخ وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، بسام الشماع أن تزداد مثل تلك الحوادث بشدة في الفترة المقبلة، بسبب عوامل اقتصادية ومجتمعية أيضاً، معتبراً أن من يبرر ذلك السلوك يرفض الاجتهاد ويختار تحقيـق المكسب السريع بصورة غير قانونية، بل ويحلل لنفسه هذا السلوك ويعتبره جائز دينياً، بحجة أنه لم يعتد على أرض تخص غيره، إنما يفسر الأمر بأنه وجد شيئاً في ممتلكاته بالتالي يحق له، وهو منطق مغلوط فيما يتعلق بالآثار، وترفضه كبرى المؤسسات الدينية في البلاد.
تبرير ديني
هناك تبرير ديني منتشر بين ناهبي الآثار المصرية بأن من يجد شيئاً في أرضه، فهو من حقه شرعاً، وهو أمر يطبقونه على عمليات الحفر عن الآثار بطرق غير شرعية وبيعها خلسة، وذلك على رغم أن دار الإفتاء المصرية شددت مراراً على حرمية هذا السلوك. وقالت في فتوى، "لا يجوز المتاجرة بالآثار، وإذا وجدها الإنسان في أرض يمتلكها فلا يصح أن يتصرف فيها إلا في حدود ما يسمح به ولي الأمر وينظمه القانون مما يحقق المصلحة العامة، لأن تلك الآثار تعتبر من الأموال العامة لما لها من قيم تاريخية وحضارية تصب جميعها في مصلحة المجتمع ونمائه وتقدمه".
وبالفعل التبرير الديني أحد أبرز الأسباب التي يرى سعيد المصري المتخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية، أنها تسهم في انتشار فكرة استباحة الأثر من قبل فئات متعددة من المصريين، مرجعاً جزءاً كبيراً من هذا الخلل في التعامل مع الآثار، إلى تأثيرات الجماعات الدينية التي كانت تنشر فكراً سيطر على عموم الناس بأن التماثيل ما هي إلا أصنام ومجموعة من "المساخيط"، وهو تعبير لا يزال مطروحاً في التراث الشعبي، مضيفاً "لهذا نجد أن هناك رغبة لدى الكثيرين في تدمير ما يعدونه أصناماً، حيث نجد خدوش وكتابات تهين الأثر يقوم بها حتى حراسه الذين يتكسبون رزقهم من ورائه، فحتى سكان المناطق الأثرية الذين يجنون قوت يومهم من السياحة لهذه الأماكن يكتبون ويلونون ويخربشون، وقد يسرقون بعضها أيضاً، وأنا أرى أن انتهاك الآثار وسرقتها عمداً هو جريمة قومية كبرى".
ويضيف المصري، "كل هذه الأمور نتيجة لعدم إدراك قيمة التنوع في الهوية المصرية، هناك صورة ذهنية خاطئة ومترسخة أن الأجداد الذين صنعوا تلك الحضارة متغطرسون وكفار وظالمون مستبدون، وهو أمر تستحضره مباشرة لفظة (فرعون)، ولهذا البعض يحاول الانتقام من الآثار بهذا الدافع، متناسين القيم المهمة في الهوية المصرية، وهي أنها متعددة الروافد، الحضارة القديمة والإسلامية والقبطية والبحر المتوسطية والأفريقية، فهي خليط منسجم ومتنوع، لكن عقلية البعض ترفض هذا التنوع، فيحدث الانقسام دون وعي بأن الآثار هي جزء من وجود المواطن نفسه".
فيما يشير المؤرخ بسام الشماع، إلى أنه عاين حوادث مأسوية توفي فيها كثر أثناء التنقيب خلسة كأن ينهدم عليهم الأبيار التي يحفرونها، أو تخلخل أساسات منازلهم ومنازل جيرانهم. وعلى رغم تشديد العقوبة، فإن التبريرات المجتمعية والدينية وتقليد الغير لا تزال رائجة، مشبهاً من يسرق آثار بلده كمن يبع عضواً من جسد الأمة.
خطط التطوير المقلقة
تمتلك مصر أكثر من 70 متحفاً أثرياً للفنون والتاريخ، وباتت هناك تساؤلات كثيرة حول سبب تكرار وقائع الإهمال، كما تتوسع النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي بين المهتمين بالتراث المصري حول ضرورة الاهتمام بالوعي الأثري، لكنهم يجدون معضلة في تبني مبادرات تعلم الأجيال المختلفة قيمة التراث في ظل موجات متوالية من هدم بيوت ومتاحف ومقابر قديمة تعد ذات قيمة لا تضاهى، حيث تبدو الرسالة غير متسقة، بل ومتناقضة في بعض الأوقات. وعديد منهم تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، مشيرين إلى أنهم اكتفوا بالتصوير والتوثيق والتحسر، معتبرين أن هذه المهمة تكفي بعدما باءت كل محاولاتهم وتحركاتهم بالفشل.
في حين قال أحدهم إن ما يحدث بالطبع يؤثر في وعي الناس وفي طريقة تعاطيهم مع التراث بشتى أنواعه، ويزعزع فكرة الانتماء لهذا الأثر، لكن على النقيض يرى المتخصص في علم الآثار باسم الشماع، أن التهاون مع الآثار وعدم التيقن بأن مهمة كل إنسان مصري حمايتها "لا ينطبق على الغالبية"، بدليل أن الجميع تقريباً كان ضد فكرة هدم المقابر التاريخية والأضرحة ذات الطابع الإسلامي المتفرد، التي تعد شاهدة على عبقرية معمارية لا تتكرر. ليعيد ويشير إلى أن البحث عن المال في ظل وضع اقتصادي صعب يجعلنا ننتظر مزيداً من الحوادث، وبالفعل تهون الآثار على من يقنع نفسه بأنه في مقابل الثراء من حقه أن يقوم بأي فعل، وبالطبع هؤلاء قلة ولو كانت مؤثرة بالطبع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهتها تحاول وزارة السياحة والآثار والجهات رفع الوعي الأثري لدى النشء بشتى الطرق من خلال مبادرات وورش ورحلات ومسابقاًت، وقد جاء على موقعها الرسمي، أطلقت الوزارة، خلال عامي 2020 - 2021، ما يقارب 800 مبادرة وبرنامج توعوي، استهدفت ما يزيد على 130,000 مواطن من مختلف المحافظات والمدن والقرى، متضمنة كل شرائح المجتمع المصري.
يحاول سعيد المصري تفنيد طريقة تعامل كثير من المصريين مع معنى الهوية المشتركة والانتماء، لافتاً إلى أن الناس بصورة عام تميل إلى الهوية الحالية، فيما الهوية الأساسية هي ممتدة من عادات وتقاليد وطريقة ملبس ومأكل ولهجة أيضاً، أي ما نسميه وفق المصري بالتراث الشعبي المشترك بيننا، مضيفاً "جزء كبير من هذا التراث ممتد وضارب في القدم، لكن الغالبية لا يعلمون تاريخهم جيداً، بل يتم تلقينه في المدارس بطريقة منفرة للغاية، تحوله إلى عقاب بالنسبة إلى الطلاب، فمن يكتبون مادة التاريخ على رغم أنهم باحثون جيدون للغاية، ولكنهم لا يمتلكون مهارة عرض مادة بهذا القدر من الأهمية بطريقة جذابة، بل يختارون أكثر الطرق صعوبة فلا يجد الطالب أمامه إلا الحفظ كي يتجاوز الاختبار، بالتالي لا يجد أي رابط بينه وبين هذا المحتوى".
ويشير المصري إلى أنه من خطوات إصلاح علاقة الناس بالآثار وبالتاريخ العريق ألا تكون مادة مثل التاريخ تتعلق بالأساس بالانتماء مادة نجاح ورسوب، كذلك المؤسسات الثقافية والإعلامية لديها الخلل ذاته الذي ينبغي تصويبه.