ملخص
التكلفة البشرية باهظة لنشاط الإرهابيين وهي تمثلت في أن 1364 طفلاً جُنِّدوا من قِبَل الجماعات المسلحة عام 2024 في ستة بلدان، و466 حالة عنف جنسي، و14364 مدرسة أُغلِقَت في المنطقة بسبب انعدام الأمن. وهي أرقام تمثِل مستقبلاً مسروقاً، ومجتمعات ممزَّقة، وهشاشة متفاقمة.
يسلّط تأثير التطرف المسلح على الأطفال والمجتمع الضوء على واحدة من أخطر القضايا الأمنية والإنسانية في غرب أفريقيا، حيث يسرق المتشددون مستقبل جيل كامل بعدما تسببوا خلال عام واحد فقط بإغلاق أكثر من 14 ألف مدرسة بسبب انعدام الأمن، ما حوّل "الطفولة إلى سلاح" في أيدي المجموعات الإرهابية.
الأنشطة الإرهابية
وتنتشر الأنشطة الإرهابية في مناطق حدودية حساسة، مثل منطقة تامباكوندا، الواقعة بين مالي والسنغال وغينيا وموريتانيا، وفي مناطق محمية مثل منتزه دبليو، وأرلي، وبندجاري، الممتدة بين بنين وبوركينا فاسو والنيجر، وفق منظمة الأمم المتحدة.
ونتيجة لذلك، فإن التكلفة البشرية باهظة لنشاط الإرهابيين وهي تمثلت في أن 1364 طفلاً جُنِّدوا من قِبَل الجماعات المسلحة عام 2024 في ستة بلدان، و466 حالة عنف جنسي، و14364 مدرسة أُغلِقَت في المنطقة بسبب انعدام الأمن. وهي أرقام تمثِل مستقبلاً مسروقاً، ومجتمعات ممزَّقة، وهشاشة متفاقمة.
وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والممثل الخاص للأمين العام لغرب أفريقيا ومنطقة الساحل ليوناردو سيماو في مؤتمر إقليمي لمكافحة الجماعات الإرهابية الناشئة وتعزيز الأمن المستدام في أبوجا، إن الجماعات الإرهابية تستغل، بشكل متزايد، المساحات غير الخاضعة للحكم، والمظالم المحلية، والتقنيات المتقدمة، مثل الطائرات من دون طيار والاتصالات المشفرة، لترسيخ عملياتها الدموية.
تضاعف عدد المدارس المغلقة
ولفت الباحث والأستاذ في التاريخ العسكري والدراسات الاستراتيجية توفيق هامل إلى تضاعف عدد المدارس المغلقة في غرب ووسط أفريقيا، منتقلاً من أقل من ثمانية آلاف مدرسة إلى أكثر من 14800 مؤسسة تعليمية بحلول عام 2025، ما يعني أن "ملايين الأطفال باتوا محرومين من التعليم، أو مضطرين للذهاب إلى مدارس مهددة يومياً بالهجمات أو الإغلاق القسري".
وفي بعض الدول الوضع أكثر حدة، ففي بوركينا فاسو، في نهاية فبراير (شباط) عام 2023، توقفت أكثر من 6000 مدرسة عن النشاط، أي ما يقارب ربع النظام التعليمي الوطني. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، ظلت أكثر من 1400 مؤسسة مغلقة منذ يناير (كانون الثاني) عام 2024، ما أثر على نصف مليون تلميذ وعشرات آلاف المعلمين.
ورأى الباحث الجزائري أن "الأثر لا يتوقف عند حدود المسار الدراسي، بل يمسّ حياة الطفل بأكملها، لأن فقدان سنوات أساسية من التعلم، يؤدي لانعدام الآفاق المستقبلية، وتراجع القدرات الأساسية مثل القراءة والكتابة والحساب"، كما أن العودة لاحقاً إلى النظام التعليمي تصبح شبه مستحيلة، ما يكرّس دائرة التهميش والحرمان.
ولا يكتفي الإرهاب بإغلاق المدارس، بل يحوّل الأطفال أنفسهم إلى أدوات حرب، إذ بين عامي 2009 و2016، جُنّد آلاف القصّر في أفريقيا الغربية، بعضهم كمقاتلين وآخرين كجواسيس أو حاملي رسائل أو حتى كمنفذي عمليات انتحارية وفق الباحث هامل الذي أضاف أن "الأطفال الذين يُنتزعون من أسرهم أو يُجبرون على الالتحاق بالجماعات المتطرفة يفقدون براءتهم، ويعاد تشكيل هويتهم على أسس العنف والطاعة العمياء، بدلاً من أن يعيشوا سنوات يفترض أن تكون مخصصة لبناء أحلامهم ومستقبلهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية
وتمتد الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة لتكون طويلة الأمد، فكثيرون من الأطفال المعرضين للنزاعات يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق المزمن، أو الاكتئاب الشديد. وهذه الصدمات تقضي على إحساسهم بالأمان، وتدمر قدرتهم على التطلع إلى المستقبل.
أما على مستوى المجتمعات، فتؤدي الظاهرة إلى تآكل النسيج الاجتماعي مع غياب جيل كامل عن مقاعد الدراسة ما يضعف التماسك الاجتماعي ويعمّق دوامة الفقر. أما الأطفال المحرومون من التعليم فيصبحون أقل قابلية للاندماج في سوق العمل، ما يجعلهم فريسة سهلة لوعود الجماعات المسلحة التي تقدم لهم الانتماء أو مصدر دخل أو حتى مجرد وجبة غذاء.
وحذر هامل من لعب المجاعة دوراً مضاعفاً في بعض المناطق، فالأطفال الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي يصبحون أكثر عرضة للتجنيد، إذ يُستخدم الطعام كسلاح للإغراء والاستقطاب.
بدوره أعرب السياسي النيجري عمر الأنصاري المعارض للأنظمة العسكرية في منطقة الساحل الأفريقي عن أسفه العميق إزاء الأرقام التي أوردتها الأمم المتحدة، مؤكداً أن "هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل كارثة إنسانية تهدد مستقبل أجيال بأكملها"، ورأى أن إهمال حكومات الساحل تنظيم الشؤون الدينية ومراقبة أداء الخطباء والأئمة يفاقم هذه الأزمة، الأمر الذي يتيح انتشار التطرف ويعرض الشباب للاستقطاب، وبيّن أن الأنظمة العسكرية، التي تدّعي تحقيق الاستقرار، فشلت في حماية الأطفال، مفضلة تخصيص 3.2 مليار دولار للدفاع عام 2025 على حساب التعليم والتنمية. ودعا الناشط السياسي النيجري إلى استعادة الديمقراطية الحقيقية، وتعزيز التعليم كدرع ضد التطرف، وزيادة الدعم الدولي لخطط الاستجابة الإنسانية التي لم تُموّل سوى بنسبة 14 في المئة عام 2025، لضمان مستقبل آمن لأطفال الساحل.
إنفاق منطقة الساحل الأوسط 3.2 مليار دولار على الدفاع
ومن المتوقع إنفاق منطقة الساحل الأوسط 3.2 مليار دولار على الدفاع في عام 2025، ما يؤدي إلى تحويل الموارد الحيوية من التعليم والصحة والتكيف مع المناخ.
وذهب الناطق الرسمي باسم "الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال" (الجبهة الثورية) سعد محمد عبدالله، إلى حصر تزايد مخاطر هشاشة الدول من الشريط الممتد من القرن الأفريقي إلى الساحل، حيث شهدت القارة تحولات خطيرة في ما يتعلق بانتشار التطرف والإرهاب المسلح والمنظم والمموّل من خارج حدود أفريقيا. ودقّ ناقوس الخطر من مخاوف نمو هذه الظاهرة في مناخ السودان المضطرب، لا سيما مع تداعيات الحرب المفروضة عليهم، مطالبا بـ "تصفية بؤر الإرهاب والتطرف كافة وإيجاد استراتيجية حكومية لتنقية مناهج التربية والتعليم لإنشاء جيل جديد يتم تشكيل وعيه من قيم ومبادئ إنسانية نبيلة أساسها السلام والتسامح مع النفس والآخر".
واقترح الباحث الجزائري هامل حلولاً لاستعادة التعليم الآمن في المنطقة تبدأ بحماية المدارس عبر مبادرات محلية ودولية (ممرات إنسانية، مدارس محمية)، كما طالب بإنجاز برامج نزع التطرف وإعادة الإدماج لمعالجة الأطفال المجندين نفسياً واجتماعياً، مع توفير بدائل اقتصادي، "إلى جانب إطلاق مقاربة شاملة إذ إن الحل الأمني وحده لا يكفين مع معالجة جذور الأزمة من الفقر، التهميش، غياب الدولة، وانعدام الثقة في المؤسسات"، وقال هامل إن القارة أمام قنابل موقوتة، ليس فقط لدول غرب أفريقيا، بل لدول الجوار أيضاً، محذراً من أنه في حال عدم معالجة المسألة جذرياً، فإن جيلاً كاملاً سيتحول إلى وقود لصراعات دموية مستدامة.
ولا تقف التهديدات عند حدود الدول، بل تمتد لتشمل المنطقة بأسرها، فالجماعات المسلحة الناشطة في الساحل وحوض بحيرة تشاد تتحرك بحرية عبر النيجر ومالي وتشاد والكاميرون ونيجيريا. أما الأطفال الذين يتم تجنيدهم اليوم في بلد معين فقد يُستخدمون غدًا لنشر العنف في بلد مجاور.
كما أن النزوح الجماعي يزيد من حدة الأزمة في ظل فقدان ملايين الأطفال اللاجئين أو النازحين حقهم في التعليم والخدمات الأساسية، ليصبحوا أهدافاً مثالية للتجنيد.