ملخص
صدرت حديثاً الترجمة العربية لكتاب "شظايا شعرية النار" لغاستون باشلار، وفيه أوراقه الأخيرة التي دونها قبل وفاته، والتي تتوج تراثه الفلسفي والنقدي حول عنصر النار الكوني وتجلياته في المخيلة الشعرية والوعي وكيمياء الفكر الإنساني.
يمتد أثر الفيلسوف الفرنسي البارز غاستون باشلار (1884-1962) لما بعد رحيله من خلال آخر مسودة بحثية ثرية عمل على كتابتها، ولم يمهله الموت فرصة لاستكمالها وإصدارها. وقد عكفت ابنته سوزان باشلار (1919-2007)، الأستاذة الجامعية الحاصلة على وسام جوقة الشرف، على تحقيقها والتقديم لها وشرح أجوائها التي عايشتها عن قرب، لتنشر بعنوان "شظايا شعرية النار''، الذي استقرت عليه ذائقة أبيها بعد مناقشات ومراجعات وتغييرات.
وإلى العنوان ذاته، تنتسب الترجمة العربية للكتاب، الصادرة عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع في الأردن (2025)، وأنجزها المغربي سعيد بوخليط، وهو كاتب ومترجم له أعمال كثيرة تختص بنتاج باشلار، منها "غاستون باشلار- عقلانية حالمة" و"غاستون باشلار- بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة" و"غاستون باشلار- نحو نظرية في الأدب" و"شعرية غاستون باشلار وقضايا الترجمة"، وغيرها.
تتوزع دراسة باشلار المكتشفة على أربعة أقسام تستغرق 135 صفحة، هذه الأقسام، وفق تبويبها النهائي، هي: "ومضة تستعيد حياة خالق للكتب" و"طائر العنقاء، ظاهرة اللغة" و"بروميثيوس" و"أمبادوقليس"، وتسبقها توطئة المترجم، وتقديم سوزان باشلار بعنوان "كتاب عشت مختلف مراحله". وقد اقترنت سوزان بأبيها منذ الصغر، إذ توفيت والدتها بمرض السل بعدما أنجبتها بشهور قليلة، وورثت الابنة عن والدها الشغف بالفلسفة والبحث الأكاديمي، وصارت إحدى أهم أساتذة الجامعة الفرنسية في القرن الـ20، وإحدى أهم المتخصصين في الفينومينولوجيا (الظاهرية) لدى الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1859-1938)، الذي عكفت على ترجمته ودراسته بعمق واقتدار، محققة نبوءة أبيها غاستون باشلار في شأن حياتها ومستقبلها ''سأجعل منها محترفة علم''.
لم يكن إشراف سوزان باشلار على نشر عمل أبيها "شظايا شعرية النار'' انطلاقاً من دافع البنوة وحدها، فالكتاب الرصين المتعمق، فلسفة وفكراً ونقداً وتخييلاً وشعرية، يقع في مجال اهتمامها وتخصصها وخبرتها المعرفية في المقام الأول، ومن ثم، فإنها ليست مجرد شاهدة من مقعد الحياد على لحظات تدوين فصوله ومباحثه، وإنما هي متفاعلة ومنتظمة بصورة كبيرة في تجربة الكتاب ككل، وعلى مقربة دائماً من سائر ملاحظاته ومتونه وهوامشه وتعديلاته المتتالية.
الخروج عن العقل
في "شظايا شعرية النار" يواصل غاستون باشلار، صاحب "شعرية المكان" و"شاعرية أحلام اليقظة"، تحريك الخيال الشعري وتحريره كقيمة فلسفية وكقوة بديلة عن العقل في تفجير الإبداع، بل وفي خلق المعرفة أيضاً "حينما كنت بصدد مراكمة صور الشاعر، اعتقدت طويلاً، ولا يزال الأمر كذلك إلى حد ما، بأن مجرد احتفال بسيط يجعلني أعرف طريقاً وجهة حرية التخيل. امتلكت هنا، انطلاقة جديدة على مستوى تحرير النفسية بواسطة الشعر". ويأتي اهتمام غاستون باشلار المتعلق بهذا الخيال الشعري الحركي التحرري النادر مرتكزاً على العناصر الكونية الرئيسة الأربعة: النار والماء والهواء والأرض، مع انحيازه اللافت إلى عنصر النار بطبيعته الشعرية الحيوية الأكثر وضوحاً.
واختار باشلار "النار الحية" عنواناً أولياً لكتابه، قبل أن يعدله إلى "شعرية النار"، واضعاً في دراساته التي اختتم بها حياته خلاصة أفكاره وتصوراته حول خصائص عنصر النار وظواهره وتجلياته النفسية والإبداعية. وتشكل دراسات باشلار الأخيرة استكمالاً وتتويجاً لمنجزه الفلسفي والنقدي في استقصاء عنصر النار باستفاضة، وإعادة تحليل المعتقدات التاريخية إزاءه، حيث عمد قبل ذلك في كتابه "التحليل النفسي للنار" إلى محاولة إخضاع كينونة النار إلى الفهم الموضوعي، واعتبار الإنسان هو ميدان التحليل النفسي للمادة، وذلك بهدف انتشال العقل من احتمالات ارتكاب الأخطاء، وتخليص الوعي الإنساني من العوائق التي قد تعرقل الوصول إلى نتائج يقينية. كذلك توغل في كتابه "شعلة قنديل" في استكشاف شعرية التأمل الشارد، كمفهوم لكيفية تجاوز الصور الشعرية الأصيلة واللحظات الانفرادية المنفلتة، حدود المعرفة العلمية وأبعاد الذاكرة المنضبطة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهكذا تأتي مرحلة "شعرية النار" في هذا المضمار الذي يؤكد امتلاك باشلار في محطاته كافة ذهناً منطلقاً لا تقيده مواصفات في موضوعاته ومعالجاته. وتمثل مرحلة شعرية النار "صفحة حاسمة تطبع اللحظة الحاسمة، على مستوى إعادة توجيه، قياساً لتأملات قديمة حول النار"، وفقاً لسوزان باشلار، التي تضيف موضحة "تتلاشى كل مسافة نحو نار مذهلة، حين تناول انبثاق النار، يشارك الكائن في النار، بحيث يصبح بدوره منبثقاً. شكل مصطلح المعاش سمة استبطان للنار في خضم التجربة المتخيلة للإنسان، وقد أصبح ناراً حية".
العنقاء والرموز الإغريقية
ولا يقف غاستون باشلار عند حد في تحريه كل ما يتعلق بتيمة النار، والإحالات اللامتناهية إلى خيالاتها، وعلى رأسها: طائر العنقاء وبروميثيوس وأمبادوقليس. وبمنظور باشلار فإن طائر العنقاء الذي يخرج من رماد احتراقه طائر جديد، يعكس لدى الشعراء ما يمكن وصفه بالولادة المتكررة، ذات التسامي الأسطوري، إذ يستمر تحليق طائر العنقاء الشعري داخل رماد الأساطير والخرافات.
أما بروميثيوس، العملاق المحارب في صفوف الآلهة الأولمبية ضد العمالقة، وفق الأساطير الإغريقية، فيستلهمه باشلار كبطل استثنائي سرق النار من السماء لكي يمنحها إلى البشر، ويحاول الفيلسوف الفرنسي تبيان مدى إمكان صدق هذه الصورة بحسب تآلف معين بين تأملات شاردة، ليصل إلى أن بروميثيوس الشعري يدعو المخيلة إلى جمالية الإنساني.
وبدوره فإن الفيلسوف اليوناني أمبادوقليس، الأب الروحي لنظرية العناصر الأربعة، هو أحد ملهمي غاستون باشلار الأساسيين في كتابه، إذ "جسد علاج الموت لأمبادوقليس فوق جبل إتنا ارتقاء بشعرية النار، حيث تفوقت الصورة حينها على الفعل، وأسس هذا التفوق فعلاً شعرياً أبدياً".