ملخص
قفز طلال نحو السطح، وجد قليلاً من الحجارة المتناثرة وحفرة بسيطة في المكان، تأكد من أن ثمة قنبلة أسقطها الجيش الإسرائيلي على منزله، دب الرعب في قلبه ونزل إلى شقته السكنية خائفاً "الخطر يقترب هيا لننزح"، هكذا خاطب أهل بيته وبدأ يرتب أغراضه الأساسية لإخلاء مسكنه.
اهتز جسد طلال وكأن زلزالاً ضرب بيته، وسمع صوت انفجار ضخم على سطح منزله، وهو متأكد أن قنبلة إسرائيلية ارتطمت بمسكنه ولكنه لم ير غباراً أو تناثر حجارة، اندهش كثيراً من نوع الانفجار الذي ضرب جدران بيته، وهم مسرعاً ليستكشف الأمر.
قفز طلال نحو السطح، وجد قليلاً من الحجارة المتناثرة وحفرة بسيطة في المكان، تأكد من أن ثمة قنبلة أسقطها الجيش الإسرائيلي على منزله، دب الرعب في قلبه ونزل إلى شقته السكنية خائفاً "الخطر يقترب هيا لننزح"، هكذا خاطب أهل بيته وبدأ يرتب أغراضه الأساسية لإخلاء مسكنه.
لا يزال طلال يعيش في مدينة غزة التي بدأ الجيش الإسرائيلي احتلالها منذ أيام وتتقدم قواته في أراضيها بقوة نارية بركانية، لم يخل الرجل بيته أو ينزح نحو الجنوب قاصداً المنطقة الإنسانية، ولديه أسبابه.
أما ما سمعه من انفجار غريب فوق سطح منزله فقد كان "المنبه"، وهو وسيلة جديدة استحدثها سلاح الجو الإسرائيلي لتذكير العائلات التي ما زالت تعيش في مدينة غزة بأنه يجب عليهم النزوح جنوباً.
ما "المنبه"؟
تقوم فكرة "المنبه" على إلقاء الجيش الإسرائيلي قنابل صغيرة فوق أسطح البيوت المأهولة بالسكان في مدينة غزة، وتحدث تلك الذخيرة صوت انفجار مرعب، لكن بأضرار محدودة في المكان الذي سقطت عليه.
والهدف من "المنبه" هو إخافة الباقين في مدينة غزة، الذين يرفضون النزوح نحو الجنوب، وإجبارهم على ترك منازلهم والذهاب إلى المناطق الإنسانية للعيش في خيام مهترئة ومناطق غير صالحة للسكن.
تعد فكرة "المنبه" طريقة حديثة للجيش الإسرائيلي، وهذه أول مرة يستخدمها في حربه الطويلة ضد حركة "حماس" في قطاع غزة، وتزامن ذلك الأسلوب مع تبني تل أبيب فكرة إخلاء كامل مدينة غزة من سكانها على غرار ما فعلت في شمال القطاع (بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا).
هذا الإجلاء القسري للسكان في شمال القطاع لم يكن متبعاً في المرحلة الأولى للحرب، التي أمرت فيها تل أبيب أيضاً جميع سكان مدينة غزة بالإخلاء والتوجه جنوباً، إذ بقي نحو 500 ألف نسمة في مدينة غزة خلال العملية العسكرية الأولى على شمال القطاع، لكن هذه المرة لا تريد إسرائيل بقاء أي غزي في تلك البقعة التي تصنفها "منطقة قتال خطرة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تستخدم إسرائيل "المنبه" وهو مصطلح إسرائيلي جديد في المناطق الغربية من مدينة غزة، حيث تجمع النازحون واكتظت تلك الأحياء بالسكان المدنيين، فلا يزال نحو 800 ألف نسمة لم يغادروا أكبر مجمع حضري في القطاع.
ذاعت طريقة "المنبه" بين الغزيين وفهموا المقصد منها، وبات هذا الأسلوب المرعب الذي يحمل في طياته كثيراً من الخوف دارجاً بينهم، وفهموا أن إخلاء مدينتهم الأحب على قلوبهم بات ضرورياً ولا مفر منه، فالجيش الإسرائيلي يستخدم قوة نارية لم يسبق أن لجأ إليها طوال 23 شهراً من القتال القاسي.
ليلة سوداء قاسية
"كنا نائمين في بيتنا، وفجأة تحولت سماء غزة إلى جحيم من النار والدخان"، يقول إلياس الذي نجا من قصف إسرائيلي على المدينة، وهرب مسرعاً من سكنه في البلدة القديمة الأثرية الجميلة وسط المجمع الحضري نحو الغرب.
عندما وصل إلى شقة سكنية قريبة من ميناء غزة أسقطت الطائرات المسيرة على سطح إيوائه الجديد "المنبه"، يضرب إلياس رأسه ويقول "ليلة سوداء، إنها الأقسى في حياتي، الموت يقترب من عائلتي مع كل قذيفة تسقط حولنا".
مذهولاً يقف إلياس وعاجزاً عن التفكير، يضيف "سمعت دوي انفجار هائل على سطح منزلي، أعقبه حزام ناري اجتاح المنطقة بأكملها، قصفت المنطقة بلا رحمة"، الغارات المتتالية وكتلة اللهب التي أحدثتها جعلت الرجل ينسى "المنبه".
تسلل الرجل بخفة إلى مأواه الجديد، وجلس في زاوية بعيدة من ضجيج صغاره الخائفين من القصف وأخذ يسرح في مصيره، عادت لذاكرته قصة "المنبه" فقفز مذعوراً يخاطب أهل بيته "سننزح الآن نحو الجنوب، إنه الإعصار يحيط بنا، وفوقنا المنبه".
بسبب الانفجارات العنيفة المتتالية لم يتمكن إلياس من الهرب، يتابع "النار تحيط بنا من كل اتجاه"، يختنق صوته وكأنه يبكي أو ربما بسبب القلق والخوف ويكمل "وجدنا القصف فوق رؤوسنا، إنه إنذار بالإخلاء وتذكير بالنزوح".
إلياس متأكد من أن الجيش الإسرائيلي تعمد قصف بيته بقنابل "المنبه" لإجباره على النزوح جنوباً، ويوضح أن القصف البركاني الغريب على مناطق غرب غزة كان أيضاً لإجبار السكان على مغادرتها بالقوة النارية.
في جنح الظلام حمل أمتعته البسيطة وغادر غزة "إنها الليلة الأطول والأكثر رعباً في حياتي، كانت الطائرات الحربية والمروحيات والأباتشي تحلق طوال الليل وتقصف بلا توقف وكأنها تريد محو غزة عن الخريطة".
"عربات جدعون 2"
حالياً تقدمت القوات البرية الإسرائيلية في قلب مدينة غزة ولكن ببطء وتدريجاً، قبل أيام أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بدء المرحلة الرئيسة من عملية "عربات جدعون 2" العسكرية على غزة، وهدفها احتلال المدينة بالكامل.
يقول رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير "نعمق بصورة كبيرة عملياتنا في مدينة غزة، نحن نعمل في عمق الميدان، من خلال دمج القوات البرية والنيران الدقيقة والاستخبارات العالية الجودة، جندنا آلاف جنود الاحتياط لمصلحة هذه المعركة"، ويضيف "لا نقاتل المدنيين، ونتبع أسلوباً مبتكراً لتجنيبهم الخطر، ومنه أيضاً نحثهم على الإخلاء جنوباً، نطرق على السطح لتذكيرهم بضرورة التحرك وعدم البقاء في مناطق القتال الخطرة".