ملخص
يضم المتحف الزراعي المصري مخططات نادرة للسدود والقناطر ومشاريع الري، ومخططات قيمة تعود إلى فترة بناء السد العالي، ويحوي مجموعات من الطيور والحيوانات المحنطة ترجع إلى عصور مختلفة، ويعرض مجموعات متنوعة من المحاصيل، إضافة إلى طقوس الحياة الزراعية في مصر.
على مساحة تصل إلى نحو 30 فداناً وفي قلب حي الدقي يقع المتحف الزراعي بالقاهرة، الذي يعد من أهم متاحف الزراعة في العالم، باعتبار أن مصر بلد تمتد الزراعة فيه إلى آلاف الأعوام، وهي جزء من المجتمع المصري عبر العصور.
المتحف الزراعي المصري هو الثاني في العالم وافتتح عام 1930، إذ كان أول متحف للزراعة في المجر، وخلال عهد الملك فؤاد الأول أمر بإنشاء متحف للزراعة داخل مصر على أعلى مستوى، خصص له قصراً عريقاً يعود إلى الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل. ويضم المتحف ثمانية مبان كل منها يمثل متحفاً نوعياً يقدم ملمحاً من تاريخ الزراعة في مصر منذ عهد مصر القديمة وحتى العصر الحديث، إلى جانب حديقة ممتدة تضم أشجاراً ونباتات نادرة تمثل نزهة إضافية لزوار المتحف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأخيراً، أعلنت وزارة الزراعة في مصر عن بدء التشغيل التجريبي للمتحف الزراعي، وافتتاحه للجمهور بعد انتهاء أعمال التطوير التي استمرت أعواماً عدة، وشاركت فيها عدة جهات محلية ودولية من بينها منظمة اليونيسكو. وطبقاً لوزير الزراعة المصري فإن افتتاح المتحف الزراعي يمثل جزءاً من استراتيجية الوزارة لإحياء التراث الزراعي المصري وتعزيز الثقافة الزراعية لدى الأجيال الجديدة.
محطات للمتحف الزراعي
مراحل متعددة مر بها المتحف الزراعي، إذ أضيفت إليه متاحف جديدة على مر الأعوام وتعاقب العصور والحكام واختلاف النظم الزراعية، فشهد تطورات بعد تحول مصر من الملكية إلى الجمهورية مع ثورة يوليو (تموز) 1952 وفي عصور أحدث، حتى أغلق أعواماً وافتتح للجمهور أخيراً بعد مشروع تطوير.
عن تاريخ المتحف يقول مدير فريق عمل التراث الطبيعي في مركز توثيق التراث الطبيعي والحضاري بمكتبة الإسكندرية إبراهيم عبدالعزيز، "جرى افتتاح المتحف في عهد الملك فؤاد وأطلق عليه في البداية متحف فؤاد الأول للزراعة، لكنه شهد كثيراً من التطوير لاحقاً مع تولي الملك فاروق الحكم، فإلى جانب القاعات العلمية بالمتحف أُنشئت قاعة السينما الملكية، التي كانت تُقدم فيها عروض تثقيفية، وتقام بها مؤتمرات وفعاليات متنوعة".
ويشدد عبدالعزيز على قيمة المتحف بقوله "يضم حالياً تسعة متاحف هي متحف المجموعات العلمية، ومتحف المجموعات النباتية، ومتحف الزراعة المصرية القديمة، ومتحف الزراعة في العهد اليوناني الروماني، والبهو العربي، وأطلق عليه العربي لأنه أنشئ في زمن عبدالناصر وقت الوحدة مع سوريا، وكان هناك خطة لانضمام دول عربية أخرى، ومتحف القطن، ومتحف مقتنيات الأميرة فاطمة إسماعيل، ومتحف الصداقة المصرية الصينية، ويضم قطع خزف نادرة، وهدايا أهداها إمبراطور الصين لجمال عبدالناصر، والمكتبة".
ويضيف عبدالعزيز "يضم المتحف مخططات نادرة للسدود والقناطر ومشاريع الري، ومخططات قيمة تعود إلى فترة بناء السد العالي، ويحوي مجموعات من الطيور والحيوانات المحنطة تعود إلى عصور مختلفة، ويعرض مجموعات متنوعة من المحاصيل ونباتات مختلفة تزرع في مصر من بينها القطن والقمح، ويضم معشبة وهي مكان مخصص لتجفيف النباتات وحفظها بها عدد كبير من العينات".
إلى جانب المتاحف التي تضم فروعاً متعددة خاصة بالزراعة فإن واحدة من أهم قاعات المتحف الزراعي هي القاعة التي تضم مقتنيات للأميرة فاطمة إسماعيل والعائلة المالكة بوجه عام، وهي تحوي مجموعات نادرة من اللوحات والتحف والمقتنيات الفريدة لأسرة محمد علي باشا.
ومن المفارقات ما يذكره عبدالعزيز "حينما قامت ثورة يوليو 1952 كان القائم على المتحف متخصصاً في الفنون الجميلة ومقدراً لأهمية وقيمة هذه المقتنيات، فقام بدفنها في حديقة القصر خوفاً من أن تفقد أو تسرق في ظل الأحداث التي كانت تشهدها البلاد خلال هذه الفترة، إذ لم يكن أحد يتوقع ما ستسفر عنه الأحداث، ومرت عشرات الأعوام ووجدت هذه الخبيئة خلال التسعينيات أثناء أعمال كانت تجري في حديقة المتحف، وكانت تضم مقتنيات ثمينة ولوحات لمحمد علي باشا والخديوي إسماعيل".
ويختتم "مر المتحف بتطورات كبيرة على مدار الأعوام وشهد بعض التغيرات، من بينها أن المتحف كان به بحيرة تتوسط حديقة فرعونية وفي وسطها تمثال وبقيت حتى السبعينيات، ثم أزيلت وأقيم في هذا الموضع متحف الزراعة المصرية القديمة، وجرى نقل التمثال لمتحف مقتنيات الأميرة فاطمة".
طقوس المجتمع الزراعي
يمثل المتحف الزراعي إلى جانب جمهوره العام من كل فئات المجتمع وجهة أساس للمتخصصين في كل تخصصات الزراعة، باعتبار أن مقتنيات المتحف ومجموعاته العلمية القيمة تمثل مصدراً مهماً للمعرفة للطلاب والباحثين والمتخصصين سواء داخل مصر أو خارجها.
يتفق مع هذا الرأي الأستاذ بمركز البحوث الزراعية خالد عياد قائلاً "المتحف وجهة مهمة للباحثين ومقر علمي لتاريخ الزراعة في مصر، وتحوي حديقته على مجموعات من الأشجار النادرة، فالمتحف يوثق تاريخ مصر الزراعية منذ عهد مصر القديمة وحتى الآن، ويشمل أهم المحاصيل والطيور المهاجرة والمشاريع الزراعية مثل القناطر والسدود وغيرها، فالمتاحف لها أدوار متعددة من بينها الجانب العلمي، ويعد المتحف الزراعي وجهة رئيسة لكل المهتمين بالزراعة فهو جزء من الثروة الثقافية لمصر".
ويشير عياد إلى أن "من أهم معروضات المتحف المجسمات التي تضم بعض الطقوس الاجتماعية الريفية مثل الأفراح، والمنازل الريفية القديمة، فهذا جانب اجتماعي مرتبط بالمجتمع الزراعي، وهو من أهم العوامل الجاذبة لزوار المتحف، باعتبار أنه يقدم ملامح مرتبطة بالحياة والعادات والناس في المجتمعات الزراعية الموجودة في أنحاء البلاد كافة".
هل يشهد فعاليات للجمهور؟
خلال الفترة الأخيرة فإن التوجه العام للمتاحف في العالم كله هو أنها تجاوزت فكرة كونها مجرد قاعات لعرض المقتنيات أياً كان نوعها، لكن السائد حالياً أن المتحف يمثل مؤسسة ثقافية متكاملة تحدث أثراً في نطاق وجودها وتنعكس على بيئتها المحيطة.
من وجهة نظر الأستاذ بمركز البحوث الزراعية "المتاحف وسيلة من وسائل نشر الثقافة والتاريخ ونقل المعرفة للأجيال، ومع افتتاح المتحف الزراعي نأمل في أن لا يقتصر الأمر على إعادة فتحه للزوار إنما إقامة فعاليات مختلفة للجمهور ترتبط بمحتواه، وتحكي جوانب من تاريخ مصر الزراعي باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة وبعرض أفلام سواء تاريخية تحكي عن الماضي أو حديثة تعكس واقع الزراعة خلال العصر الحالي، كما أن هناك ضرورة لربط الأجيال الجديدة بالمتحف من خلال الرحلات المدرسية وغيرها".
ووفق رؤيته فإن "المتحف الزراعي يحتاج إلى التسويق السياحي، وأن يوجد به مرشدون يتحدثون باللغات الأجنبية، وأن يكون القائمون عليه من المتخصصين في المتاحف وإدارتها، باعتبار أن المتحف يتجاوز الجانب الزراعي، فالقصر ذاته قيمة تاريخية ومتحف المقتنيات الخاصة بأسرة محمد علي يمكن أن يمثل عامل جذب إضافياً للزوار، فهذا المتحف من المتاحف العريقة لكن إغلاقه فترة كبيرة أضر به، وجعل كثيراً من الأجيال الجديدة ربما لا تعرف عنه من الأساس، وهو ما نأمل أن يتغير خلال الفترة المقبلة".