Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أزمة 2008"... انهيار الرأسمالية "المعولمة

قلبت موازين الأرض ودفعت البنوك إلى السقوط ودعمت تدخل الدول وفتحت الطريق أمام صعود قوى جديدة قادمة من الجنوب

تدخلت الحكومة الأميركية بعد الأزمة بخطط إنقاذ ضخمة أبرزها برنامج TARP الذي بلغت قيمته 700 مليار دولار (أ ف ب)

ملخص

تعود جذور الأزمة إلى عوامل عدة متشابكة، أهمها التوسع الكبير في الإقراض العقاري في الولايات المتحدة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، خصوصاً ما يعرف بـ"قروض الرهن العقاري عالية الأخطار" SubprimeMortgages.

شهد العالم في عام 2008 واحدة من أسوأ الأزمات المالية في التاريخ الحديث، والتي لم تكن مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل مثلت لحظة انهيار خطرة للنظام الرأسمالي المالي (المعولم)، وأظهرت هشاشة البنية التحتية للأسواق المالية العالمية، خصوصاً تلك التي تعتمد على آليات السوق الحرة من دون تدخل كاف من الدولة.

وبدأت الأزمة في الولايات المتحدة الأميركية، لكنها سرعان ما امتدت لتصيب الاقتصاد العالمي بالشلل، وتسببت في انهيار مؤسسات مصرفية كبرى، كان أبرزها إفلاس بنك "ليمان براذرز"، رابع أكبر بنك استثماري في أميركا.

هذه الأزمة فتحت الباب أمام نقاش عالمي واسع حول حدود النظام الرأسمالي، ودور الدولة في الاقتصاد، ودفعت باتجاه إعادة التفكير في بدائل للنظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وأسهمت في صعود قوى اقتصادية جديدة في "الجنوب العالمي" وتفاقم التفاوت الطبقي، وأزمات الديون، التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

أسباب الأزمة

تعود جذور الأزمة إلى عوامل عدة متشابكة، أهمها التوسع الكبير في الإقراض العقاري في الولايات المتحدة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، خصوصاً ما يعرف بـ"قروض الرهن العقاري عالية الأخطار" SubprimeMortgages.

كانت هذه القروض تمنح للأفراد الذين لا يملكون القدرة الكافية على السداد، في ظل توقعات بارتفاع مستمر في أسعار العقارات، وحولت المؤسسات المالية هذه القروض إلى أدوات مالية معقدة (مثل الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري - MBS)، وبيعت إلى مستثمرين عالميين على اعتبار أنها استثمارات آمنة.

لكن في الحقيقة، كانت هذه الأدوات مبنية على أصول غير مستقرة، وعندما بدأت أسعار العقارات بالانخفاض، انهارت سوق هذه الأوراق، مما أدى إلى إفلاس البنوك التي كانت تعتمد على هذا النوع من الأصول.

أيضاً أسهمت وكالات التصنيف الائتماني العالمية في تضليل المستثمرين من خلال إعطاء تقييمات عالية لهذه الأدوات، على رغم الأخطار الكامنة فيها.

ويعزى جزء كبير من المسؤولية إلى سياسات التحرير المالي وعدم كفاية الرقابة الحكومية، مما جعل الأسواق تعمل في فراغ تنظيمي خطر.

لحظة الانهيار

بلغت الأزمة ذروتها في سبتمبر (أيلول) 2008، عندما أعلن بنك "ليمان براذرز" إفلاسه بعد فشل الحكومة الأميركية في إنقاذه، وقد اعتبر هذا الحدث نقطة تحول كارثية، أدت إلى انهيار الثقة في النظام المالي برمته، تبع ذلك تهاوي أسواق المال العالمية، وانخفاض حاد في أسعار الأسهم، وتوقف شبه كامل في الإقراض ما بين البنوك.

تدخلت الحكومة الأميركية لاحقاً بخطط إنقاذ ضخمة، أبرزها برنامج TARP الذي بلغت قيمته 700 مليار دولار، إضافة إلى تدخل مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بخفض أسعار الفائدة وشراء الأصول السامة.

وعلى رغم هذه الإجراءات، دخل الاقتصاد الأميركي والعالمي في ركود عميق، تمثل في انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور النمو في معظم دول العالم.

نقد النظام الرأسمالي 

أثارت الأزمة موجة من الانتقادات للنظام الرأسمالي (النيوليبرالي)، الذي ساد منذ ثمانينيات القرن الماضي، والمبني على تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتحرير الأسواق، وتقليص القيود التنظيمية، إذ فشل هذا النموذج في منع الأزمة، بل كان أحد مسبباتها.

وتعليقاً على الأزمة آنذاك، قال الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغليتز، إن "الأسواق إذا تركت وحدها تعمل بلا رقابة، فإنها لا توزع الموارد بكفاءة ولا تحقق الاستقرار"، مشيراً إلى أن الأزمة أظهرت "الإفراط في الثقة" في قدرة الأسواق على تصحيح نفسها.

أما الاقتصادي الأميركي الشهير بول كروغمان، قال إن "الاقتصاد العالمي تعرض لانهيار بسبب عقيدة السوق الحرة، وكان لا بد من تدخل الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه".

البنوك صنعت الكارثة بيدها

في كتابه "البنوك فعلتها... تشريح الأزمة المالية" الصادر قبل أربع سنوات The Banks Did It – 2021، يرى مدير مركز الثقافة والتنظيم والسياسة بجامعة كاليفورنيا بيركلي البروفيسور نيل فليغستاين، أن "الأزمة المالية العالمية عام 2008 لم تكن حدثاً مفاجئاً أو طبيعياً، بل نتيجة مباشرة لتحولات هيكلية في النظام البنكي الأميركي، إذ تخلت البنوك عن دورها التقليدي كوسطاء ماليين، وانخرطت في نموذج جديد قائم على توريق الرهون العقارية لتحقيق أرباح غير مسبوقة".

ويوضح فليغستاين كيف أن البنوك الأميركية الكبرى، ومعها العديد من البنوك الأوروبية، بدأت منذ أوائل العقد الأول من القرن 21 في شراء كميات ضخمة من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، هذا النموذج الربحي اعتمد على إنتاج وبيع وشراء سندات مبنية على قروض عقارية، غالباً ما كانت تمنح لمقترضين ذوي ملاءة مالية ضعيفة.

ويؤكد فليغستاين أن "هذه البنوك لم تكتف بدور الوسيط، بل أصبحت تسيطر على كامل سلسلة التوريق (تحويل القرض العقاري إلى ورقة مالية قابلة للتداول)، ولفترة، حقق هذا النظام أرباحاً ضخمة، فقد شكلت هذه الأنشطة نحو 40 في المئة من أرباح البنوك، على رغم أن القطاع العقاري لا يمثل سوى 10 في المئة من الاقتصاد الأميركي".

ويستدرك البروفيسور "لكن بمجرد أن بدأت أسعار المساكن بالانخفاض عام 2006، انهارت الأسس التي بني عليها هذا النموذج، إذ توقف الناس عن سداد قروضهم، فتراجعت قيمة الأوراق المالية المرتبطة بها، مما أدى إلى حالة ذعر مصرفي جماعية، وعندما انهار بنك "ليمان براذرز" في سبتمبر 2008، كان ذلك بمثابة انهيار للنظام المالي برمته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير فليغستاين إلى أن "الفيدرالي" الأميركي فشل في إدراك عمق الترابط بين سوق الإسكان والبنوك الكبرى، ولم ير كيف أصبح هذا النموذج الربحي محفوفاً بالأخطار، فبدلاً من التدخل المبكر، اعتقد مسؤولو "الفيدرالي" أن التضخم هو الخطر الحقيقي، مما أسهم في تفاقم الأزمة.

ويتابع "بعد الأزمة، تعلم النظام المالي العالمي بعض الدروس، فعند ظهور أزمة جديدة عام 2020 بفعل جائحة كوفيد-19، كان رد الفعل مختلفاً، فهذه المرة، تدخل (الفيدرالي) بسرعة، بضخ السيولة، وخفض الفائدة، وشراء السندات، مما أنقذ الأسواق من الانهيار".

ويؤكد فليغستاين أن "تجاوز الأزمات المستقبلية يتطلب تنظيماً دائماً للقطاع المصرفي، وتحجيم الابتكارات المالية التي تخفي الأخطار كما يجب أن تظل البنوك تحت رقابة صارمة، خاصة في ما يخص احتياطاتها ورهوناتها العقارية".

في النهاية، يرى فليغستاين أن الأزمة كشفت هشاشة النظام الرأسمالي المالي المعولم، وأثبتت أن السوق وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، بل لا بد من تدخل الدولة والتنظيم المستمر، حتى لا تتكرر الكارثة.

وعلى رغم ذلك، إلا أن الأزمة أعادت الاعتبار لدور الدولة في ضبط الإيقاع الاقتصادي، ليس فحسب في حالات الطوارئ، بل أيضاً كعنصر توازن دائم، إذ بدأت العديد من الحكومات، بعد الأزمة، في فرض قيود تنظيمية على المؤسسات المالية، مثل قانون "دود-فرانك" في الولايات المتحدة.

صعود قوى اقتصادية جديدة

من نتائج الأزمة أيضاً، تراجع هيمنة الغرب اقتصادياً، وبروز قوى جديدة، خصوصاً في "الجنوب العالمي"، مثل الصين والهند والبرازيل، بعدما استطاعت هذه الدول، بدرجات متفاوتة، تجاوز تداعيات الأزمة بسرعة أكبر من الاقتصادات المتقدمة، بفضل امتلاكها لهوامش أكبر من التدخل الحكومي والنمو الداخلي.

فالصين، على سبيل المثال، أطلقت حزمة تحفيز حكومية ضخمة فاقت 586 مليار دولار في نهاية 2008، مما ساعدها على الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، وبدأت تلعب دوراً أكبر في المؤسسات المالية الدولية، وطالبت بإصلاحات في النظام النقدي العالمي، وتقليص الاعتماد على الدولار الأميركي كعملة احتياطية.

أدت الأزمة إلى تصاعد الأصوات المطالبة بإصلاح النظام النقدي العالمي، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة عبر الدولار، ففي عام 2009، دعا البنك المركزي الصيني إلى إنشاء عملة احتياطية جديدة لا تعتمد على عملة دولة واحدة، في إشارة إلى القلق من اعتماد النظام المالي العالمي على الدولار الأميركي فحسب.

وبدأت بعض الدول تتجه إلى إبرام اتفاقات تجارية ثنائية بالعملات المحلية، كخطوة نحو فك الارتباط بالدولار، أيضاً نمت شعبية الذهب والعملات الرقمية في السنوات اللاحقة كبدائل محتملة.

التداعيات ممتدة... تفاوت طبقي وأزمات ديون وهشاشة مستمرة حتى اليوم، لا تزال آثار أزمة 2008 واضحة على مستويات عدة، أبرزها التفاوت الطبقي، إذ فشلت خطط الإنقاذ المالي في معالجة الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء، بل زادت من تركيز الثروة في أيدي قلة، واستفادت الشركات الكبرى والبنوك من الدعم الحكومي، بينما عانى المواطن العادي من فقدان الوظيفة، وتراجع الأجور، وصعوبة الحصول على قروض.

أزمة الديون

بخلاف ذلك، دفعت الأزمة العديد من الدول إلى زيادة الاقتراض لإنقاذ اقتصاداتها، مما فجر أزمات ديون سيادية، كما حدث في اليونان وإيطاليا ودول أخرى ضمن منطقة اليورو، وأدى إلى سياسات تقشفية أثرت في الطبقات الوسطى والفقيرة.

علاوة على ذلك، وعلى رغم التحسن النسبي في الاقتصاد العالمي، إلا أن أسواق المال لا تزال معرضة للتقلبات، مع بروز فقاعات أصول جديدة، وتنامي الاعتماد على أدوات مالية غير شفافة، مما يجعل شبح أزمة جديدة دائم الحضور.

في النهاية، مثلت أزمة 2008 لحظة تاريخية فارقة في تاريخ النظام الاقتصادي العالمي، كشفت عيوب النموذج النيوليبرالي وأعادت الاعتبار لدور الدولة في ضبط الاقتصاد، وأسهمت في تغيير موازين القوى، وتوسيع دائرة اللاعبين الاقتصاديين على الساحة العالمية، وفتحت نقاشاً جدياً حول مستقبل النظام النقدي الدولي.

اليوم، وبعد أكثر من 15 عاماً على تلك الأزمة، لا تزال تداعياتها قائمة، سواء في صورة تفاوت طبقي صارخ، أو هشاشة أسواق المال، أو هيمنة الدولار، مما يؤكد أن العالم لم يتجاوز بعد تبعات ذلك الزلزال الاقتصادي، ويحتاج إلى نماذج أكثر عدالة واستدامة في إدارة الاقتصاد العالمي.

اقرأ المزيد