Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من شوارع البندقية إلى أروقة واشنطن... بوتين "بطل" الشاشات

من "ساحر الكرملين" إلى "بيت البطاقات" و"ساوث بارك" وتجارب متحيزة تبالغ في شيطنة السياسي المربك لحسابات المسؤولين الغربيين

قدم مسلسل "بيت البطاقات" محاكاة حادة لشخصية بوتين رغم أنه الدراما المفضلة للرئيس الروسي نفسه (مواقع التواصل)

ملخص

"صرح النجم العالمي جود لو أخيراً أنه وجد نفسه مأخوذاً بتجسيد شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فيلمه الجديد ’ساحر الكرملين‘، إذ لا تتوقف محاولات صناع الدراما في فهم شخصية السياسي الداهية صاحب الشخصية الغامضة والمخيفة بالنسبة إلى الجماهير، فهو حاضر في ما يشبه الهوس في الأعمال الفنية التي يبدو أنها ترى في تفكيكه على الشاشة طريقة لكسر القلق من قراراته السياسية التي تربك السياسيين الغربيين بصورة عامة"

هل هو عام بوتين الدرامي؟ الرئيس الروسي يبدو نجماً سينمائياً في الصالات والمهرجانات الدولية، وكذلك عبر المنصات المهتمة بالفنون، فقد شهدت الفترة الماضية عرض فيلمين عن سيرة حياته، أحدثهما "ساحر الكرملين" الذي عرض ضمن وقائع مهرجان فينيسيا في دورته الـ82، ونال أكثر من 10 دقائق من التصفيق، إضافة إلى استحضار شخصيته التي ظهرت في أعمال شهيرة سابقة، بين رواد السوشيال ميديا بعد ظهوره الصاخب في بكين إلى جوار الزعيمين الكوري الشمالي والصيني في عرض عسكري ذي مغزى.

"أرجو أن تبلغوا أطيب تحياتي لفلاديمير بوتين وكيم جونغ أون، لأنكم تتآمرون ضد الولايات المتحدة الأميركية"، جملة كتبها دونالد ترمب بانفعاله المعتاد موجهاً حديثه إلى الرئيس الصيني شي، عبر فيها عن قلقه من اجتماع الثلاثة في جمهورية الصين الشعبية، إذ استعرضت الدولة التي تصنف كقوة عظمى ترسانتها من أسلحتها الجديدة بحضور حليفيها التاريخيين، في عرض عسكري شاهده العالم احتفالاً بالذكرى الـ80 لنهاية الحرب العالمية الثانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن على ما يبدو أن حفل نهاية الحرب، فجر هواجس إحياء حرب جديدة، فلم تتوقف التحليلات ولا التكهنات، فيما حضرت بقوة مشاهد الأعمال الفنية التي قدمت شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قيصر الكرملين الذي يقف نداً بند للولايات المتحدة، وقوى أوروبية غربية أخرى، ويعتبره بعض الأميركيين عدواً كبيراً لبلادهم، والساعي الأول إلى تقليص نفوذهم.

ولهذا، فرئيس روسيا الاتحادية البالغ من العمر 72 سنة والمولود في لينينغراد، بطل مباشر وغير مباشر في الأعمال الفنية ذات الطابع السياسي التي تقدم أميركياً وأوروبياً في ما يشبه الهوس، وكأنها محاولة لفهم أبعاد هذه الشخصية التي تمثل قلقاً وتهديداً وغموضاً على الدوام بالنسبة إلى المختلفين معه سياسياً، إذ تقدمه الدراما شخصاً جافاً وصارماً، ديكتاتوراً عاشقاً للمؤامرات، وقاهراً لخصومه ومعارضيه، بل ويصور على أنه من سيطلق شرارة الحرب النووية التي يخشاها سكان الكوكب.

تناول كاريكاتيري لمشعل الحرب النووية

هذا بالتحديد ما ظهر في المشاهد التي أصبحت حديث الإنترنت في الولايات المتحدة الأميركية بعد تعليق ترمب الأخير حول ظهور بوتين مع زعيمي الصين وكوريا الشمالية، وأبرزها مشهد بث قبل نحو ثلاثة أعوام في إحدى حلقات المسلسل الكارتوني الأميركي الطويل الأمد "ساوث بارك"، حملت الحلقة عنوان "العودة إلى الحرب الباردة"، العمل الساخر استعرض بطريقة هزلية الربط بين شخصية بوتين والتهديد بقيام حرب نووية، وذلك من خلال مشاهد تظهر تلاميذ مدرسة يتدربون على الحماية إجراءات النووية، في محاكاة لما كان يحدث بالمدارس الأميركية بالفعل خلال الحرب الباردة، بينما فلاديمير بوتين في هذه الأثناء يرقص سعيداً مستعرضاً عضلاته وسط مستشاريه.

وقد شهد المسلسل، الذي يتمتع بشعبية كاسحة وبثت منه مئات الحلقات منذ عام 1997 وحتى الآن، أكثر من إشارة إلى الرئيس الروسي، بعضها متعلق بما قيل عن تدخله في الانتخابات الأميركية، أما تلميحات استخدام السلاح النووي فقد جاءت في الحلقات التي بثت عقب الحرب الروسية - الأوكرانية، وهي الفترة نفسها تقريباً التي بدأ فيها التحضير للفيلم البولندي الذي عرض مطلع هذا العام بعنوان "بوتين"، إذ يمثل الهوس بتقديم بوتين على أنه شخص ذو بعد واحد، ومخلص كثيراً لأفعال الشر، وفيه لجأ المخرج باتريك فيغا لتقنيات الذكاء الاصطناعي ليظهر بطل العمل سلاومير سوبالا أكثر شبهاً بالرئيس بوتين.

 

وقد أثار الفيلم جدلاً سياسياً وفنياً، بسبب نظرته شديدة التحيز ضد بوتين، وتقديمه على أنه شيطان بلا عواطف، متبنياً رسالة سياسية تعكس التوترات التي أحدثها تدخل روسيا في الشأن الأوكراني، إذ تنطلق اللقطات بتصوير الرئيس الروسي وهو يعاني مرضاً مميتاً، ويعيش أيامه الأخيرة عام 2026، ومع ذلك يصر على أن يبقى متماسكاً أمام أعوانه، بينما يجري اللجوء للفلاش باك مراراً لاستعراض نشأته المتواضعة والمظلمة وحتى صعوده ليصبح رجل روسيا الأول والأكثر قوة وثباتاً، وقد اتهم الفيلم بالمبالغة الكاريكاتيرية في نسب كل أعمال الشر والجرائم لشخص بوتين، وكذلك جرى توجيه انتقادات لاذعة لطريقة السرد المشتتة، واعتبر المتخصصون أن الإفراط في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أفقد الفيلم كثيراً من الجماليات.

اللافت أن مخرج العمل كان قد أثار الدهشة قبل أشهر من عرض الفيلم، مشيراً إلى أنه تلقى اتصالات من الاستخبارات الروسية تطلب فيها نسخة من العمل، مقابل رشوته بمئات الآلاف من الدولارات، وهي التصريحات التي اعتبرها البعض مجرد وسيلة دعائية للعمل.

"ساحر الكرملين" يتجول في البندقية

بينما نال فيلم "ساحر الكرملين" عاصفة من التصفيق عقب عرضه قبل أيام قليلة ضمن مهرجان البندقية السينمائي 2025، إذ جسد فيه النجم البريطاني جود لو شخصية فلاديمير بوتين. مشيراً في تصريحاته على هامش العرض إلى أنه لم يخش أبداً العواقب، وكان سعيداً بالتعاون مع المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، إذ تدرب لو طويلاً على رياضة الجودو، كي يتقن مهارة بوتين في اللعبة التي يبرع فيها، على رغم أن الشخصية الرئيسة التي يطلق عليها لقب ساحر الكرملين، هي شخصية خيالية تدعى فاديم بارانوف يجسدها بول دانو، يقدم على أنه داهية في عالم السياسة والعلاقات العامة نجح منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي في صنع نجوم في السلطة، وبينهم بوتين، الذي يساعده بارانوف لتقديم نفسه بعد اختفاء الرئيس بوريس يلتسين من المشهد، كذلك تظهر شخصيات شهيرة من الأوليغارشية الروسية وبينهم بوريس بيريزوفسكي، في حين نال أداء جود لو الثناء من النقاد والحضور، فلم يبالغ في تقديم شخصية بوتين بمحاكاة كارتونية، واعتمد فقط على الشعر المستعار وبعض مساحيق التجمل، ونبرة الصوت الهادئة والعبوس والهدوء البارد، ليوحي بهيئة الرئيس الروسي، فيما انتظم الفيلم في نقد هرم السلطة في الدولة الروسية.

 

بالعودة إلى عالم الرسوم المتحركة، فقد كان فلاديمير بوتين ضيفاً دائماً على حلقات المسلسل الهزلي السياسي الاجتماعي الأميركي الشهير "عائلة سيمبسونز"، إذ تعكس الأعمال الشعبية في الولايات المتحدة الأميركية دوماً توجهات القادة والسياسيين الذين يحذرون مراراً وعلى مدى الحقب التاريخية المتعددة من روسيا، التي يمثل بوتين جانباً كبيراً من سيرتها في العصر الحديث كضابط استخبارات في KGB ومدير جهاز الأمن الفيدرالي وسكرتير مجلس الأمن، ورئيس وزراء ورئيس اقتنص الكرسي أكثر من مرة، إذ كان يقدم عادة في مشاهد "ذا سيمبسونز" تظهر طموحاته التوسعية، لإعادة مجد روسيا السوفياتية مجدداً، كذلك جرت الإشارة إليه أكثر من مرة بطريقة كوميدية، رجل يحاول التخفي بين الجماهير العادية للحصول على ما يريد ولصرف النظر عن حضوره السياسي زعيماً كبيراً، في إشارة إلى تاريخ عمله في الجاسوسية.

المسلسل المفضل لبوتين

في المقابل، يبدو الظهور الأكثر شهرة وحضوراً لشخصية فلاديمير بوتين يحمل أكثر من مفارقة، لعل أبرزها أنه جسد شخصيته بطريقة تبدو دقيقة على مستوى الأداء، وكذلك لأن العمل الذي ظهرت فيه الشخصية التي كانت شريرة بطبيعة الحال، يبدو أنه من الأعمال المفضلة لبوتين وفق تصريحات سابقة للكاتب البريطاني العضو السابق في مجلس اللوردات، مايكل دوبز، الذي أشار إلى أن بوتين يتعامل مع مسلسل الإثارة السياسية "بيت البطاقات" كأنه عمل وثائقي، إذ يعتبر مرجعية أساسية لفلاديمير بوتين في فهم السياسة الأميركية بل إنه يوصي وزراءه بمتابعة الدراما الأميركية المكونة من ستة أجزاء وبثت ما بين عامي 2013 إلى 2018.

 

ولفت دوبز الذي أسهم في إنتاج المسلسل إلى أن بوتين يعتبر الدراما واقعية، وهو نفس ما كان قد شدد عليه المعارض السياسي الروسي الصحافي ميخائيل زيغار مؤلف كتاب "كل جيش الكرملين"، حين أشار إلى أن سيد الكرملين مؤمن بأن المسلسل يعبر بصدق عن تحركات السياسيين في البيت الأبيض، ولهذا هو يتعامل معهم بناءً على وجهة النظر هذه.

العمل الذي يعبر عن الانتهازية السياسية في أسوأ صورها، ويكشف ما يمكن أن يصل إليه الرئيس الأميركي من جرائم قتل ومكايد حتى يحقق ما يريد، أظهر محاكاة شبه متطابقة لشخصية بوتين مظهرياً، من خلال شخصية الرئيس الروسي فيكتور بيتروف التي جسدها الممثل الدنماركي لارس ميكلسن، وعلى رغم أنه لم يحمل الاسم نفسه في الأحداث، فإنه يعتبر من أوضح نماذج الأدوار التلفزيونية التي تقارب بوتين، سواء على مستوى الملامح أو الطباع الحادة، والتعامل بتحد وندية وصرامة مع المسؤولين الغربيين والأميركيين، وبدا في الـ13 حلقة التي ظهر بها مستهزئاً وساخراً، بل ومتعجرفاً، ولا يمكن الوثوق به، وكارهاً للمثليين، وتمادى العمل الذي سمى أبطاله بأسماء خيالية بالتلميح إلى تعدد علاقات الرئيس الروسي الدرامي النسائية، بل وعدم تورعه عن التحرش بزوجة الرئيس الأميركي أمامه.

التوثيق أكثر موضوعية

على رغم الهوس الكبير بمحاولة فهم العقلية السياسية الروسية، متمثلة في شخصية فلاديمير بوتين، فإن السينما والمسلسلات العالمية عادة ما تظهره بطريقة نمطية للغاية، مثله مثل المواطن الروسي الذي يحضر في تلك الأعمال أيضاً كمتآمر وكاره للحضارة الأميركية والغربية، إذ يبدو التناول منحازاً بصورة سطحية في بعض الأحيان.

وعلى ما يبدو فإن التجربة الأكثر إنصافاً وتعقلاً، التي شكلت رغبة حقيقية في فهم "العدو" كما يراه كثير من الأميركيين بفعل الدعاية السياسية، هي ما قدمها المخرج الأميركي البارز الحائز الأوسكار أوليفر ستون من خلال وثائقي "محاورات بوتين" 2017، فعلى رغم عشرات الأعمال التي حاولت توثيق رحلة بوتين السياسية والإنسانية، فإن ستون انفرد بمحاورته على مدى عشرات الساعات ليخرج بأربع ساعات اقترب فيها بصورة غير مسبوقة من السياسي الماكر والمخضرم، والأب والجد وبطل الفنون القتالية فلاديمير بوتين، وظهرت فيه قدرات ستون المولع بفهم تعقيدات السياسة بصورة عامة، في تحليل أيديولوجيات بوتين وتفكيك عقليته من دون تضخيم أو استهانة، بعيداً من النظرة التي تشوبها سذاجة واضحة وتسيطر على أذهان كثر تجاه المسؤولين الروس، لا سيما الرئيس الذي يلقب بالقيصر.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون