ملخص
هناك من يرى أن أوجه الشبه بين فورة شركات الإنترنت وفورة شركات الذكاء الاصطناعي قوية بما يكفي لتوقع انفجار فقاعة جديدة.
بعد مرور ربع قرن على انفجار "فقاعة دوت كوم" مطلع الألفية (خلال عامي 2000 و2001)، تصدر الآن تقارير وتحليلات ونصائح من شركات الاستشارات المالية والبنوك الاستثمارية حول فقاعة تكنولوجية جديدة محتملة.
وعلى رغم أن هناك شعوراً عاماً بأن النظام المالي العالمي أصبح في وضع أفضل مع إجراءات الإصلاح التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في 2008 - 2009، إلا أن المستثمرين في أسواق الأسهم والدين وغيرها بدأوا يتحسبون لاحتمال انفجار فقاعة جديدة، بخاصة مع فورة قطاع الذكاء الاصطناعي، فكيف حدثت فقاعة شركات الإنترنت قبل نحو 25 عاماً؟ وما هي احتمالات تكرارها الآن؟
هناك من يرى أن الأسواق لم تكن "متطورة" قبل ربع قرن مثلما هي الآن، وأن شركات التكنولوجيا الكبرى التي تمكنت من تجاوز أزمة "دوت كوم" مطلع القرن الحالي أصبحت في وضع أفضل، كذلك الشركات الصاعدة في هذه الفترة تبدو في وضع مالي جيد يمكنها من تجاوز أزمات مماثلة.
في المقابل، هناك من يرى أن أوجه الشبه بين فورة شركات الإنترنت وفورة شركات الذكاء الاصطناعي قوية بما يكفي لتوقع انفجار فقاعة جديدة، علاوة على أن القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى ليست مؤشراً على قدرتها على تحمل أزمة جديدة، بل على العكس هي أيضاً مؤشر على مغالاة هائلة في قيمة الأصول الرقمية تغذي تضخم الفقاعة.
فقاعات قطاع التكنولوجيا وانفجارها بأزمة
تكونت فقاعة شركات الإنترنت، أو فقاعة "دوت كوم"، في النصف الثاني من عقد التسعينيات بالقرن الماضي، وبنهاية القرن عام 1999 كانت النسبة الأكبر من الشركات التي قامت بطرح أولي للأسهم في أسواق المال شركات تكنولوجيا، غالبها شركات إنترنت ناشئة.
بحلول العام التالي، عام 2000، انفجرت الفقاعة وانهارت غالبية الشركات التي فاق عددها في العام السابق 500 شركة.
حدث الانفجار مع انهيار مؤشرات الأسهم، بخاصة مؤشر "ناسداك" ببورصة "وول ستريت" في نيويورك، الذي سجلت عليه غالبية شركات الإنترنت.
ومع البيع الكثيف لأسهم تلك الشركات أفلس معظمها، وانهارت وتبخرت تريليونات الدولارات من الأسواق بخسائر مهولة للمستثمرين.
كان سبب الفقاعة هو الإقبال المحموم من المستثمرين، بخاصة رأس المال المغامر، على ضخ أموالهم في شركات الإنترنت باعتباره قطاعاً جديداً صاعداً يعد بأرباح كبيرة وبسرعة.
استغلت شركات ناشئة كثيرة وفرة رأس المال هذه في دخول القطاع الجديد، حتى إن بعضها لم يكن لديه أي ابتكارات تكنولوجية تبرر تقديرات العائدات المستقبلية.
أنفقت غالب تلك الشركات أكثر من 90 في المئة من تمويلها على الدعاية والتسويق، أحياناً لمنتج مفترض وليس موجوداً، لكن ذلك ساعد في استفادتها من حمى الإقبال على شراء أسهم شركات الإنترنت التي كانت أمراً جديداً صاعداً في سوق التكنولوجيا وقتها. وأسهمت المضاربات في مغالاة كبيرة في قيمة أسهمها، ونتيجة هذا الإقبال الكبير ومع المضاربات على أسهم كثير من الشركات الناشئة ارتفع مؤشر "ناسداك" وقتها أكثر من خمسة أضعاف، فمن مستوى أقل من ألف نقطة قبل عام 1995 وصل المؤشر عام 2000 إلى 5048 نقطة.
مع انفجار الفقاعة هبط المؤشر بنهايتها إلى نحو ألف نقطة مجدداً، أي فقد كل ما كسبه في خمس سنوات، واحتاج إلى نحو 15 عاماً قبل أن يستعيد مستواه، مما أسهم في غليان فقاعة شركات الإنترنت أكثر تلك المغالاة في تقدير أسعار أسهم الشركات نتيجة المضاربات على أدائها المستقبلي.
هذا إلى جانب تضخيم الشركات وقتها لعائداتها المستقبلية المتوقعة، مما رفع المضاربات على قيمة أسهمها إلى نحو 50 ضعف توقعات العائدات، ووصل الأمر إلى أن قيمة الأسهم على مؤشر "ناسداك" بنهاية تسعينيات القرن الماضي بلغت نحو 70 ضعف العائدات المتوقعة.
كان المثال البارز وقتها على انفجار فقاعة "دوت كوم" هو أكبر اندماج فاشل في تاريخ قطاع التكنولوجيا بين شركة "إيه أو إل" للإنترنت وشركة "تايم وارنر"، واعتبر ذلك مثالاً لأزمة 2000 – 2001 يشبه انهيار مصرف "ليمان براذرز" الذي اعتبر أيقونة الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009.
أوجه الشبه والاختلاف عن الآن
على رغم انهيار غالب شركات الإنترنت الناشئة في انفجار فقاعة "دوت كوم" مطلع القرن، بقيت شركات كبيرة مثل "أمازون" و"إي باي" وغيرها وتمكنت من الاستمرار، لتصبح "أمازون" مثلاً الآن من بين أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة السوقية.
حتى بعض الشركات التي فقدت نحو 80 في المئة من قيمتها في انهيار 2000 و2001، مثل "سيسكو" و"إنتل" وغيرها، تمكنت من تجاوز الأزمة ومعاودة النمو على عكس مئات شركات الإنترنت التي انهارت واختفت تماماً.
لكن إحدى السمات المشتركة بين غليان فقاعة الإنترنت والوضع الحالي في قطاع التكنولوجيا هي تركيز القدر الأكبر من حجم السوق في القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا، فطبقاً للبيانات والأرقام من أكثر من شركة استشارات ومراقبة السوق يمثل قطاع التكنولوجيا حالياً نسبة 34 في المئة من القيمة الإجمالية لمؤشر "أس أند بي 500"، وتلك نسبة تتجاوز ما مثلته تلك الشركات من القيمة الإجمالية للمؤشر مطلع عام 2000، وكانت عند 33 في المئة.
حالياً، من بين أكبر 10 شركات على مؤشرات السوق من حيث القيمة السوقية هناك ثماني شركات من قطاع التكنولوجيا والاتصالات، من بينها ما يسمى "السبعة الكبار"، وهي "أبل" و"أمازون" و"ألفابيت" (التي تملك غوغل) و"ميتا" (المالكة لفيسبوك وغيره) و"مايكروسوفت" و"إنفيديا" و"تيسلا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما في عام 1999 فمن بين أكبر 10 شركات من حيث القيمة السوقية كانت خمس شركات فقط من قطاع التكنولوجيا، أضف إلى ذلك أن حجم أكبر 10 شركات حالياً، بقيمة سوقية نحو 22 تريليون دولار، يمثل نسبة 40 في المئة من القيمة الإجمالية لمؤشر "أس أند بي 500"، وفي المقابل كانت أكبر 10 شركات تمثل نسبة 25 في المئة من القيمة الإجمالية للمؤشر عام 1999.
تركز حجم السوق في عدد محدود من شركات التكنولوجيا يعد الآن أكثر مما كان عليه وقت انفجار فقاعة "دوت كوم"، ليس هذا فحسب، بل إن المغالاة في أسعار أسهم تلك الشركات بتقييمها بأضعاف توقعات عائداتها أكبر مما كانت عليه قبل ربع قرن. يقول كبير الاقتصاديين في شركة "أبوللو غلوبال مانجمنت" تورستن سلوك في لقاء مع وكالة "رويترز" في يوليو (تموز) الماضي، فإن تقديرات العائدات المستقبلية لأكبر 10 شركات الآن أعلى بكثير، مما كان عليه الأمر مطلع هذا القرن.
مع ذلك فإن من يرون أن احتمالات الهبوط التصحيحي أكبر بكثير من انفجار فقاعة يعتمدون على أن مضاعف التقييم بحسب العائدات المستقبلية لشركات التكنولوجيا، على مؤشر "أس أند بي 500" حالياً عند 29.5 ضعف، وهو معدل أقل بكثير مما كان عليه الوضع عام 2000 حين كان مضاعف تقييم أسهم شركات التكنولوجيا، بحسب عائداتها المتوقعة عند 50 ضعفاً.
لعل مؤشر "ناسداك" لأسهم شركات التكنولوجيا يكون مثالاً أقوى لمن يرون الاختلاف الكبير بين الأمس واليوم، فمضاعف تقييم الأسهم على المؤشر بحسب توقعات العائدات المستقبلية حالياً عند 28.5 ضعف، أما في فترة ذروة شركات الإنترنت قبل ربع قرن فكان عند 70 ضعفاً، ويعني ذلك أن الغليان واحتمالات الفقاعة أقل من وقت أزمة "دوت كوم".
تقديرات الفقاعة الحالية
قبل سنوات استثمرت الشركات الكبرى في الحوسبة السحابية بمليارات الدولارات ولم يثر ذلك قلق الأسواق من حدوث فقاعة، وحالياً تعتمد شركات مثل "أبل" و"أمازون" و"ألفابيت" و"مايكروسوفت" على العائدات من الحوسبة السحابية التي تعتمد عليها غالب الشركات والأعمال.
صحيح أن ذلك أدى إلى مغالاة في أسعار أسهمها بمضاعف تقييم الأسهم بحسب تقديرات العائدات، إلا أن هناك نقطة في غاية الأهمية قللت من غليان الفقاعة، فغالبية تلك الاستثمارات في الحوسبة السحابية من قبل كانت من أموال الشركات بإعادة استثمار رأس المال والأرباح، ولم يكن مكون الاقتراض والدين فيها كبيراً.
أما الآن، فإن شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد في القدر الأكبر من استثماراتها على التمويل بالدين، لذا فإن المغالاة في تقييم أسهمها تنذر بتكون فقاعة، حتى إذا لم تكن مثل فقاعة "دوت كوم" إلا أنها تشكل خطراً على أموال المستثمرين المغامرين.
ولا يتعلق الأمر بشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى مثل "أوبن إيه آي" فحسب، إنما أيضاً بالشركات الناشئة التي تعمل إما في إنتاج رقائق الكمبيوتر الذكية أو في بناء مراكز البيانات الهائلة.
بحسب آخر تقدير من بنك "مورغان ستانلي" فإن قطاع الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تمويل بنحو 3 تريليونات دولار خلال العامين المقبلين، منها 1.6 تريليون دولار على إنتاج الرقائق الإلكترونية وخوادم الكمبيوتر فائقة القوة، و1.3 تريليون دولار على البنية التحتية.
سيأتي غالب هذا التمويل من الاقتراض وبيع الأسهم وأشكال الائتمان الأخرى، فليس لدى شركات الذكاء الاصطناعي عائدات أو أرباح بعد تمكنها من إعادة استثمار أموالها، إنما ما يجعل بعضهم يرى أن فقاعة الذكاء الاصطناعي قد لا تكون مثل فقاعة "دوت كوم" قبل ربع قرن أن مناخ الاستثمار بصورة عامة تغير الآن. وشركات التكنولوجيا ليست وحدها التي تشهد مغالاة في تقييم أسهمها، إنما غالبية الشركات المسجلة في السوق أيضاً، بالتالي فإنه في حال الهبوط ستكون التريليونات التي تتبخر من أسواق المال ليست مركزة في شركات التكنولوجيا، بما يؤدي إلى انهيارها تماماً.