ملخص
أسفر دعم السعودية القطاع السينمائي في الأعوام الأخيرة عن نتائج ملموسة، بدأت تتجلى في مشاركات دولية لافتة ضمن مهرجانات مرموقة. من بين هذه المشاركات يبرز فيلم "هجرة" للمخرجة السعودية شهد أمين، الذي يعرض ضمن برنامج "سبوتلايت" الجديد في الدورة الحالية من مهرجان البندقية السينمائي (27 أغسطس "آب" – 6 سبتمبر "أيلول").
تنطلق أحداث الفيلم من مدينة الطائف قبل نحو عقدين، لكنه سرعان ما يأخذنا إلى ضفاف أخرى من البلاد، في رحلة تحمل سمات روحية تلقينية، تتبدل خلالها ملامح الشخصيات ومصائرها، وعلى رأسها الطفلة جنة (لمار فادن) التي لن تعود من هذه الرحلة كما بدأت. "هجرة" هو "فيلم طريق" (رود موفي)، بما يحمل هذا النوع من السينما من مفردات وثوابت درامية، وقد ذكرني في بعض محطاته بـ"الرحلة الكبرى" لإسماعيل فروخي.
القصة حول اختفاء سارا، الفتاة التي تهرب من عائلتها خلال رحلة حج برفقة جدتها وأختها جنة. هذا الحدث يشكل المحرك الأساس للسرد، إذ تنطلق الشخصيات في رحلة بحث تمتد على مدى ساعتين، تقطع خلالها مسافات طويلة عبر طرق متعرجة ومهجورة ووعرة من جنوب السعودية إلى شمالها، لكنها لن تكون مجرد رحلة مكانية، بل نافذة نطل منها على تحولات داخلية، وقضايا تتجاوز حدود الجغرافيا.
بمرور الوقت يتحول البحث عن سارا إلى ذريعة درامية. في منتصف الفيلم يصبح واضحاً أن غيابها بات دائماً، وأن ما يهم الآن ليس العثور عليها، بل ما تولده هذه الرحلة من تحولات لدى من ظل يبحث عنها. هنا تتشكل نواة الفيلم الحقيقية حول الشخصيات الثلاث: الجدة وحفيدتها، والشاب أحمد، والسائق المثقل بالديون، الذي يتولى مهمة نقلهما بحثاً عن سارا.
هذه الشخصيات المختلفة تماماً بعضها عن بعض، والمجبرة على التعايش، تجسد جوهر "سينما الطريق": غرباء يجدون أنفسهم مضطرين إلى التقارب، لا حباً، بل بحثاً عن النجاة. ولكن مع توالي الأحداث والمواقف تنشأ بينهم وحدة حال إنسانية، ليصبح فقدان سارا مجرد مدخل لحكاية أكبر: حكايتهم هم، بما يحملونه من هشاشة وصراعات وآمال.
مغامرات لا تهدأ
"هجرة" أشبه بفيلم مغامرات لا يهدأ، إلا أن مغامراته لا تقع في عوالم متخيلة، بل في قلب المجتمع السعودي، بتناقضاته وتعقيداته. شهد أمين لا تجمل شخصياتها، إنما تضعها أمامنا بواقعية لافتة وجرأة محسوبة تكشف عن نضج سينمائي بدأ يتبلور في بلادها، حيث باتت الكاميرا لا تكتفي بنقل الصورة، بل تحفر في التفاصيل.
الشابة الصغيرة في "هجرة" لا تكثر من الكلام، لكنها تتقن مراقبة العالم الذي من حولها. صمتها لغة داخلية تنقل مشاعرها العميقة وتعزز من ارتباطنا بها. إنها الرابط العاطفي الأقوى في الفيلم، الشخصية التي نتمنى لها الخلاص ونخشى عليها من الانكسار. قدرتها على استدرار تعاطفنا لا تعتمد على خطاب أو انفعالات صاخبة، إنما تنبع من حضورها الخافت والمربك، ومن ردود فعلها البطيئة أمام وقائع تتخطى إدراكها الطفولي. لا نعرف على وجه الدقة ما إذا كان هذا التردد ناتجاً من خجل أم عن صدمة، لكننا نوقن أنها تدفع دفعاً إلى اختبارات غير مألوفة، تضعها المخرجة عمداً في قلب المجهول لترصد كيف تتفاعل معه.
الجدة، في المقابل، تبدو صارمة، متجهمة، مهمومة بثقل الأعوام، لا نلمح على وجهها ابتسامة، ولو عابرة، إلا بعد مرور نصف الفيلم. هذه القسوة الظاهرة تخفي وراءها قصة دفينة، بعض خيوطها تكشف لنا، فيما يبقى الجزء الأهم رهن الصمت والتلميح. وهنا تكمن براعة شهد أمين، التي تفتح أمام المشاهد باب الخيال كي يملأ الفراغات.
الحضور الديني في الفيلم ليس هامشياً، هذا الحضور يكاد يغلف المشهد من كل زاوية: من التلفزيون والإذاعة إلى أحاديث الناس اليومية. وهذا طبيعي في سياق زمني يعود إلى مطلع الألفية وخلال موسم الحج، في السعودية ما قبل الانفتاح، حين كان للشروط الدينية دور مركزي في صياغة الحياة اليومية. ومن بينها يبرز موضوع "المحرم"، الذي لا يسمح للنساء بالتحرك من دونه، فتستثمره المخرجة كعقدة درامية، وتجعله أحد المفاتيح الأساس في بناء التوتر والصراع.
الفيلم لا يغفل أيضاً عن نقد بعض الممارسات غير البريئة، كما في مشهد بيع ماء زمزم المغشوش، إذ تمر الكاميرا لتكشف عن استغلال البسطاء. في المقابل لا يعادل الفيلم بين التدين الزائف والإيمان الحقيقي، بل يقدم الطقوس الروحية بوصفها لحظات صفاء وتحرر عقلي. في نظر شهد أمين لا تناقض بين الإيمان والعقل، بل تلاق قد ينتج منه شيء من أجمل مشاهد الفيلم."بعض الح يوانات لا تعرف مصلحتها، إذا ازلت قيودها تتهور". في هذه الجملة البسيطة تكمن استعارة بليغة، هي مرآة للإنسان حين يقيد باسم الخوف أو العادة حتى يفقد بوصلته، إنه تشبيه يكشف عن عمق النظرة الفلسفية التي تتسلل من بين سطور الفيلم.
السيناريو مشدود بفكرة الطريق كفكرة فلسفية قبل أن تكون مجرد مسار مكاني. الطريق طويلة، وعرة، وقد لا تؤدي إلى وجهة واضحة، لكنها تمثل ضرورة وجودية لكل من ينشد الحقيقة أو يسعى إلى التحرر، هي ليست مجرد انتقال في المكان، بل تجربة داخلية واختبار للوعي ومواجهة مع الذات.
يلامس الفيلم في بعض مشاهده ملمحاً وثائقياً واضحاً، كما في اللقطة التي تتوقف فيها الكاميرا للحظات أمام مصنع أسمنتي أو ما يشبهه. هذه الوقفة العابرة لا تكلف الفيلم شيئاً على صعيد السرد، لكنها تضفي عليه عمقاً بصرياً وشعوراً بالانغماس في واقع حي، محسوس، يتجاوز الشخصيات والحبكة إلى بيئة سينمائية متجذرة في المكان والسياق. هنا، لا تختزل السينما في ملامح الوجوه أو تطور الأحداث، بل تنسج خلفية مكانية تشكل جزءاً من الدراما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من الطرق الوعرة في البداية إلى البحر في المنتصف ثم الصحراء في الخاتمة، ينجح الفيلم في شد المتفرج بصرياً ونفسياً، إذ تحول المخرجة شهد أمين الأراضي السعودية إلى استوديو سينمائي مفتوح، يعرض تنوع التضاريس واختلاف الطبائع، بل ويجعل من المكان شخصية قائمة بذاتها.
ظاهرة لافتة شهدناها في أكثر من فيلم عربي أخيراً، وتعيد تكرار نفسها هنا: الفيلم يزداد جودة كلما تقدم إلى الأمام. قد يكون السبب تراكم الزمن الدرامي، أو تكيف المتفرج مع الشخصيات والمكان، أو انفتاح السرد على أبعاد أعمق. ومع ذلك لا يمكن إنكار أن نصف الساعة الأولى تبقى أضعف من بقية العمل من ناحية التماسك السينمائي، وكأن الفيلم يتلمس طريقه قبل أن يبلغ نضجه الكامل في النصف الثاني.
يمكن القول إن "هجرة"، وهو الروائي الطويل الثاني في مسيرة شهد أمين، يمثل نقلة نوعية واضحة في تجربتها. وعلى رغم أنه لا يخلو من الثغرات، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الممثلين، فإن من الصعب التغاضي عن شجاعته البصرية ووعيه السردي. وكلمة "لو" لا تفارق ذهن الناقد وهو يشاهد الفيلم، ولكن يحسب للمخرجة أنها تجاوزت معظم التوقعات المعتادة من سينما سعودية في طور التشكل.
أخيراً، صحيح أن أمين تنطلق من شخصيات نسائية وتطرح سؤال التحرر، لكنها لا تختزل الفيلم في شعارات، ولا تفرض قضيتها على حساب السينما. الأهم أنها لم تسقط في فخ التنميط، بعدما منحت الحكاية اتساعاً إنسانياً وجمالياً.