ملخص
ربما كان الخيار الفني من أصعب ما يواجه أي مخرج مسرحي عند قيامه بمشروع جديد، الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال عن طبيعة النص الذي يختاره، وأي أسلوب فني يسلك لإنجازه؟ أسئلة يزن الداهوك حسمت المسألة في عرضه الجديد "يوم عادي"، الذي لجأ فيه الفنان السوري إلى استعادة نص "مشهد في الطريق" للكاتب الأميركي إلمر رايس (1892- 1967).
عائلات عدة تتقاسم فضاء بناء في واحد من أحياء نيويورك الشعبية في عشرينيات القرن الماضي، صراعات تتقاطع عبرها مصائر أهالي هذا البناء وزواره، مثلما تتنافر أمزجتهم وأحلامهم بحياة كريمة على وقع انهيار وشيك الحدوث في بورصة "وول ستريت"، أو ما عرف بالكساد الكبير عام 1929، وما تلاه من أحداث دمرت طبقات اجتماعية برمتها. يرخي هذا الزلزال الاقتصادي بظلاله على مختلف جوانب الحياة الأميركية، حتى نهاية الثلاثينيات من القرن الـ20.
يكشف العرض منذ لحظاته الأولى عن سينوغرافيا باذخة (غيث المحمود) استطاعت أن توظف فضاء مسرح فواز الساجر لديكور أكثر من ستة منازل، عبر مستويين أفسحا المجال للاستفادة من أدراج ومداخل وممرات وردهات، توزعت عليها شقق خمس من العائلات، إضافة إلى بيت حارس البناء. نتعرف أكثر على عائلة فرانك مورانت (خالد شمالية)، الرجل الذي يعمل منتجاً في الوسط الفني، ويلقى صدوداً من زوجته آن (سارة مرشد). فبعد 20 عاماً من الزواج أصاب الفتور علاقتهما، وكان أن أوقع بائع حليب يدعى سانكي (أنس حمودي) المرأة الوحيدة في حباله، مستغلاً غياب زوجها وإهماله إياها، وضياع حلمها بأن تصبح رسامة مشهورة. الأمر الذي عقد العلاقة بين الزوجين، وترك أثره في ولديهما ويلي الابن الأصغر الذي نسمع عنه ولا نراه، وروز (نيكول عبيد) ابنتهما الشابة الحسناء التي يخطب جميع أهل الحي ودها، إلا أنها تلقى مصيراً مأسوياً، بعد أن يكتشف والدها خيانة شريكته، فيقتل مورانت زوجته وعشيقها بمسدس حربي بعد أن يضبطهما في بيته.
في التوازي نتعرف أكثر على عائلة السيد جورج جونز (عمران نصر) مالك العقارات والفنادق الذي فقد ثروته على طاولات القمار واللهو، وأصبح مطارداً من دائنيه، وها هو يعيش على أمجاده القديمة، متكلاً على ولده الشاب فينسنت (أحمد شعيب الدرويش) في تدبر أمور معيشة عائلته، التي تضم ابنته ماي (لجين دمج) وزوجته إيما (مي حاطوم). الفتاة والأم تقتسمان بدورهما إرث الأب وإفلاسه وكبرياءه البرجوازية الزائفة، فيتسلط الابن الشاب على أبيه وأخته الشابة، فيما تمارس الأم نكرانها لواقع أفول نجم العائلة وسوء سمعتها. ويطاول الانهيار الجميع بعد أن يفشل الابن في لم شمل أسرته المشتتة، وتمرد شقيقته على أعراف عائلة جونز وتقاليدها في إقامة علاقة مع صديقه المتبطل ديك (حسين مختار).
غيرة وجنون
في مقلب آخر نتعرف إلى كل من ليبو (معن المقداد) الموسيقي الحالم بالجوائز والشهرة، في حين نشاهد زوجته غريتا (كندا خليل) وقد ذوت بعد سنوات من حلمها بإنجاب طفل يخلد اسمها واسم حبيبها. لكن هذا لا يتحقق، بل نراها تغرق في الغيرة من نساء أخريات يأتين لأخذ دروس العلاج بالصوت عند زوجها مجنون البيانو والأغنيات الإيطالية. في مواجهة ذلك كله نتعرف أيضاً على عائلة السيد كابلان (سيمون فرح)، العجوز المثقف الذي نراه يحلم بثورة اشتراكية تعيد الحقوق لأصحابها، وتقضي على غيلان الرأسمالية المتوحشة. ونتابع قصة تضحية ابنته شيرلي (صبا الصالح) التي تفرغت لرعاية أخيها آدم (أحمد الرفاعي) بعد موت والدتها، فلم تقترن بمن تحب. وهذا ما جعلها أكثر حرصاً على مستقبل شقيقها الصغير، فتقف حتى في وجه الفتاة التي أحبها، وتعتبرها عثرة في طريق نجاحاته وتحقيق طموحه الأدبي.
شخصيات أخرى يمكن ملاحظتها في فضاء العرض الذي جاء كمشروع تخرج لطلاب السنة الرابعة في قسم التمثيل (المعهد العالي للفنون المسرحية)، فهناك شخصية أولسن (عبدالله عفيف) حارس البناء وناطوره الذي يثور على منبته الطبقي واستعباد السادة له، وهناك السيد إيستر (غابي عمسو) غريم السيد جونز، والرجل الذي يلعب دوراً في إغواء ابنة السيد مورانت، وإيهامها بدخول عالم السينما ودنيا المشاهير. شخصيات ثانوية أيضاً تتردد على المكان، ومن بينها الرجل الملهوف لولادة زوجته، وتلميذة أستاذ الموسيقى، ولاعبو القمار وسواهم، وقام بأداء أدوارهم كل من لانا علوش وصفوت الجمال وعمار سلوم والحسن إبراهيم ومحمد نور سالم. 21 ممثلاً وممثلة توزعوا أدوارهم لتجسيد مشهد عمومي من حي أميركي شعبي، تسوده ضوضاء العمل والنقمة والملل من واقع لا يتغير، ومن تكرار لعادات يومية تتحول شيئاً فشيئاً، من الظفر بالحلم الأميركي المنشود إلى كابوس تزيده حرارة الجو اختناقاً وتعاسة ورغبة في القتل أو الجنون والانتحار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذه الأجواء المتباينة تدور في حكايات العائلات الأربع، التي حرص مخرج العرض على تقديمها للجمهور في شرطها الطبيعي، وضمن إطار ديكور واقعي للشقق المتجاورة. ساندته في ذلك موسيقى البلوز والسوينغ والجاز (محمود عكاش)، برفقة معزوفات البيانو التي تآلفت هي الأخرى في إضفاء جو من المرح والرومانسية على مشاهد "يوم عادي". التصميم المحكم للإضاءة (محمد نور الدرا) بدا لافتاً، وجاء متناغماً مع أزياء (ساما مسعود) وحركة الممثلين وصعودهم وهبوطهم من / وإلى المستوى العلوي من الخشبة.
وتحسب هذه التجربة للمخرج يزن الداهوك الذي سيطر بذكاء على ممثليه (مساعد مخرج علي إسماعيل)، وأتاح لهم فرصة تقديم أداء جماعي أسقطه بقوة على واقع البلاد الراهن، وهذا ما يمكن قراءته في المشهد الأخير من "يوم عادي"، إذ يقول آدم لروز بعد مقتل والدتها وعشيقها وهي تغادر الحي: "سنعيش، مع كل الآلام، ورغم كل الأشخاص الذين فقدناهم، ورغماً عن كل الكراهية التي تحيط بنا في الخارج، لكننا ها هنا سنعيش، يجب أن نعيش". مونولوغ جاء بمثابة خاتمة لعرض اختار أن يبقى في قالب اللغة العربية الفصحى لحوارات شخصياته، ولو أن صانعيه قرروا نقله إلى البيئة المحلية (دراماتورجيا حنين منصور) لكان أقرب إلى أي بناء في شارع الشعلان أو المزة، أو أي حي من الأحياء الشعبية للعاصمة السورية.