ملخص
جذبت شخصية بليغ حمدي أقلاماً عدة للكتابة عنه، سواء على نحو توثيقي، كما في كتاب أيمن الحكيم "موال الشجن"، أو في سيرة روائية، كما فعل الكاتب طلال فيصل في روايته "بليغ"، وكما فعلت الكاتبة والسيناريست وسام سليمان في كتابها "المزيكاتي" الصادر حديثاً عن "دار المرايا" مع تصنيفه ضمن "سيرة روائية".
يبدو السؤال البارز عند كتابة السيرة الغيرية لفنان ما، كيف يمكن للكاتب أن يحول حكايات شائعة على الألسن، وأخبار متناثرة هنا وهناك، إلى عمل فني، يؤلف بين السيرة والرواية؟
إن كان الفرق بين الرواية والسيرة الروائية، في أننا نقدم على قراءة الرواية، ونحن نجهل ما تحويه، أما السيرة الروائية، فإن الخط السردي المحوري لها، يكون معروفاً للقارئ، لكنه على رغم ذلك يقترب من السيرة، مدفوعاً برغبة التلصص لمعرفة ما خفي عنه، وما تمكن الكاتب من الكشف عنه خلال رحلة البحث والكتابة.
مغامرة سردية
لعل من الصعب الحديث عن بليغ حمدي والكتابة عنه من دون الوقوع في فخ التكرار. تمضي الكاتبة وسام سليمان في مغامرة سردية وبحثية جريئة وحميمة، تفتح بوابات عالمه، وتتسلل إلى ما وراء الأسوار والكلمات. وفي تقطيع سردي ممتع تستمده من موهبتها في كتابة السيناريو، يتحرك الزمن إلى الوراء والأمام في قفزات "فلاش باك" مشوقة، ترتد سريعاً إلى بليغ نفسه، بكل فوضاه وعبثيته واندفاعه وحبه وإخفاقاته، وكل محاولة جادة للكتابة عنه وعن حياته وموهبته ومصيره، تنطلق من نداء روحي عميق يأتي من بعيد، ويجد صداه في قلم مبدع.
وكلمة "المزيكاتي" تأتي من وصف بليغ لنفسه بهذه الكلمة حين يسأله أبوه، "عايز تطلع إيه يا بلبل لما تكبر؟"، فيجيب "مزيكاتي".
وتتكون الرواية من 12 فصلاً، تختار الكاتبة لها بداية مشوقة ومؤلمة في آن واحد، مع أكثر الجمل قسوة في حياة بليغ، "للأسف يا أستاذ الحكم مش حيبقى في صالحك"، في إشارة إلى الحادثة التي تعرض لها بليغ حمدي، وغيرت مجرى حياته بين ليلة وضحاها، أي انتحار المغربية سميرة مليان في شقته، وإدانته بسنة من السجن وسنة مراقبة، مما اضطره إلى الفرار إلى باريس.
وجاء نص سليمان مجدولاً بروح تلك المرحلة ولغتها، في حوار سلس ومعبر عن كواليس أهل الفن والصحافة والأدب. ويتداخل المجد الفني بالصراعات السياسية، وبحضور وعي متأجج بفكرة الهوية العربية في مطلع الخمسينيات، بعد نكبة فلسطين، ثم سقوط النظام الملكي، وتحول مصر إلى جمهورية، مما لا يمكن فصله عن أغنيات أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وموسيقى بليغ حمدي التي كانت حاضرة بقوة مع أبرز الأسماء الفنية على مدى عقود طويلة، إذ إن مجرد لحن منه لمطرب مجهول كافٍ لأن يقدم صاحبه إلى الساحة الفنية ويحوله إلى نجم.
هوى جارح
وتحتل قصة حب بليغ مع وردة التي بدأت عام 1959، جزءاً مهماً من الكتاب، إنها علاقة الحب المؤثرة بعمق شديد في حياته، وهي الأكثر ديمومة واضطراباً وجرحاً في آن واحد. وتميل سليمان إلى إدانة وردة في شأن طبيعة حبها لبليغ، وترجح في حكايتهما جانباً من البراغماتية من ناحية وردة، وهوى جارفاً من جانب "المزيكاتي" لا ينتهي حتى بعد هجرها له، لنقرأ "كان يعتقد أن زواج وردة من ذلك الصحافي هو نوع من الانتقام، تعبير شديد عن الغضب أو الغيرة، وسرعان ما سيعيدها الحب إلى صوابها، وهل من تحب تنسى بسهولة، وهل من تحب تجهض نفسها مرتين! ليته يجفف الذكريات ويتوقف عن اجترارها".
في المقابل يناقض هذا التصور ما تحكيه وردة خلال حواراتها المسجلة عن مرحلة زواجها ببليغ، فتكشف عن فوضويته وشكوكها بعلاقاته العاطفية، لكن على رغم ذلك لا يحجب كلام وردة وجود حب قوي من طرفها أيضاً، مما يجعل كلامها، وحتى تصريحاتها الأخيرة عنه، محمولاً بعتاب شديد وتأثر لا يخفى على أحد.
وتتوقف المؤلفة أمام علاقة بليغ مع أم كلثوم، وكيف كانت أغنية "حب إيه" فاتحة عمله معها، وترسم تفاصيلها بدقة في طبيعة رؤية سيدة الغناء العربي، للشاب الصغير الذي ظلت تعامله مثل ابن لها، وفي الوقت نفسه لم تخفِ نفورها من وردة، إلى حد أنها رفضت زيارة وردة لها في المستشفى.
وتتناول الرواية أيضاً، من وجهة نظر المؤلفة، موقف بليغ من زملائه الملحنين، القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، وعلاقاته مع الفنانات، مع تركيز على الجوانب الشخصية والنفسية لفناني تلك المرحلة، وتسرد مواقف وأحداث، وتكشف عن صرامة أم كلثوم والطيبة التي ميزت محمد فوزي والطبيعة الذاتية المباشرة لوردة وعبثية كامل الشناوي ونقاء سريرة عفاف راضي وعفوية شادية وحنكة نجاة الصغيرة.
وتحضر الخلافات الفنية بقوة في "المزيكاتي"، صراعات تحتدم فيها كل المشاعر الإنسانية السامة، من غيرة وحسد وتنافس، يبدو أنه لم ينجُ منها إلا بليغ نفسه الذي كان مأخوذاً بفنه وواثقاً منه، وعلى رغم ذلك لم يسلم من الإشاعات المغرضة التي نسجتها حوله الصحف، في اتهامات تدينه بسرقة لحن ما.
اختفاء مدينة
وتحضر مدينة القاهرة بكل جمالها ودفئها وتنوعها وثرائها في تلك المرحلة، وعلى رغم ذلك نشاهد تحولات المدينة وأهلها، في عيني بليغ حمدي والشاعر كامل الشناوي، لنقرأ "القاهرة التي أعطاها من عمره وحبه كل يوم، كم تغيرت! فندق شبرد الذي شهد جلساته الطويلة مع أساتذته أحمد شوقي وطه حسين وأحمد لطفي السيد راح مع حريق القاهرة، كازينو بديعة مصابني الصيفي، صولاته وجولاته الصحافية، وإلهامات الحب والشعر صعد مكانه فندق شيراتون، بار يني اليوناني أصبح مكانه عمارة اللوا، والبارزيانا انقلب إلى محل موبيليا. أنا حروح مع الأماكن دي بلا أثر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونشاهد مدينة الإسكندرية أيضاً في مشاهد كثيرة، فعلاقة بليغ مع زوجته الأولى أمنية تبدأ في الإسكندرية، إنها علاقة دامية أخرى في حياته، حملت تناقضاً وعذاباً للطرفين. واعتمدت سليمان في بعض الفصول على جانب من التخييل السردي، حين يحكي بليغ عن لقائه صدفة أمنية في أحد شوارع لندن، ثم يعود للقاهرة ويحكي لحليم الذي يرد عليه ساخراً أن أمنية ماتت من شهر، فكيف التقاها في لندن؟ وحكاية متخيلة أخرى في الفصل الأخير عن سارة، الشابة المصرية التي يلتقيها في أحد مقاهي باريس، ثم يتبين أنها من ضمن خيالاته.
وتختتم السيرة بعبارة بليغ لأخته خلال مرحلة مرضه، يقول "أنا بتولد من جديد يا صفية... يهرب من سجن المستشفى، يتمشى خفيفاً في شوارع باريس، يحب لونها البرتقالي في الخريف، يشعر بها معه تتمشى تتفرج على المحلات، وتختار معه ملابس جديدة تشبه عالمه الجديد". وهكذا بين الزمنين تمضي حياة بليغ حافلة بالفن والحب والصخب، وبالانكسار والمرض، هذا الفنان العبقري الذي أهلك كبده الحزن، وأضنى فؤاده الهوى.
وتنجح الرواية في التقاط صوت بليغ الداخلي و"مونولوغاته" النفسية وأثر غياب الحب عن حياته وآلامه الجسدية وإصابته بسرطان الكبد، ومشاهد من حياته في باريس وإحساسه الكبير بالاغتراب والشوق إلى مصر، ولعل الأهم من ذلك كله، غياب الأصدقاء المخلصين من حوله، بالموت أو الانسحاب بعد أزمته. وتبرع سليمان في رسم هشاشته وتوهانه وهيمانه، بتقديم صورة نفسية له منسجمة مع ما نعرفه عنه.