Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كواليس حرب الحكومة مع "مافيا" الأسعار في تونس

محللون يرون أن مجلس المنافسة المكلف بمكافحة تلك الممارسات المخلة أصبح "عاجزاً" عن مقاومتها

تحولت بعض الشركات إلى لوبيات أطلقت عليها المنظمات "مافيات" تقتسم السوق (أ ف ب)

ملخص

من المفترض أن يخلق تقديم السلع أو الخدمات نفسها من مجموعة من المؤسسات في سوق واحدة تنافساً يؤدي إلى سعي كل مؤسسة إلى كسب العملاء بتقديم منتجات أفضل بأسعار أقل، لكن تغيب هذه البدهيات على السوق التونسية

عملت القوانين في تونس على مكافحة تشكل "كارتلات" (تحالفات) تجارية تعصف بالقدرة الشرائية للمستهلكين في البلاد، وتجسدت في إطار قانوني هو مجلس المنافسة الذي أحدث منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد أسس بمقتضى القانون عدد 42 لعام 1995، ومن مهماته النظر في الدعاوى المرفوعة إليه حول ممارسات مخلة بحرية المنافسة كالاتفاق بين الشركات حول الأسعار ومحاربة تنظم المؤسسات المروجة للسلع في صورة "لوبيات" نافذة متحكمة في السوق، علاوة على البت في جلساته العامة في الامتيازات الاقتصادية والتمثيلات التجارية للشركات العالمية داخل الأسواق التونسية.

لكن لم يلمسه التونسيون بعد مرور 30 سنة كأثر مباشر  في السوق، بل على العكس تغولت بعض الشركات في معظم القطاعات، ويمكن ملاحظة احتكارها للسوق وتحديدها للأسعار، بعد أن تحولت إلى "لوبيات" أطلقت عليها بعض المنظمات "مافيات تقتسم السوق"، في ما بينها بطريقة ترضي أصحابها وتخنق التونسيين.

وأشار إليهم الرئيس التونسي قيس سعيد في عدد من المناسبات، في ما أطلق عليه "حرب التصدي للمحتكرين والمضاربين"، بهدف حماية القدرة الشرائية للمواطنين من ارتفاع الأسعار واختفاء بعض السلع الأساسية.

وعلى رغم القيام بتدخلات مباشرة بين زيارات ميدانية وعقوبات للمحتكرين ووضع سقف لتخزين السلع، مما أدى إلى إيقافات وسجن عدد من التجار، لم يلاحظ تنافسية صحية في السوق، وهو ما دفع بالحكومة إلى التدخل لتعديل الأسعار من طريق التسقيف والتأطير من دون التمكن من كسر شوكة أرباب الأسعار الموحدة.

وهم يختلفون بحسب السلع والخدمات ويجتمعون عند هامش الربح، الذي يبدو متفقاً عليه تحت أعين أجهزة الرقابة العاجزة.

ومن المفترض أن يخلق تقديم السلع أو الخدمات نفسها من مجموعة من المؤسسات في سوق واحدة تنافساً يؤدي إلى سعي كل مؤسسة إلى كسب العملاء بتقديم منتجات أفضل بأسعار أقل، لكن تغيب هذه البدهيات على السوق التونسية، إذ إنه من النادر ملاحظة تنافس يحقق استفادة المستهلكين، بل تتطابق الأسعار مما يجسد مخالفة لمبادئ المنافسة والقانون، ويشمل ذلك جميع السلع والخدمات، لكنها تبدو أكثر وضوحاً لدى المواد الغذائية المصنعة وخدمات الاتصال والخدمات البنكية.

تدخلات خجولة

وإن تعددت الأمثلة حول الاتفاق على الأسعار أو الزيادة المتزامنة فيها من طرف مؤسسات اقتصادية من المفترض أن تكون العلاقة بينها تنافسية، فإن مواجهتها من المجلس الأعلى للمنافسة بدا خجولاً، ومن تدخلاته على سبيل المثال إصداره قراراً ابتدائياً يقضي بإدانة شركات منضوية ضمن مجمع لتوزيع المشروبات الغازية وتسليط خطية مالية عليها قدرها 20 مليون دينار (6.9 مليون دولار) في مارس (آذار) 2024 على خلفية ممارسات مخلة بالتنافسية ومجسدة لوضعية الهيمنة على السوق بمقتضى الفصل 5 من القانون 36 لعام 2015 المتعلق بتنظيم الأسعار، وأصدر مجلس المنافسة قراراً ابتدائياً قاضياً بإدانة عدد من المؤسسات البنكية وتسليط خطايا مالية قدرها 142 مليون دينار (48.9 مليون دولار) في مايو (أيار) 2024، بسبب ارتكابها ممارسات مخلة بالمنافسة تمثلت في الاتفاق على توظيف فوائض مرتفعة على القروض المؤجلة أثناء جائحة كورونا، كما سلط خطايا مالية على شركات تنشط في قطاع المحروقات بمبلغ جملي يناهز 4 ملايين دينار (1.37 مليون دولار)، وذلك من أجل ممارسات مخلة بالمنافسة وذلك في مارس 2024.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بينما اكتفى بالتنبيه والدعوة إلى التبليغ بخصوص أسعار اللحوم الحمراء في تعهد نشره في أبريل (نيسان) 2024 قال فيه إنه سيدرس ظروف المنافسة في سوق اللحوم الحمراء، ودعا إلى الإبلاغ عن أية مخالفة قانونية تخص مجال المنافسة وتقاسم الأسواق، وتحفظ في التاريخ نفسه على التعريفة المرجعية التي نشرها مجمع المحاسبين للبلاد التونسية واتخذ قراراً بـ"اتخاذ وسيلة تحفظية وقتية بإيقاف التعامل بها إلى حين البت في النزاع"، وفي خطوة مشابهة أصدر قراراً في شأن الأسعار التي قررها المجلس الوطني لعمادة الأطباء في يناير (كانون الثاني) 2025، التي تخص العيادات والتدخلات الطبية باتخاذ وسيلة تحفظية وقتية بإلزام المجلس الوطني لعمادة الأطباء بتعليق العمل بالتعريفة الجديدة، إلى حين البت في أصل النزاع المنشور أمام المجلس.

وفتح تحقيقاً في تواتر الزيادات المتزامنة في تسعيرة خدمات شركات الاتصال الثلاث تلك التي دأبت عليه بصفة دورية عام 2020، بعد ما وصفه بشبهة اتفاق بين المشغلين الثلاث للزيادة في أسعار خدمات الإنترنت. وكان التعهد تلقائياً، ويشار إلى أن الشركات الثلاث دأبت على الزيادة الدورية بصفة جماعية ومتزامنة للأسعار، لكن لم تسلط عقوبات على مؤسسات الاتصالات بعد ذلك.

ثغرات ملغومة

وذكر رئيس منظمة "ألارت" لؤي الشابي أن "الأزمة التي زادت من تفاقم ظاهرة احتكار تحديد الأسعار بالتالي السلع وعملية العرض في السوق تعود لطبيعة المؤسسة المكلفة بالرقابة، وهي مجلس المنافسة الذي كان من المفترض قيامه بمهمة رقابية ثم ردعية بحكم اشتماله على الصفة القضائية، إذ يقوم فعلاً بتلقي الشكايات ودراستها أو التعهد بها بصفة طوعية وقد سلط العقوبات في مناسبات عدة على قلتها لكنها لم تجسد". وأضاف "يفتقر المجلس إلى الآلية الإدارية التنفيذية التي تفعل هذه العقوبات، فهو مجلس يضطلع بقضايا ويصدر فيها أحكاماً لا تنفذ ولا تحقق غايتها الزجرية، ولا يقر القانون عقوبات لعدم تنفيذ قرارات مجلس المنافسة، بينما تستأنف أمام المحكمة الإدارية أو الطعن فيها، كما لا يمكن القانون المنظم للمجلس من تحويل ملفات الجلسات التي يقوم بها إلى دائرة قضائية بمحكمة تونس وتفتقر المحاكم إلى دوائر متخصصة كذلك، وهو في آخر المطاف أحد هياكل وزارة التجارة وتحت إشرافها، وتظل هذه الحلقة المفرغة عائقاً أمام الردع المطلوب".

واستدل الشابي على ضعف هذا الهيكل المكلف بمهمات كبرى بضعف العقوبات المالية التي يسلطها ثم عدم القدرة على استخلاصها، إذ لم تتجاوز قيمة الخطايا المسلطة المستخلصة من جانبه 4.5 مليون دينار (1.55 مليون دولار) منذ تأسيسه حتى 2014، قائلاً "هو عاجز عن استخلاص خطاياه، ويسهم ضعف أداء هذه المؤسسة في ارتفاع الاختلالات، ويسير لصالح  لوبيات وكارتيلات الأسعار بحكم تكريس الإفلات من العقاب، ويزيد الضرر بالمستهلك، مما يطرح أسئلة عديدة حول خلفيات تجريده من كل صلاحية تنفيذية للعقوبات وإفراغه من مهماته الحقيقية وشلله التام، وتحوله إلى هيكل شكلي ودور المستفيدين في ذلك".

من جانبه كشف رئيس منظمة إرشاد المستهلك (مستقلة) لطفي الرياحي عن أن "المنظمة رفعت عدداً من الشكاوى لمجلس المنافسة تخص الهيمنة على الأسعار واحتكار السوق وينتظر البت فيها"، لكنه لاحظ أن التدخلات السابقة للمجلس كانت غير موفقة وضعيفة واستدل على ذلك بالعقوبة المسلطة على البنوك، وهي 142 مليون دينار (48.9 مليون دولار) والحال أن القروض ذات الفوائض الإضافية المجحفة التي رفعتها محكمة المحاسبات في تقريرها بلغت 32 ألف قرض، مما يشير إلى تواضع الخطية المسلطة على 17 بنكاً قاموا بتحديدها والاستفادة منها.

وقال الرياحي إن هذه الكارتيلات لا تتحرك فرادى، بل انطلاقاً من المنظمات المهنية القانونية التي تجمعها على غرار الغرف التجارية وجمعيات المؤسسات المالية التي تتكتل فيها دفاعاً عن مصالحها، معتبراً أن أقوى الكارتيلات المتحكمة في الأسعار هي لوبيات البنوك، مطالباً الحكومة بالتدخل في هيكلة الأسعار.

يشار إلى تقدم نواب بالبرلمان التونسي في الفترة الأخيرة  بمبادرة تشريعية لتنقيح قانون المنافسة والأسعار، في سعي منهم إلى الرفع من قيمة الخطايا وإضافة العقوبة السجنية. ولم يتطرق المقترح إلى الثغرات الخطرة في قانون مجلس المنافسة بخصوص تنفيذ العقوبات واستخلاص الخطايا والتجاذبات، وعدم تمتعه بالاستقلالية.

اقرأ المزيد