ملخص
"متصرفية جبل لبنان في الوثائق العثمانية" هو عنوان الكتاب الصادر من "مؤسسة التراث الدرزي" في لبنان للمؤرخ اللبناني أحمد حطيط في 1137 صفحة، تتوزع على قسمين اثنين، يشكل الأول دراسة وثائقية لقضايا سياسية، وإدارية، وأمنية، واقتصادية، وتربوية، واجتماعية، تعود إلى زمن المتصرفية. ويشتمل الثاني على 88 وثيقة محققة، يعود معظمها إلى النصف الثاني من القرن الـ19، ويعود بعضها إلى النصف الأول منه، ويتعلق بعضها الآخر بالعقدين الأولين من القرن الـ20، ناهيك بمجموعة من الفهارس والمصادر والمراجع تشغل 60 صفحة. وبذلك، نكون إزاء كتاب مرجعي يؤرخ لحقبة مهمة في تاريخ لبنان.
تتموضع حقبة المتصرفية بين عامي 1861 و1918، ويطلق عليها المؤرخون تسمية المتصرفية تيمناً بالنظام الأساس الذي جرى إنشاؤه بموجب بروتوكول التاسع من يونيو (حزيران) 1861، بالتوافق بين السلطان العثماني والدول الأوروبية الخمس، بريطانيا وفرنسا وروسيا وبروسيا والنمسا، ومنح بموجبه جبل لبنان استقلالاً ذاتياً، على أن يتولى إدارة ذلك النظام متصرف كاثوليكي من رعايا الدولة العثمانية، ويعاونه مجلس إدارة يمثل الطوائف اللبنانية في الجبل. وقد جاء ذلك النظام ليضع حداً لحقبة من الاضطرابات الطائفية استمرت 20 عاماً، من جهة، وليؤسس لحقبة إنشاء لبنان الكبير في عام 1920، من جهة ثانية.
وبذلك، تعود الحقبة موضع الدراسة إلى قرن وستة عقود ونصف العقد من الزمان، يقوم المؤرخ بدراستها، مستنداً إلى الوثائق العثمانية، مما يمنحها صدقيتها التاريخية، ذلك أن الوثائق هي المصدر الأكثر صدقية في دراسة التاريخ، فالمؤرخ لا "ينطق عن الهوى"، حسب التعبير القرآني، بل يصدر عن الوثائق الرسمية، وعن مجموعة من المصادر والمراجع التاريخية الموثوق بها، وهذا ما يمنح الكتاب أهميته المرجعية، وهو ما يتمظهر في الدراسة والوثائق المدروسة، على حد سواء.
مقدمات تاريخية
أما الدراسة فيضعها في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، تشكل مجتمعة القسم الأول من الكتاب. يشير حطيط في المقدمة إلى مصادر الدراسة من وثائق ومصادر ومراجع وصحف ومجلات، ويحيط بظروف نشأة المتصرفية، ويبين أقسام الكتاب ومحتويات الفصول، ويذكر منهجيته في تحقيق الوثائق ومنهجه في التعامل معها، بحيث يحاول الجمع بين التوثيق والتحليل والتفكيك والتركيب. ويرصد في الفصل الأول المقدمات التاريخية لقيام المتصرفية، بدءاً بالإمارة مروراً بالقائمقاميتين، ففي عهد الإمارة بمرحلتيها، المعنية والشهابية، يشكل نزوح الموارنة من جبل لبنان الشمالي إلى الجنوبي، بدءاً من أواخر القرن الـ16، لأسباب اقتصادية وسياسية وعسكرية، معطوفة على تدخلات خارجية، بداية تحول ديموغرافي على حساب الدروز، وتحول سياسي يتمثل بتقليص نفوذ مشايخهم في ظل الحكم الشهابي، مما يترتب عليه توترات في العلاقة بين الطائفتين، تغذيها تدخلات القناصل وتواطؤ السلطة العثمانية، فتتحول إلى اضطرابات ميدانية.
وفي عهد القائمقاميتين، يفشل النظام الذي أنشئ لتخفيف التوتر ورأب الصدع، في تحقيق الغاية من إنشائه، فتندلع أعمال عنف متقطعة بينهما، طوال 20 عاماً، مما يجعل السلطة المتواطئة والدول المتدخلة تتداعى لوضع حد لها، بإنشاء نظام المتصرفية. وهنا، لا بد من الملاحظة أن المؤرخ في هذا الفصل التمهيدي يحيل إلى مصادر ومراجع مختلفة، ولا يستند إلى الوثائق المدروسة، باعتبار أن الأخيرة تتناول بمعظمها مرحلة المتصرفية الممهد لها، وهو ما لا ينطبق على الفصلين اللاحقين اللذين يستندان إلى الوثائق، إلى حد كبير.
أحوال المتصرفية
يرصد حطيط في الفصل الثاني أحوال جبل لبنان في عهد المتصرفية، من خلال الوثائق المحققة، فيتناول قيام المتصرفية، بموجب بروتوكول التاسع من يونيو 1861، الذي يمنح جبل لبنان استقلالاً ذاتياً، على مساحة 3727 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل ثلث مساحة لبنان الكبير، ويقسمه إلى 6 مقاطعات و40 ناحية. ويتناول المسكوت عنه في تاريخ المتصرفية، على المستوى الإداري والشعبي والسياسي والاجتماعي والعقاري والأمني وغيرها، فتجتمع في هذا الفصل أحداث مختلفة، متنوعة، لا يربط بينها سوى حصولها في الحقبة التاريخية نفسها، ويتجاور فيه تعيين الموظفين والقضاة، وتقارير المخبرين، وشكاوى الناس، ووضع الإدارة، وموقف متصرف من قضية مطروحة، ووفاة آخر، على سبيل المثال لا الحصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والملاحظ، في هذا السياق، أن حطيط كثيراً ما يكتفي بعرض مضامين الوثائق دون تحليلها واستثمارها بما يكفي للخروج بدروس تاريخية، ويبرر اكتفاءه بالعرض "بضرورة الإسراع في وضع حصيلة جهده العلمي في متناول الباحثين والمهتمين، دون انتظار استكمال تحليل بعض النصوص في وجهة الصياغة التاريخية الأكثر اكتمالاً ونضجاً، وذلك بهدف إشراكهم بنتائج ما توصل إليه في دراسته للوثائق" (ص 22). وهذا التبرير، على وجاهته، لا يعفي المؤرخ المحقق من استثمار الوثائق التي حقق، على خير وجه. فمن أدرى من أهل مكة بشعابها؟
جوانب من الحياة
يتناول في الفصل الثالث جوانب من الحياة الاقتصادية والتربوية وقضية الهجرة، فيشير، على المستوى الاقتصادي، إلى ازدهار زراعة التبغ في المتصرفية، في النصف الأول من القرن الـ19، وخضوعها للتجاذب التجاري بين الدولة العثمانية وبعض الشركات الفرنسية، مما أدى إلى تراجعها، في نهاية المطاف. ويشير، على المستوى التربوي، إلى انتشار المدارس الوطنية، الخاصة والرسمية، في مدن وقرى المتصرفية رداً على المدارس الأجنبية التي سبقتها إلى الانتشار، بفعل تنافس الإرساليات الأجنبية. ويشير إلى تأخر المدارس الإسلامية عن محاكاة المدارس المسيحية بضع سنين. وفي الفصل نفسه، يرصد حطيط ظاهرة الهجرة بأسبابها المتعددة ونتائجها الإيجابية والسلبية، فنقع في الأسباب على الهرب من الشقاء والاضطهاد، والسعي إلى رغد العيش، من جهة. ونقع في النتائج على تحقيق الثروة والمكانة المرموقة، والعيش في مجتمعات متحضرة، وفك العلاقة بالأرض، وتراجع القطاعات الاقتصادية الوطنية، من جهة ثانية.
أما الوثائق المدروسة فتشغل القسم الثاني والأكبر من الكتاب، ويبلغ عددها 88 وثيقة، يعود معظمها إلى القرن الـ19، ويعود بعضها إلى العقدين الأولين من القرن الـ20. وتتوزع على شؤون المتصرفية المختلفة، القانونية والإدارية والسياسية والأمنية والعسكرية والدينية والتربوية والعقارية والاقتصادية، مما يشكل مادة مرجعية أولية للباحثين والدارسين. على أن منهجية حطيط في تحقيقها تتمظهر في: تحديد مصدر الوثيقة في الزاوية اليمنى منها، إبقاء النص على حاله والاكتفاء بتصحيح الأخطاء اللغوية، توثيق الحوادث والأعلام والأماكن، واعتماد التقاويم الهجري والرومي والميلادي في تأريخها. وهي تقنيات معتمدة في التحقيق على أنواعه.
وعودٌ على بدء، "متصرفية جبل لبنان في الوثائق العثمانية" كتاب مرجعي، زاخر بالوثائق الرسمية، يشكل إضافة نوعية للمكتبة التاريخية اللبنانية والعربية، وضرورة موضوعية للباحث والدارس، على حد سواء. وهذا التقييم مرده إلى الجهد الكبير الذي بذله حطيط في التأريخ والتحقيق، وإلى الاهتمام الذي أولته مؤسسة التراث الدرزي للكتاب، فجاء على قدر التوقعات، في الشكل والمضمون. ويحق له تبَوُّء الرفوف العليا من المكتبات.