ملخص
مساهمة قوانين الحروب في إرساء العدل والأمان غير فعالة خصوصاً في صراعات معقدة مثل صراعات منطقة الشرق الأوسط، أو كما ظهر أخيراً في حرب روسيا وأوكرانيا.
في وقتنا الراهن، تزداد، بصورة مستمرة، سطوة الحروب أمام عجز القوانين الدولية عن حماية المدنيين. ويعد كثر مساهمة قوانين الحروب في إرساء العدل والأمان مساهمة هشة وغير فعالة في كثير من النزاعات الطويلة والدامية الحديثة، خصوصاً في صراعات معقدة مثل صراعات منطقة الشرق الأوسط، أو كما ظهر أخيراً في حروب إيران وإسرائيل والسودان وأوكرانيا. وعلى رغم ذلك لا نستطيع إلغاء هذه القوانين. والسؤال الذي يتبادر إلى أذهان الناس هو: هل نحتاج هذه القوانين التي تتحدث عن حقوق الإنسان نظرياً ما لم يلتزمها عملياً ولم تكن رادعة للأطراف المتنازعة؟ وبناء عليه يتولد السؤال الأهم هنا وهو: هل نستطيع جعل هذه القوانين أكثر صرامة أم أننا نحتاج إلى تغييرها جذرياً بعد مرور قرون من الزمن على إرسائها؟
تدابير أخرى
من جهة ثانية، يؤكد أكاديميون ومتخصصون في مجال حقوق الإنسان والأسلحة غير التقليدية أنه من الممكن اتخاذ تدابير وقائية أخرى مثل مراقبة الأسلحة الناشئة والمتطورة لتعزيز دور هذه القوانين بصورة غير مباشرة.
وحماية الإنسانية في زمن النزاع هي فكرة تقليدية وعامة لكنها مهمة للغاية. ووفقاً لمنظمات حقوقية وجمعيات أممية فإنه، في أوقات النزاع المسلح، حينما يهدد العنف والفوضى بتدمير المجتمعات، توجد مجموعة من القواعد الأساسية تهدف إلى حماية الكرامة الإنسانية والتقليل من المعاناة. وتعرف هذه القواعد باسم القانون الدولي الإنساني أو قانون الحرب، وهي تضمن أنه حتى في أوقات الحرب، هناك حدود يجب عدم تجاوزها. وإلى جانبها، يستمر القانون الدولي لحقوق الإنسان في حماية الحقوق الأساسية للجميع، حتى في أحلك الظروف.
ما قوانين الحرب؟
وفقاً للموسوعة العلمية الأوروبية ومصادر كثيرة أخرى، تستند قوانين الحرب إلى مجموعة من الاتفاقات الدولية، أبرزها اتفاقات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، إلى جانب اتفاقات لاهاي والقانون العرفي الدولي، إذ وضعت هذه المعاهدات استجابة للدمار الذي خلفته الحروب الماضية، بهدف تنظيم سلوك الأطراف المتحاربة وحماية من لا يشاركون مباشرة في القتال.
التمييز والموازنة
من بين أول المبادئ الأساسية لهذه القوانين التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، إذ يجب على الأطراف التمييز دائماً بين الأهداف العسكرية والمدنيين، فلا يجوز استهداف المدنيين أو ممتلكاتهم، ويجب أن يكون الضرر العرضي الواقع على المدنيين أثناء استهداف أهداف عسكرية مبرراً بالنسبة إلى الفائدة العسكرية المرجوة، كذلك يجب الموازنة بين الضرورة العسكرية والإنسانية. فعلى رغم أن الضرورة العسكرية تجيز بعض الأعمال لتحقيق النصر، فإنها لا تبرر القسوة أو المعاناة غير الضرورية للآخرين، ويحظر استخدام وسائل كالأسلحة العشوائية أو التعذيب.
تجدر الاشارة هنا إلى أن هذه المبادئ ليست نظرية فحسب، بل تعد ملزمة لجميع أطراف النزاع، سواء كانت دولاً أو جماعات مسلحة غير حكومية.
قبل قرن من الزمن
قبل قرن من الزمن، لم تكن الأسلحة متطورة بهذه الصورة المرعبة، فالأسلحة التقليدية، بكامل أنواعها، لا تؤدي إلى مثل هذا الدمار الذي يشهده العالم اليوم، لذلك تعد اتفاقية جنيف لعام 1949 ثمرة فكرية إنسانية قديمة للغاية لتلك النزاعات التي دارت بأسلحة أقل فتكاً وأهمها الحربان العالميتان الأولى والثانية.
تدابير وقائية أخرى
لذلك تحتاج ترسانة القوانين الدولية هذه في وقتنا الراهن إلى مساعدة حقيقية. وعلى سبيل المثال لا بد من تفعيل فكرة التدابير الوقائية لمنع انتشار الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. وفي أطروحة دكتوراه لمتخصص في هذه الشؤون أندريا فيسكي، نشرت على منصات التواصل، في فبراير (شباط) 2022، حذر الباحث في مقالة مطولة من التهاون في هذا المجال الخطر. وقال فيسكي "يشكل انتشار الأسلحة التقليدية المتقدمة تهديداً خطراً للسلم والأمن الدوليين. ويتبع امتلاك عدد متزايد من الدول أنظمة أسلحة متطورة اتجاهاً تتعزز فيه فعالية أنظمة أسلحة تقليدية محددة من خلال دمج التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أو الروبوتات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الوصول إلى التقنيات الناشئة
أضاف فيسكي "في حين أن الأجهزة والمعدات والمواد والمكونات لهذه الأنظمة يمكن تصنيعها محلياً أو استيرادها، فإن الوصول إلى التقنيات الناشئة المتعلقة بالأسلحة التقليدية وحيازتها يمثل تحدياً أكثر صعوبة. وللتخفيف من خطر انتشار الأسلحة التقليدية، يجب على الدول وضع استراتيجيات للتعرف إلى عمليات الاستحواذ الضارة على التكنولوجيا واستباقها ومواجهتها".
الوصول الخبيث للأسلحة
ورأى فيسكي أن الوصول الخبيث لهذه الأسلحة والاستحواذ على كثير منها، بطرق غير شرعية، هو من أخطر مسببات الحروب، وسبب رئيس لعدم الالتزام بقوانين الحروب وحقوق الإنسان في النزاعات الحديثة، إذ تحلل هذه المقالة تهديد الأسلحة التقليدية والتكنولوجيات الناشئة من خلال وصف أنماط الاستحواذ والتحديات التي تشكلها للدول والقطاعات المستهدفة. وتربط المقالة هذه الأنماط بالتدابير الوقائية التي يمكن للحكومات وشركات التكنولوجيا التابعة لها اتخاذها لمنع الاستحواذ الخبيث على مثل هذه الأسلحة المتطورة والفتاكة.
اهتمام عالمي أقل
أما المجال الذي يحظى باهتمام عالمي أقل، لكنه يمثل تهديداً كبيراً للانتشار، فهو الاستحواذ غير المشروع على التكنولوجيا. ومن الأمثلة الأكثر وضوحاً على هذا النشاط السرقة الإلكترونية أو التجسس، ولكن في كثير من الحالات، تستغل التبادلات والتفاعلات الأكاديمية والطلابية لتحقيق أهداف الانتشار، ولأن هذه التصنيفات أقل وضوحاً من اقتناء السلع الملموسة، فإن الموارد المتاحة عموماً داخل الأنظمة الوطنية لاستباقها ومواجهتها أقل.
FDI
الـFDI هو اختصار لمصطلح اقتناء التكنولوجيا من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر. ويعد تصنيفاً آخر مثيراً للقلق، وفق رسالة الدكتوراه التي أشرنا إليها سابقاً، إذ يمكن أن تكون للتقنيات المكتسبة من الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا استخدامات خطرة في سياق الحرب المضادة للأسلحة النووية. وعلى رغم أن تقنيات المنظمات المكتسبة تبدو ذات استخدامات مدنية فحسب، فإنها في الواقع لها استخدامات عسكرية أيضاً.
على سبيل المثال، يمكن النظر في عمليات الاستحواذ الأجنبية في صناعة السيارات، وتحديداً في تقنيات مثل استشعار شاغلي المركبات من بعد أو تقنيات التفاعل بين الإنسان والآلة، نظراً إلى التطبيقات العسكرية المحتملة لهذه التقنيات (أي أن تقنيات التفاعل بين الإنسان والآلة يمكن أن تسمح للبشر والآلات بالتفاعل بصورة فضلى في بيئة عسكرية).