ملخص
تتيح هذه الآلية لأي طرف مشارك ضمن الاتفاق، في حال اعتقاده بحدوث خرق كبير من جانب إيران، المطالبة بإعادة فرض العقوبات الأممية السابقة بصورة تلقائية، من دون الحاجة إلى تصويت جديد في مجلس الأمن.
في خضم التوتر المتصاعد حول البرنامج النووي الإيراني، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الأدوات القانونية إثارة للجدل في الاتفاق النووي لعام 2015، "آلية الزناد". هذه الآلية التي وضعت في صلب الاتفاق كوسيلة ردع نهائية، باتت تمثل اليوم كابوساً سياسياً واقتصادياً لطهران، إذ تفتح الباب أمام إعادة فرض العقوبات الدولية من مجلس الأمن، من دون الحاجة إلى توافق جماعي.
وضمن أحدث التصريحات الإيرانية قال وزير الخارجية عباس عراقجي أول من أمس الأربعاء إنه "منذ أعوام نتباحث مع الصين ورسيا حول سبل منع تفعيل آلية الزناد، ووضعنا إجراءات بهذا الخصوص، على رغم احتمال عدم نجاحها"، مضيفاً أن تبعاتها على الاقتصاد الإيراني جدية وثقيلة، ويجب العمل على منع تفعيلها.
بدورها، ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وجهوا رسالة إلى الأمم المتحدة، حذروا فيها من احتمال تفعيل آلية "العودة التلقائية للعقوبات (سناب باك)، إذا لم تقدم إيران على اتخاذ خطوات ملموسة.
وأوضحت الصحيفة، ضمن تقرير نشرته خلال الـ13 من أغسطس (آب) الجاري أن الرسالة التي بعثتها الدول الأوروبية الثلاث إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن، جاء فيه: "لقد أوضحنا بجلاء أنه إذا لم تبد إيران بحلول نهاية أغسطس الجاري رغبة في التوصل إلى حل دبلوماسي، أو لم تستفد من فرصة التمديد، فإن الترويكا الأوروبية مستعدة لتفعيل آلية إعادة فرض العقوبات".
ما هي آلية الزناد؟
"آلية الزناد" أداة قانونية نُص عليها في القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي صادق على الاتفاق النووي الإيراني ضمن خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. وتتيح هذه الآلية لأي طرف مشارك ضمن الاتفاق، في حال اعتقاده بحدوث خرق كبير من جانب إيران، المطالبة بإعادة فرض العقوبات الأممية السابقة بصورة تلقائية، من دون الحاجة إلى تصويت جديد في مجلس الأمن.
وبموجب هذه الآلية، تُفعل العقوبات خلال 30 يوماً من تاريخ الإخطار الرسمي بحدوث خرق، ما لم يصدر عن مجلس الأمن قرار يمنع ذلك، إلا أن هذا الاحتمال يكاد يكون مستحيلاً نظراً إلى أن أي عضو دائم في المجلس يمكنه استخدام حق النقض (الفيتو) لإسقاط القرار المقترح، مما يجعل عودة العقوبات أمراً شبه تلقائي حال تفعيل الآلية.
ظلت آلية الزناد لأعوام مجرد ورقة ضغط رمزية، لا سيما بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، لكن تصاعد التوترات في شأن برنامج إيران النووي، إلى جانب السلوك الإقليمي المزعزع للاستقرار لطهران، أعاد هذه الأداة إلى صدارة النقاشات داخل العواصم الغربية، مع تزايد المطالب بتفعيلها لاحتواء ما يوصف بعدم امتثال إيران لالتزاماتها.
محاولة إدارة ترمب غير الناجحة
خلال أغسطس 2020، أثناء الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلنت إدارته تفعيل "آلية الزناد"، وعلى رغم انسحابها الرسمي من الاتفاق النووي عام 2018 قوبلت هذه الخطوة برفض واسع داخل مجلس الأمن الدولي، بما في ذلك من قبل حلفاء واشنطن التقليديين مثل بريطانيا وفرنسا، الذين شددوا على أن الولايات المتحدة لم تعد طرفاً في الاتفاق، بالتالي لا يحق لها قانوناً استخدام الآلية.
هذا الرفض أدى إلى فشل مسعى واشنطن آنذاك، وأبقى العقوبات الأممية مرفوعة، على رغم تصاعد حدة الخطاب الأميركي ضد البرنامج النووي الإيراني.
تعثر جهود إحياء الاتفاق النووي
أُفرغ تحرك واشنطن عام 2020 من مضمونه عملياً، إذ لم يقم مكتب الأمانة العامة للأمم المتحدة باتخاذ أي إجراء لإعادة تفعيل العقوبات، مما جعل المحاولة الأميركية بلا أثر قانوني أو تنفيذي فعلي.
وخلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن جرت محاولات مكثفة لإحياء الاتفاق النووي، إلا أن هذه الجهود تعثرت مع تصاعد الأنشطة النووية الإيرانية، التي شملت رفع مستويات تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة، وتقليص مستوى تعاون طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى تعميق شراكتها العسكرية مع موسكو، لا سيما في مجال الطائرات المسيرة المستخدمة في الحرب الأوكرانية.
ومطلع عام 2024، أعلنت طهران رسمياً أنها رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 84 في المئة، وهي نسبة تقترب من عتبة الاستخدام العسكري. وحذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن ما يعرف بـ"زمن الاختراق النووي" لإيران تقلص إلى أقل من أسبوع.
تحذير أوروبي وتصعيد في البرنامج النووي
وسط التصعيد النووي المستمر، وتزايد مؤشرات التعاون العسكري بين إيران وكل من كوريا الشمالية والصين وروسيا، وجهت فرنسا اتهاماً مباشراً لطهران بنقل تكنولوجيا صاروخية إلى ميليشيات تابعة لها في سوريا ولبنان، مما أثار قلقاً متزايداً لدى الدول الغربية.
وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أصدرت الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بياناً مشتركاً حذرت فيه من أن استمرار إيران في انتهاك التزاماتها النووية سيدفع باتجاه إعادة تفعيل العقوبات الدولية.
وجاء ضمن البيان أن "لندن وباريس وبرلين تحذر من أنه إذا لم تعد طهران إلى التزاماتها الأساس بحلول نهاية مارس (آذار) 2025، فإن خيار إعادة فرض العقوبات الأممية سيظل مطروحاً على الطاولة".
تقرير الوكالة الذرية: أرقام مقلقة
ووفقاً لتقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال الـ17 من مايو (أيار) الماضي، فإن إيران تمتلك نحو 9248 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، من بينها أكثر من 400 كيلوغرام مخصبة بنسبة 60 في المئة، وهي نسبة تتجاوز بكثير الحدود المتعارف عليها للاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، ضمن تقريره الصادر خلال الـ20 من يونيو (حزيران) الماضي، أن أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة لا تزال تحت رقابة الوكالة. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الكميات الدقيقة المتبقية غير واضحة حتى الآن، في أعقاب الضربات الجوية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على منشآت نووية إيرانية خلال الشهر نفسه.
ولم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى الآن من تأكيد ما إذا كانت هذه المواد تضررت أو جرى نقلها عقب الهجمات، فيما طالبت بالحصول على وصول فوري للتحقق من مواقعها ومصيرها الفعلي.
تقديرات استخباراتية
في المقابل، أظهرت تقديرات استخباراتية غربية أن إيران لا تزال تحتفظ بالقدرة التقنية واللوجيستية الكافية لإنتاج سلاح نووي أو استعادة مستويات التخصيب المرتفعة خلال فترة زمنية لا تتجاوز بضعة أسابيع إلى ثلاثة أشهر، حتى بعد الضربات الأخيرة التي استهدفت بنيتها التحتية النووية.
وتناقض هذه المعطيات التقديرات السابقة التي رجحت أن طهران تملك نحو 120 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، إذ تشير المعلومات الجديدة إلى أن مخزونها بلغ نحو 400 كيلوغرام بحلول منتصف يونيو الماضي. وهذه نسبة تخصيب تقترب من المستوى المستخدم عسكرياً، أو قد تكون تجاوزته فعلياً. وعلى رغم ذلك، فإن جزءاً من هذا المخزون قد يكون نُقل أو أُخفي بعد الهجمات، ولا تزال الوكالة تجهل الكميات التي بقيت في أماكنها الأصلية.
احتمالية تفعيل آلية الزناد
تدرس كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا رسمياً خيار تفعيل آلية الزناد، لكن حتى الآن لم تقدم أية خطة رسمية إلى مجلس الأمن للمضي في هذا المسار. ونقلت مصادر دبلوماسية أوروبية أن الدول الثلاث "تدرس جميع الخيارات المتاحة لاستعادة صدقية القرار 2231، بما في ذلك تفعيل آلية الزناد".
وفي المقابل، جددت الصين موقفها الرافض لأية خطوة أوروبية نحو تفعيل هذه الآلية، معتبرة أن اللجوء إليها في هذا التوقيت سيضر بالمسار الدبلوماسي. أما روسيا، فحذرت من أن إعادة فرض العقوبات الدولية على طهران "ستشكل نهاية كاملة لأي تعاون مع إيران".
وعلى رغم التحذيرات الروسية والصينية، تبقى الحقيقة القانونية أن تفعيل آلية الزناد لا يتطلب تصويتاً داخل مجلس الأمن، بالتالي لا يمكن لبكين أو موسكو استخدام حق النقض (الفيتو) لإعاقة تنفيذها، مما يمنحها فعلياً قوة قانونية حاسمة إذا قررت الدول الأوروبية المضي بها.
إيران تلوح بالتصعيد والخروج من معاهدة حظر الانتشار
من جانبها، حذرت طهران ضمن أكثر من مناسبة من أن تفعيل "آلية الزناد" سيعد انتهاكاً صارخاً للاتفاقات الدولية، وهددت بالرد بخطوات تصعيدية خطرة، أبرزها الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ووقف التعاون بالكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 90 في المئة بصورة رسمية، إلى جانب اتخاذ إجراءات إقليمية عبر حلفائها في المنطقة.
تضع هذه التطورات المتسارعة المجتمع الدولي أمام مفترق طرق حساس، إما تفعيل العقوبات الدولية لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، أو مواجهة موجة جديدة من التصعيد النووي والعسكري قد تتخطى حدود إيران لتشمل الإقليم بأسره.
العقوبات الدولية المنتظرة
في حال تفعيل آلية الزناد، ستُعاد تلقائياً جميع العقوبات الدولية التي فرضت على إيران قبل الاتفاق النووي لعام 2015، مما يعني العودة إلى نظام عقوبات شامل ومشدد يستهدف مختلف القطاعات الحيوية الإيرانية.
أولاً، سيفرض حظر كامل على صادرات وواردات الأسلحة إلى إيران، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة والثقيلة والذخائر وأنظمة الصواريخ والتقنيات المرتبطة بها. وسيمنع على طهران شراء أو بيع أية معدات عسكرية، سواء عبر القنوات الرسمية أو السوق السوداء.
ثانياً، ستفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، تشمل جميع أنشطة التطوير والاختبار والإنتاج، إضافة إلى حظر التعاون مع أية جهات خارجية في هذا المجال، بما في ذلك توفير المعدات وقطع الغيار والخبرات الفنية، وفقاً لقرارات مجلس الأمن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثالثاً، ستستهدف القطاعات المالية والمصرفية الإيرانية بصورة مباشرة، إذ سيعاد تجميد أصول مؤسسات رئيسة مثل البنك المركزي الإيراني والبنوك الحكومية وصندوق التنمية الوطني. وستُفرض قيود صارمة على التحويلات المالية وفتح الحسابات وتقديم الخدمات المصرفية والاستثمارات الأجنبية داخل إيران.
رابعاً، سيُعاد فرض العقوبات على صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية، مما سيقيد بشدة عائدات طهران من الطاقة. وسيتضمن ذلك أيضاً حظر الاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة، ومنع الشركات الدولية من المشاركة في أية مشاريع متعلقة بصناعة النفط أو الغاز داخل إيران.
خامساً، ستعاد جميع الكيانات والأفراد المدرجين ضمن قوائم العقوبات الأممية إلى القائمة السوداء، بما في ذلك كبار قادة الحرس الثوري ووزارة الدفاع الإيرانية والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية والمؤسسات المرتبطة بالمرشد علي خامنئي.
تحذير من احتمالية انتفاضة شعبية
قناة "إيران إنترناشيونال" ضمن تقرير لها نشر خلال الـ11 من أغسطس الجاري، قالت إنها حصلت على وثيقة سرية صادرة عن وزارة الاستخبارات الإيرانية، تحذر فيها الوزارات والشركات الكبرى من أن تفعيل آلية "العودة التلقائية للعقوبات" قد يؤدي إلى توقف مبيعات النفط الإيراني، واندلاع أزمات اقتصادية وأمنية، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى تفاقم حال السخط الاجتماعي في البلاد.
وذكرت الوثيقة أن تفعيل هذه الآلية قد يعيد فرض العقوبات الدولية وعقوبات مجلس الأمن، مما قد يفرض قيوداً واسعة على صادرات وواردات السلع والخدمات، ويؤدي إلى تجميد الأصول والحسابات بالعملات الأجنبية في الخارج. وتشير إلى أن العقوبات قد تشمل العاملين في قطاعات النفط والبتروكيماويات والمصارف والشحن البحري والتأمين والتقنيات الحساسة، إلى جانب وقف مبيعات الأسلحة.
وبالعودة إلى المطالبات الأوروبية التي دعت طهران إلى التوصل إلى اتفاق سياسي مع واشنطن أو الاستفادة من فرصة تمديد تفعيل آلية الزناد، فقد رفضت إيران هذا المقترح. وتشير المعطيات إلى أن فرص التوصل إلى أي توافق بين طهران وواشنطن خلال الأيام القليلة المقبلة ستبدو ضئيلة للغاية. وفي ظل هذه المعطيات، يبقى تفعيل آلية الزناد وإعادة فرض العقوبات الدولية احتمالاً شبه مؤكد، وبخاصة مع تنامي سخط الشارع الإيراني، وهو السيناريو الذي تخشاه طهران بشدة.