Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعدما أتقن "فن التفاوض"... هل ينجح زيلينسكي في استمالة ترمب؟

يحتفظ الرئيس الأميركي برهانات كبيرة لكن التقدم الحقيقي بدا ضئيلاً وغامضاً

صرح زيلينسكي بأن أوكرانيا ستشتري أسلحة أميركية بقيمة 90 مليار دولار تدفع أوروبا وأوكرانيا ثمنها كجزء من الضمانات الأمنية (أ ف ب)

ملخص

هل نجحت دبلوماسية ترمب في تحريك قطار السلام في أوكرانيا؟

في زيارته الإثنين للمكتب البيضاوي بدا زيلينسكي أكثر فهماً لدبلوماسية ترمب ونفسيته، فحمل رسالة من زوجته إلى السيدة الأولى الأميركية وهو ما أسعد ترمب، وارتدى بدلة أعجبت الرئيس الأميركي بدلاً من الزي العسكري الذي اعتبره غير لائق، والأهم من ذلك أن زيلينسكي كان شاكراً وممتناً لجهود سيد البيت الأبيض للبحث عن مخرج ينهي الصراع في أوكرانيا.

بعد لقاءات قمة ماراثونية في واشنطن ضمت رئيس أوكرانيا والقادة الأوروبيين، بدا أن قطار السلام الذي تدفع به دبلوماسية ترمب يتحرك إلى الأمام حين أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على لقاء نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الكرملين قلل من احتمال عقد هذه القمة، وفي حين هيمنت قضية الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد الحرب على المحادثات الأخيرة، لم تسفر قمتا واشنطن وألاسكا عن تفاصيل واضحة حول كيفية وقف الصراع أو منع الهجمات المستقبلية، بينما لا تزال مسألة تبادل الأراضي عالقة، فهل حققت دبلوماسية الرئيس الأميركي أهدافها؟ ولماذا لايزال كثير من الأمور غامضاً؟

فن التعامل مع ترمب

تعلم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وغيره من القادة الأوروبيين شيئاً أو اثنين عن التفاوض على طريقة ترمب، وكذلك فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن يبدو أن الزعيم الأوكراني هو من تعلم أكثر من غيره منذ زيارته الأخيرة، عندما اعتبره ترمب ونائبه جيه دي فانس ناكراً للجميل الذي أسدته الولايات المتحدة لبلاده، وطرد في النهاية من البيت الأبيض.

لكن في زيارته الإثنين الماضي للمكتب البيضاوي بدا زيلينسكي أكثر فهماً لدبلوماسية ترمب ونفسيته، فحمل رسالة من زوجته إلى السيدة الأولى الأميركية مما أسعد ترمب، كما ارتدى بدلة أعجبت الرئيس الأميركي بدلاً من الزي العسكري الذي اعتبره غير لائق، والأهم من ذلك أن زيلينسكي كان شاكراً وممتناً لجهود سيد البيت الأبيض للبحث عن مخرج ينهي الصراع في أوكرانيا.

ولم يكن زيلينسكي وحيداً، فقد اصطحب معه قادة بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وفنلندا والأمين العام للـ "ناتو" ورئيسة المفوضية الأوروبية، لمنع ترمب من إجبار الزعيم الأوكراني على تقديم تنازلات تضر بمصالحهم أيضاً، وجميعهم حاولوا العمل مع ترمب كشخص واحد، فشكروه على كل ما فعله مع تلميحهم المستتر إلى مطالبهم المحددة بضمان أمني دائم في أوكرانيا ووقف فوري لإطلاق النار.

وفي ظل هذه الاجتماعات التي جاءت بعد أيام قليلة من قمة ألاسكا بين ترمب والرئيس الروسي، وما صاحبها من تغطية إخبارية مكثفة، كان من السهل تصور أن السلام يقترب، وهو ما عبر عنه الرئيس الأميركي حين قال للأوروبيين إن التوصل إلى اتفاق سلام أصبح في متناول اليد ويمكن تحقيقه في المستقبل القريب، لكن التقدم الحقيقي بدا ضئيلاً وغامضاً، إذ يحاول بوتين إقناع ترمب بأن زيلينسكي مسؤول عن الفشل المحتمل للمحادثات، بينما يحاول زيلينسكي والقادة الأوروبيون إقناع ترمب بأن الخطر الحقيقي هو بوتين الذي بدأ الحرب ويتشدد في شروطه.

قمة في المجهول

ومع ذلك أصر ترمب على أن القمة المحتملة بين بوتين وزيلينسكي تعد إنجازاً ليوم الدبلوماسية الذي عقد الإثنين الماضي، وخطوة حاسمة في إنهاء الحرب، إضافة إلى اجتماع ثلاثي لاحق يضم بوتين وزيلينسكي والرئيس ترمب نفسه، لكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قلل من هذا الاحتمال، قائلاً إنه في حين أن روسيا لا تعارض مثل هذا الاجتماع من حيث المبدأ، إلا أنه يجب التحضير بعناية فائقة لأية اتصالات تضم كبار المسؤولين.

ووفقاً لتصريحات مستشار بوتين للسياسة الخارجية يوري أوشاكوف، والمنشورة على الموقع الرسمي للكرملين، فستدرس روسيا إمكان رفع مستوى ممثلي الطرفين الأوكراني والروسي مما يقلل إمكان عقد قمة بين زيلينسكي وبوتين.

سلام بعيد المنال

وعندما انتهى الاجتماع مع زيلينسكي والزعماء الأوروبيين وقدّم القادة المختلفون تفسيراتهم لما جرى الاتفاق عليه اتضح أمران، أولهما أن الجانب الأوكراني لم يستسلم تحت ضغط الولايات المتحدة، كما أن القادة الأوروبيين الذين بذلوا جهوداً مضنية لإرضاء ترمب تمسكوا بموقفهم أيضاً، والأهم من ذلك أن ترمب لم ينسحب من العملية كذلك بل بدا راغباً في البقاء على اتصال بكل الأطراف المتصارعة.

لكن بقاء عملية السلام على حالها يمثل نوعاً من التناقض، وهو أمر بعيد كل البعد عن اتفاق سلام فعلي كما يشير أستاذ الأمن الدولي ستيفان وولف، إذ لم يثر اجتماع البيت الأبيض كثيراً من النقاش حول قضايا تبادل الأراضي، ولم يذكر الضغط على روسيا إلا بصورة موجزة عبر تصريحات القادة الأوروبيين الذين لا تزال طموحاتهم بالمشاركة رسمياً في مفاوضات سلام فعلية مجرد حلم بعيد المنال في الوقت الراهن.

وعلى رغم التفاؤل الأولي في شأن الضمانات الأمنية لم تقدم أية التزامات حاسمة، واكتفى زيلينسكي بالإشارة إلى التصريحات المهمة من الولايات المتحدة حول استعدادها لدعم هذه الضمانات والمشاركة فيها.

ضبابية الترتيبات الأمنية

ولا تزال هناك فجوة واسعة في كثير من القضايا الحاسمة بين زيلينسكي وبوتين بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من الحرب، فبينما ألمح ترمب ومبعوثه ستيف ويتكوف إلى أن بوتين سيوافق على نشر قوات أوروبية في أوكرانيا كجزء من ترتيب أمني لما بعد الحرب لردع الهجمات الروسية المستقبلية، طالما لم تنضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأن نشر قوات برية أوروبية كقوات حفظ سلام لن تخضع لسلطة التحالف العسكري الغربي، وهو ما قد تدعمه الولايات المتحدة بدعم جوي ولكن ليس بقوات برية، إلا أن روسيا رفضت بصورة قاطعة فكرة نشر قوة دولية على حدودها، واستنكرت وزارة خارجيتها مجدداً فكرة تسيير دوريات لقوات دولية في أوكرانيا.

ومن الواضح أن ترمب الذي لم يستبعد مشاركة قوات أميركية على الأرض في أوكرانيا كجزء من الضمانات الدولية تراجع عن هذا التصريح بسرعة خوفاً من أن يقوض أي تدخل أميركي مباشر في أوكرانيا الدعم من قاعدته السياسية "ماغا"، إذ كان أحد أهم وعود حملته الانتخابية هو عدم توريط الولايات المتحدة في حروب خارجية لا نهاية لها.

وكمؤشر على عدم رغبة ضيوفه الأوروبيين في قبول أي اتفاق عاد به ترمب من اجتماعه مع بوتين في ألاسكا، قاطع الرئيس الأميركي الاجتماع ليتصل بالرئيس الروسي، لكن الإشارات الصادرة من روسيا كانت بعيدة كل البعد من التفاؤل، إذ رفضت موسكو نشر أية قوات تابعة للـ "ناتو" أو لقوات دولية في أوكرانيا، واتهمت الأوروبيين بالسعي إلى تقويض جهود السلام الأميركية - الروسية.

الدور الأميركي

وبينما يبدو أن ترمب الآن مستعد لتقديم نوع من الضمانات الأمنية، وهو ما يمثل تقدماً، لكن ما يقوله الرئيس الأميركي غامض لدرجة تجعله بلا معنى، بحسب ما يشير الباحث في "مجلس العلاقات الخارجية" ماكس بوت، إذ كتب ترمب بعد لقائه أوروبيين "ناقشنا الضمانات الأمنية لأوكرانيا والتي ستقدمها مختلف الدول الأوروبية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية".

غير أن التنسيق الأميركي لن يثني أي هجوم روسي مستقبلي، والحل الوحيد يتمثل في وجود ضمانة أمنية أميركية مكتوبة لأوكرانيا يصدق عليها الكونغرس وتطبقها القوات الأميركية على الأرض، مما يفي بالغرض، بحسب ماكس بوت، وكخيار احتياطي فقد تتعهد الولايات المتحدة بمساعدة قوات حفظ السلام الأوروبية في أوكرانيا إذا تعرضت لهجوم روسي، لكن لا يوجد ما يشير إلى استعداد ترمب للذهاب إلى هذا الحد، كما لا يوجد ما يشير إلى استعداد بوتين للسماح بضمانات أمنية قوية لأوكرانيا.

وعلى رغم أن زيلينسكي صرح بأن أوكرانيا ستشتري أسلحة أميركية بقيمة 90 مليار دولار، تدفع أوروبا وأوكرانيا ثمنها كجزء من الضمانات الأمنية، إلا أنه غادر البيت الأبيض من دون اتفاق رسمي نحو السلام.

ومع ذلك يرى زيلينسكي أن تحديد تفاصيل أي ترتيب أمني مستقبلي سيستغرق بعض الوقت، إذ ستشارك كثير من الدول في الضمانات الأمنية المستقبلية لأوكرانيا ولكل منها قدرات مختلفة على المساعدة، وبعضها سيساعد أوكرانيا في تمويل حاجاتها الأمنية، بينما قد تقدم دول أخرى مساعدة عسكرية، كما سيكون تمويل الجيش الأوكراني ودعمه جزءاً من أي ترتيب أمني مستقبلي.

عضوية الـ "ناتو"

أظهرت قمة واشنطن أن عضوية أوكرانيا في الـ "ناتو" لا تزال نقطة أخرى شائكة، فقد كان بيان القادة الأوروبيين أكثر غموضاً حين أكدوا أنه لا ينبغي السماح لروسيا باستخدام حق النقض (فيتو) على خيارات أوكرانيا، لكن تأكيد التحالف التزامه القيام بدور فاعل في ضمان أمن أوكرانيا مستقبلاً فتح الطريق أمام ترمب للحصول على حماية مماثلة لأوكرانيا من أي هجوم روسي مستقبلي، على غرار المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، في إشارة إلى ذلك الجزء من معاهدة الـ "ناتو" الذي يكرس مبدأ الدفاع الجماعي لجميع الأعضاء.

ومع ذلك، وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي لا تلزم أعضاءه فعلياً بالتدخل العسكري الكامل في حال تعرض أي عضو لهجوم، بحسب الباحثة في الدراسات الأوكرانية سونيا ميكاك فهي تسمح لدول الـ "ناتو" بتحديد نوع الدعم الذي ستقدمه، ولن يكون هذا كافياً لأوكرانيا التي شهدت بالفعل نتيجة فشل أي ترتيب أمني، ففي مذكرة بودابست عام 1994 تعهدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا باحترام حدود أوكرانيا وسلامة أراضيها في مقابل تخليها عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، لكن ما حدث هو أن روسيا استولت على شبه جزيرة القرم في أوكرانيا عام 2014 من دون عواقب وخيمة، ثم شنت هجوماً عام 2022.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقف إطلاق النار

وفيما حثّ بعض المسؤولين الأوروبيين الرئيس ترمب على ضرورة تأمين وقف عاجل لإطلاق النار، على اعتبار أنه سيساعد في وقف تزايد أعداد القتلى المدنيين في أوكرانيا ويخلق استقراراً لمفاوضات سلام حقيقية، يصر الرئيس بوتين على رفض وقف إطلاق النار، بل إنه أقنع أو أجبر الرئيس ترمب على تغيير موقفه من هذا الأمر بعدما هدد قبيل قمة ألاسكا بعواقب وخيمة على روسيا، إذا لم يوافق بوتين على وقف إطلاق النار.

ولكن خلال قمة ألاسكا نجح بوتين ومفاوضوه في الحصول على تنازل كبير من ترمب، إذ تراجع عن دعواته الأخيرة إلى وقف إطلاق النار على رغم أنه أبقى على العقوبات المفروضة على الهند، والتي تعد من أكبر مستوردي النفط الروسي، وبالنسبة إلى أوكرانيا وحلفائها فقد كان تحقيق وقف إطلاق النار شرطاً أساساً لأية مفاوضات سلام عام 2025، وازدادت أهمية هذا الشرط مع تصعيد روسيا هجماتها على المدن الأوكرانية.

تبادل الأراضي

وبدا أن اتفاقاً محتملاً يتضمن بعض التنازلات الإقليمية في الأراضي من جانب أوكرانيا في مقابل السلام وتوفير ضمانات أمنية أميركية وأوروبية مشتركة، وأصبح أكثر وضوحاً خلال الاجتماع بين ترمب وزائريه الذي سبق مناقشاتهم المغلقة، ففي قمة ألاسكا انحاز ترمب إلى بوتين في دعم مطالب روسيا، ومن المرجح جداً أن بوتين يعتقد الآن أن لديه من يدافع عن هذه المطالب في البيت الأبيض، مما يعني أنه يرى الآن فرصة واقعية لتأمين منطقتي دونيتسك ولوغانسك، وفي المقابل حظي موقف كييف بدعم كامل من حلفاء أوكرانيا الأوروبيين، وأصدر قادة تحالف الراغبين بياناً مشتركاً في الـ 16 من أغسطس (آب) الماضي مفاده بأن أية تنازلات إقليمية من حق أوكرانيا قبولها أو رفضها.

غير أنه من المستبعد بدرجة كبيرة أن توافق أوكرانيا على أي اعتراف رسمي أو قانوني بضم روسيا لشبه جزيرة القرم أو أي من المناطق الأربع الأخرى التي تسيطر عليها روسيا جزئياً الآن، وهي أقاليم دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزاباروجيا، فقد أصر زيلينسكي على أن أوكرانيا لن تتنازل عن أي أراض لروسيا في أي اتفاق سلام، بخاصة وأن تغيير أي حدود يتطلب استفتاء وتعديلاً للدستور، وهذا ليس بالأمر السهل لأنها خطوة غير شعبية على الإطلاق، وفقاً لاستطلاعات الرأي التي يرفض فيها الأوكرانيون بنسبة تفوق الـ 30 التنازل عن الأراضي التي لا تسيطر عليها روسيا، بينما تنخفض النسبة إلى 50 في المئة في حال الموافقة على التنازل عن الأراضي التي تسيطر عليها موسكو الآن.

وفي ألاسكا طالب بوتين بمنح روسيا كامل منطقتي دونيتسك ولوغانسك، بما في ذلك الأراضي التي لا يحتلها الجيش الروسي حالياً، وهي أراض محصنة عسكرياً لأوكرانيا، وسيعرض التخلي عن هذه الأراضي لأوكرانيا بالكامل لهجمات روسية مستقبلية، ولن تتمتع البلاد عملياً بأية حماية عسكرية على طول مناطق حدودها الشرقية، مما يهدد بأن يضع روسيا في موقع مميز للغاية خلال الخطط المستقبلية لإعادة تنظيم صفوفها وشن هجوم جديد.

ولهذا يخشى الأوكرانيون والأوروبيون أن مكافأة روسيا على حربها ضد أوكرانيا ستشكل سابقة خطرة للغاية، ليس فقط لمستقبل أوكرانيا بل لأوروبا وبقية العالم.

وفي المقابل هناك خطر استمرار القتال إلى ما لا نهاية، فخلال المفاوضات الأخيرة بين الجانبين في إسطنبول ورد أن رئيس الوفد الروسي قال إن "روسيا مستعدة للقتال إلى الأبد"، وهو أمر بدا أنه لم يتغير، ليس فقط بالنسبة إلى روسيا بل إلى أوكرانيا أيضاً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير