Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحياد والانتماء... المعضلة الصحافية في التغطية الحربية

يبقى التساؤل الجدير بالطرح هل يتسامح العالم مع الصحافي "المؤدلج" حين تكون الحرب في بيته؟

فلسطيني يتحدث إلى وسائل الإعلام في موقع غارة إسرائيلية على خيمة بالقرب من مستشفى الشفاء (رويترز)

ملخص

رغم أن صحافياً بأيديولوجيا ويعكسها في تغطياته، يختلف عن صحافي بأيديولوجيا لكن يحاول قدر المستطاع ألا تطغى على رؤيته المهنية أثناء العمل، وكلاهما يختلف عن صحافي ينتمي إلى حزب أو جماعة أو حركة تشكل وجدانه وتظهر في تغطيته دون أن يدري، فإن حرب غزة تطرح كل ما سبق بصورة مغايرة، إذ الخطوط بالغة التشابك والحدود شديدة الالتباس والاستثناءات "المقبولة" أكثر من أي وقت مضى

الحروب والصراعات وطول أمدها، لا سيما خلال العقد الأخير، تسلط الضوء كثيراً على عمل الصحافيين والمراسلين في تلك الأجواء الخطرة والمعقدة. الغالبية المطلقة من الاهتمام تنصب على تأكيد قواعد السلامة لهم. وتتسع المساحة كذلك لأدلة عن كيفية نقل الأخبار وشرحها بطريقة مهنية واختيار زواياها موضوعياً وانتقاء الكلمات بعناية، وكذلك زوايا الصور الفوتوغرافية والفيديوهات وغيرها من الأمور التقنية التي تضمن درجة عالية من التوازن والموضوعية.

الحديث النظري جميل ومثالي. في التطبيق، يختلف الأمر قليلاً أو كثيراً، لا سيما حين يكون على أرض المعركة. ويزداد التشابك والالتباس لدرجة الاقتراب من المستحيل حين يكون الصحافي أو المراسل وأسرته وأصدقاؤه جزءاً من الخبر العاجل المتوقع، إن لم يكن في تغطية اليوم، فغداً.

وتتفاقم درجات التعقيد حين يكون الصحافي الذي يغطي الحرب الدائرة على أرضه وحده، بمعنى حين يقتصر الوجود الإعلامي بغرض التغطية على الصحافيين المحليين، دون سند صحافي دولي أو دعم إعلامي عالمي، إذ تعدد الأصوات يمثل ردعاً للمعتدي، وتنوع المصادر يؤكد أو ينفي، أو في الأقل يشكك في ما يصدر من بيانات من الجهات المتحاربة.

عشرات المنظمات الحقوقية والإعلامية والأممية طالبت مئات المرات بالسماح بدخول الإعلام الدولي أرض المعركة في غزة، بينهم على سبيل المثال المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا) فيليب لازاريني، الذي قال قبل أيام إنه "منذ بدء الحرب قبل عام ونصف العام، منعت السلطات الإسرائيلية دخول وسائل الإعلام الدولية إلى غزة لتغطية الأحداث بصورة مستقلة، وأن هذا المنع يغذي الدعاية المضللة والمعلومات الكاذبة، وخطاب التجريد من الإنسانية"، وأنه يجري التشكيك في "الروايات الموثوقة وشهادات الشهود العيان الصادرة عن منظمات الإغاثة وصدقيتها". مضيفاً أن "الصحافيين الفلسطينيين يواصلون عملهم البطولي ويدفعون ثمناً باهظاً".

قبل أيام، استهدفت إسرائيل خيمة مراسلي قناة "الجزيرة" قرب مستشفى الشفاء، مما نجم عنه مقتل خمسة فلسطينيين بينهم مراسلا القناة أنس الشريف ومحمد قريقع، والمصوران ظاهر إبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة، والسائق محمد نوفل وجرح الصحافي محمد صبح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن الاستهداف الإسرائيلي للصحافيين الأول، وغالباً لن يكون الأخير. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي داخل قطاع غزة، بلغ عدد الصحافيين الذين قتلوا منذ اندلاع الحرب خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي 232 صحافياً، والعدد زاد بالفعل.

كثير معروف ومكتوب ويعاد طرحه حول جريمة استهداف الصحافيين في الحروب، وضرورة إتاحة الظروف ودخولهم وحمايتهم لتغطية ما يحدث داخل أرض المعركة، وقواعد الحماية والسلامة التي ينبغي أن تلتزمها كل الأطراف، والقواعد الأخلاقية والمعايير المهنية التي ينبغي أن يتبعها الصحافي أو المراسل أثناء التغطية حتى لا يميل لطرف على حساب آخر وغيرها، لكن ما هو غير معروف ونادر البحث والنقاش استحالة الفصل بين الصحافي من جهة، وانتماءاته وأيديولوجيته ومعتقداته وعواطفه، لا سيما حين تتعلق تغطية الحرب بأسرته وأهله.

النظريات وفيرة، والنصائح فيها فائض كبير. "المركز الدولي للصحافيين" (مقره واشنطن) مثلاً ينصح الصحافي الذي يغطي الحرب، بأنه سواء كان مقيماً في وحدة عسكرية، أو يغطي منطقة تسيطر عليها جماعات مسلحة، فإن معرفة العلاقة بين هذه الجهات والصحافيين تعد أول ما ينبغي على الصحافي مراعاته، لا سيما أن وجود الصحافي على أرض المعركة يختلف عن وجود الجنود التابعين للجيوش. وأن تغطية المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، يتحتم على الصحافيين والمراسلين أن يقروا لأنفسهم هويتهم في سياق النزاع، مع العلم أن الجنسية والعرق واللغة واللهجة والجهة التي تعمل فيها، كلها يمكن أن تعرض الصحافي للاستهداف أو تؤثر في علاقته بالجماعة المسلحة سلباً أو إيجاباً. وينبغي على الصحافي أن يتنبه إلى أن خلفيته الشخصية قد تؤثر في نظرته إلى النزاع ودور الجيش أو الجماعة المسلحة أو المقاومة فيه. وعلى الصحافي أو المراسل أن يكون ملماً بالخلفية الأيديولوجية للجماعة المسلحة والدعم الخارجي الذي تتلقاه، والانتماءات العقائدية أو الفكرية التي تنتمي لها وما تمثله لسكان منطقة الحرب، وذلك حفاظاً على سلامته ولتغطية الصراع بإنصاف ودقة ودون انحياز.

ماذا عن الصحافي المؤدلج؟

النظريات والقواعد والمواثيق والنصائح لا تتطرق إلى ماذا عن الصحافي الذي ينتمي، ولو فكرياً وأيديولوجياً للجماعة أو الحركة التي تخوض حرباً؟ وما موقف الصحافي الذي تقع على عاتقه وحده مسؤولية تغطية ما يحدث في منطقة حرب مغلقة أو مفروض عليها حصار معلوماتي وعسكري يحول دون دخول ممثلي وسائل إعلام من دول مختلفة؟ وما الخطوط الفاصلة بين الصحافي في مثل هذه الظروف ومحاسبته على تغطية "منحازة" بينما هو شخصياً تربى في كنف جماعة أو حركة أو مجموعة ذات أيديولوجيا، وبين اعتباره بطلاً ينقل حقيقة احتلال أو اغتصاب أو اعتداء أو كل ما سبق، وبين النظرة الواقعية المنطقية له باعتباره نتاجاً طبيعياً لبيئته من جهة، وقدرته البشرية على التفرقة بين قواعد مهمته الموضوعية وبين نشأته وتعليمه ومعتقداته وقيمه وقضيته؟

اغتيال مراسل قناة "الجزيرة" القطرية أنس الشريف، قبل أيام، أثار حرباً مستعرة بين صحافيين دوليين يشجبون وينددون باستهداف الصحافيين داخل غزة، ويطالبون بالسماح لدخول القطاع للتغطية، وكذلك موجة غضب وحزن عاتية بين ملايين العرب جراء استهداف المراسل الشاب الذي ترك وراءه أماً مريضة وزوجة شابة منهارة وطفلين، لمجرد أنه يقوم بعمله، وأصوات عربية خافتة تتساءل عن حقيقة انتمائه لـ"حماس" وإن ظلت على قناعة بأنه حتى في حال انتمائه، وهو الذي نشأ في كنفها كحاكمة لغزة على مدار نحو عقدين، أي منذ كان الشريف في التاسعة من عمره.

قبل استهداف الشريف، اتهمه الجيش الإسرائيلي بأنه قائد خلية تابعة لحركة "حماس"، وأن هذه الخلية شنت هجمات صاروخية متطورة ضد المدنيين والجنود الإسرائيليين. وبعد الاستهداف، أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً جاء فيه أنه "سبق وكشف عن معلومات استخباراتية عدة عثر عليها داخل قطاع غزة تؤكد انتماء أنس الشريف العسكري لـ’حماس‘".

 

الإعلام الإسرائيلي الذي يميل لليمين السياسي اعتنق هذا النهج. على سبيل المثال، صحيفة "جيروزاليم بوست" التي كانت مصنفة يمين الوسط، ثم مالت بحسب مراقبين أكثر جهة اليمين، نشرت مقالة رأي للمحامي غاري غولدشتاين (الـ17 من أغسطس ’آب‘ الجاري) تحت عنوان "المخادعون الكبار: كيف تكذب ’حماس‘؟ وماذا ينبغي لإسرائيل أن تفعل؟" فند فيه ما اعتبره أبرز "أكاذيب" حركة "حماس"، بينها "انتحال هذا الرجل، أنس جمال محمود الشريف، صفة صحافي ومصور فيديو يعمل لدى قناة ’الجزيرة‘، وهي شبكة إخبارية قطرية ناطقة باللغة العربية، حظرت في إسرائيل لتحريضها على العنف ضد جنود الجيش الإسرائيلي وكشفها معلومات سرية لـ’حماس‘. كان الشريف يغطي أخبار ’الجزيرة‘ بصورة متكررة، لكن ذلك كان تمويهاً لمنصبه الحقيقي ضابطاً في ’حماس‘ مسؤولاً عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل".

يشار أيضاً إلى أن الشريف قبل شهر من اغتياله رد على "اتهامات" إسرائيل له بالانتماء لـ"حماس"، بقوله على منصات الـ"سوشيال ميديا"، "أوكد مجدداً أنا أنس الشريف صحافي بلا انتماءات سياسية، مهمتي الوحيدة هي نقل الحقيقة من أرض الواقع كما هي، دون تحيز".

وعلى رغم أن صحافياً بأيديولوجيا ويعكسها في تغطياته، يختلف عن صحافي بأيديولوجيا لكن يحاول قدر المستطاع ألا تطغى على رؤيته المهنية أثناء العمل، وكلاهما يختلف عن صحافي ينتمي إلى حزب أو جماعة أو حركة تشكل وجدانه وتظهر في تغطيته دون أن يدري، فإن حرب غزة تطرح كل ما سبق بصورة مغايرة، إذ الخطوط بالغة التشابك والحدود شديدة الالتباس والاستثناءات "المقبولة" أكثر من أي وقت مضى.

في تقرير نشره موقع "دويتش فيله" من حيث المجاهرة بقبول مجرد النقاش حول الحياد الصحافي التام في التغطية، عنوانه "هل ينبغي للصحافيين أن يكونوا محايدين؟ الإيجابيات والسلبيات" (مارس 2021) دارت الفكرة حول مبدأ الحياد الصحافي، والضغوط التي يتعرض لها الصحافيون خلال زمن الحرب، إذ يواجهون ضغوطاً تجعل التخلي التام عن أيديولوجياتهم الشخصية أمراً غير قابل للتحقيق. ويقر التقرير بأنه على رغم السعي وراء الدقة والموضوعية، فإن طبيعة مناطق النزاع ومتطلبات تغطية الحرب، وما يرونه من فظائع ومآسٍ قد تؤثر في وجهات نظرهم، ومن ثم ما ينتج من التغطية.

وعلى رغم بديهية الملاحظة، فإن إعادة تسليط الضوء أحياناً على البديهيات مطلوب للتذكرة. وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن الصحافيين أشخاص لهم آراء ومشاعر وقيم، لهم جنس ولون وعمر، ينتمون إلى جماعة ثقافية محددة، وسواء أقروا هم أنفسهم بذلك أو أبوا، فإن كل ما سبق يلقي بظلال متدرجة الثقل في تقاريرهم، لا سيما حين يتعلق الأمر بالنزاعات المسلحة والحروب.

ويطالب التقرير بعدم قصر الفكرة على مسألة الحياد فحسب، ويطرح سؤالاً مثيراً هو هل ينبغي على الصحافيين أصلاً محاولة البقاء على الحياد؟ هل ينبغي على الصحافيين منح أطراف النزاع حقوقاً متساوية في التعبير عن أنفسهم وتبرير أفعالهم حتى يثبتوا أنهم "محايدون"؟ أم أن الإصرار على الحياد قد ينجم عنه تعزيز اختلال التوازن حين يكون أحد أطراف الصراع دائم التمتع بفرص أكبر للتعبير عن مواقفه وتوجهاته وأسبابه؟

الصدق لا الحياد؟

التقرير أشار إلى ما قالته الإعلامية البريطانية كريستيان أمانبور، وهي إحدى أشهر مراسلي الحروب والنزاعات في العالم على مدار عقود، في حفل تسلمها جائزة صحافية عام 2016، الذي كررته بعدها غير مرة خلال أعوام تالية. قالت "أؤمن بالصدق، لا الحياد. أعتقد أنه يجب علينا التوقف عن تبسيط الحقيقة. علينا أن نكون مستعدين للنضال بشراسة من أجلها في هذا العالم الذي أعلن فيه قاموس أكسفورد الإنجليزي قبل أعوام كلمة جديدة وهي "ما بعد الحقيقة".

يشار إلى أن "ما بعد الحقيقة" تشير إلى وقت تكون فيه الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من الاستناد إلى العاطفة والمعتقد الشخصي. أمانبور قالت غير مرة "وظيفتنا (الصحافيين والمراسلين) أن نكون صادقين لا محايدين".

مواقف ووجهات نظر عدة يحملها العاملون في الإعلام والصحافة أنفسهم في مسألة الحياد والانتماء الأيديولوجي خلال أوقات الحروب الضارية، لا سيما حين يكون الصحافي في الأصل منتمياً للأرض التي يدور فيها القتال، أو نشأ في كنف جماعة تحارب أو تقاوم أو تدافع أو حتى تعتدي.

بين مؤمن بأن الحقيقة، حتى لو تدين أهل الصحافي وناسه وجيش بلاده أو الحركة التي ينتمي إليها، هي سلاح الصحافي الوحيدة في النزاع، ومتمسك بمبدأ أن الصحافي ليس ناشطاً سياسياً أو داعية ديني، ومطالب بأن يتعاطف الصحافي مع الضحايا لأنه إنسان قبل أن يكون صحافياً، ومتمسك بالتغطية المنفصلة عاطفياً للصراع، وملوح إلى استحالة الانفصال العاطفي التام، وممسك بالموقف من المنتصف إذ وجوب الالتزام بالحياد التام إلا في حال تطلب الوضع التخلي عنه لمصلحة الإنسانية، وهو ما يفتح الباب أمام السؤال عما هو إنساني وما ليس إنسانياً.

على سبيل المثال لا الحصر، هل كانت عملية "طوفان الأقصى" ضد الإنسانية؟ وبين قائل بأنها كانت ضرورة لإيقاظ العالم المتجاهل للحق الفلسطيني الضائع، ومؤكد أن ما فعلته "حماس" حق أصيل مقارنة بما تفعله إسرائيل، وجازم بأن عملية "حماس" كانت خرقاً لقواعد الإنسانية، تدور دوائر الأحكام والمواقف وتطبيق القواعد بمقياس واحد.

 

وعودة إلى النظريات، وإشارة "معهد رويترز لدراسة الصحافة" في ورقة عنوانها "فحص المعتقدات المعرفية للصحافيين: ما هي معتقدات الصحافيين في بريطانيا في شأن الحقيقة والموضوعي والتفسير؟" للباحث في صدقية الأخبار والتحقق منها كرايغ روبرتسون (أبريل ’نيسان‘ 2025) إلى أنه من المهم فهم معتقدات الصحافيين، لأنها قد تؤثر في كيفية جمع المعلومات ونقلها إلى للجمهور، فإذا لم يؤمن الصحافي بفكرة وجود موضوعية حقيقية، دفعه ذلك للشعور بالراحة لدى التعبير عن آرائه الشخصية أثناء التغطية. في المقابل، إذا التزم الصحافي بصرامة نهج "الحقائق فقط"، فإن تغطيته على الأرجح ستفتقد الجوانب السياقية في المعلومات، والتي تتعدى حدود الهرم المقلوب والإجابة عن أسئلته، من؟ وماذا؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ المتعلقة بالأخبار.

الخطوط الفاصلة بين النشاط السياسي والأيديولوجيا الفكرية أو الدينية والعمل الصحافي والجمع بينه والنشاط السياسي أو العمل العسكري أو الدعوة الدينية بدت حتى اندلاع حرب القطاع واضحة وصريحة ولا تحتاج إلى كثير من الجهد للفصل بينها. اندلاع حرب القطاع عقب عملية "حماس" خلال السابع من أكتوبر 2023، واستمرارها طوال الأشهر الماضية دون هوادة وما نجم عنها من قتلى وجرحى وتدمير وتهجير وخطر احتلال القطاع بأكمله، طمس هذه الخطوط، ووسع هوامش الاستثناءات ترجيحاً لكفة الإنسانية، وهي الكفة التي يتجاذبها الطرفان المتنازعان.

خلال أكتوبر الماضي، كتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر صفحاته على الـ"سوشيال ميديا" أن "وثائق جديدة كشفت تورط ستة صحافيين من قناة ’الجزيرة‘ في أنشطة عسكرية مع ’حماس‘ و’الجهاد الإسلامي‘ داخل غزة"، و"أن هؤلاء الصحافيين انضموا إلى القناة أثناء الحرب دون أي سجل رسمي على وسائل التواصل. وهم في الحقيقة قادة ونشطاء في التنظيمات الإرهابية". وجاء اسم المراسل أنس الشريف ضمن هؤلاء، الذين أشار إليهم أدرعي بأن الحقائق تظهر أن هؤلاء الصحافيين لا يدافعون عن "حماس" و"الجهاد" إعلامياً فحسب، بل يشاركون عملياً في صفوفهم.

وسواء كان هؤلاء الصحافيون وغيرهم على صلة بـ"حماس" أو غيرها من الحركات والجماعات، أو متعاطفين أو مجرد مواطنين عاشوا ما لا يقل عن عقدين من عمرهم في كنف حكمها، أو حتى يعارضون فكرها وتوجهاتها، فإن ردود الفعل، لا سيما العربية كاشفة.

انتماء مقبول أم مرفوض؟

بين فريق يرى أن الانتماء لـ"حماس" شرف، ومن يؤمن بتأجيل محاسبة "حماس" حتى لو كان هناك خلاف أيديولوجي معها، ومن يجد صعوبة في التعاطف معها على رغم تعاطفه الكامل مع أهل القطاع، لا سيما من تضرر جراء عمليات منسوبة لـ"حماس" ويصفها بعض بـ"الإرهابية" التي وقع بعضها خارج حدود قطاع غزة، ومن لا يجد صعوبة في التعاطف معها من منطلق أن الوقت ليس مناسباً لتصفية الحسابات مع "حماس"، ورافض للحركة وما تمثلها وما يجري وصفه بـ"قرار صبياني متهور"، أدخل القطاع وأهله في حلقة مفرغة من القتل والتهجير والاحتلال، ومؤمن بأن عملية السابع من أكتوبر أروع ما جرى في تاريخ القضية الفلسطينية، تختلف المواقف حول ضلوع الصحافي أو المراسل في الصراع أيديولوجيا أو عقائدياً أو فكرياً أو معيشياً.

حين ينشغل المراسل وهو على الهواء مباشرة على شاشة الأخبار بقراءة رسالة على هاتفه المحمول ثم يهرع راكضاً، ليعود بعد دقائق معتذراً للمشاهدين ولمذيعة النشرة لأن رسالة وصلته بأن البيت الذي تحتمي فيه أسرته تعرض للقصف، تصعب مطالبته بالحياد الكامل في التغطية، ومحاسبته حال حاد عنه.

 

تقارير وكتب وأدلة عديدة تتناول معضلة التحيز في التغطية الإعلامية الرياضية. حين يكون الصحافي الرياضي مشجعاً لفريق كرة بعينه، كيف يمكنه التغطية والتعليق وتحليل المباريات دون أن يترك عاطفته الكروية تطغى على موضوعيته ومهنيته العملية؟

يقولون إن الحياد الكروي بين الصحافيين والمراسلين الذين يشجعون فريقاً بعينه أمر بالغ الصعوبة، فما بالك بالحياد الإنساني لدى تغطية تفاصيل حرب أو صراع يدور على باب بيت المراسل؟

ويبقى السؤال القابل للنقاش، والاتفاق والاختلاف، والرفض ربما أكثر من القبول، هل من حق الصحافي أن ينتمي لجماعة دينية أو حركة سياسية دون أن يخبر المتابعين بذلك؟ مواثيق العمل الصحافي تنص على أن الصحافي يجب أن يكون في حلٍ من أي التزام تجاه أية جماعة أو مصلحة باستثناء حق الجمهور في المعرفة، مع تجنب تضارب المصالح أو تمويهها. وكان غالب المؤسسات الصحافية والإعلامية يمنع الصحافيين من المشاركة الفعالة ضمن الأحزاب السياسية، وذلك حفاظاً على حيادهم، لكن بعضاً يسمح بعضوية غير فعالة مع اشتراط الإفصاح، ومنها ما يمنع الصحافي من تغطية الأحداث المتصلة بالحزب الذي ينتمي إليه أو أي من الأحزاب المنافسة له ضماناً للحياد والنزاهة.

يشار إلى أن "منظمة صحافيين بلا حدود" دانت خلال عام 2007 قرار حركة "حماس" حل فرع اتحاد الصحافيين الفلسطينيين داخل غزة، وذلك بسبب انتماء غالب أعضائه إلى حركة "فتح"، لكن مجريات الحرب الحالية تطالب بعدم طرح الماضي أمام هول الحاضر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات