ملخص
في ظل الحصار والحرب، يواجه سكان غزة جوعاً مميتاً وإجلاء قسرياً، ومساعدات غير كافية، وسط تصعيد عسكري إسرائيلي يهدد بتدمير ما تبقى من المدينة ويحول الحياة إلى صراع يومي للبقاء.
للحصول على كيس من الدقيق لأطفاله الثلاثة الجائعين، يسلح نضال أبو شربي نفسه بسكين لحماية نفسه من اللصوص ويستعد لتلقي الرصاص من الجيش الإسرائيلي.
الطعام شحيح للغاية في غزة، التي تعاني المجاعة بسبب الحصار الإسرائيلي القاسي والحرب، لدرجة أن الفوضى سادت حول المعابر البرية التي تستطيع شاحنات المساعدات القليلة الدخول منها.
والآن، ازدادت حدة اليأس مع أنباء تفيد بأن إسرائيل، بدلاً من العودة لطاولة المفاوضات، ستوسع هجومها المدمر بالفعل وتفرض سيطرتها العسكرية الكاملة على القطاع المحاصر، بدءاً مما تبقى من مدينة غزة، حيث يعيش نضال مع عائلته.
يصف هذا الأب لثلاثة أطفال، أصغرهم يبلغ خمسة أشهر فقط، الحشود اليائسة والجائعة التي تتدفق نحو قوافل المساعدات القليلة التي تدخل عبر معبر زيكيم الشمالي وتهاجمها، فحتى الصحافيون أصبحوا أهدافاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول إن الجيش الإسرائيلي يفتح النار، "بحجة تمشيط المنطقة أو إطلاق النار لمنع الناس من التجمع خارج المنطقة العازلة". وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 1000 شخص قتلوا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات في القطاع خلال بضعة أشهر فقط، معظمهم برصاص القوات الإسرائيلية التي تعمل في المنطقة المجاورة.
حتى لو استطاع تجنب ذلك، فإن آخر مرة ذهب فيها اضطر إلى ترك ثلاث شاحنات تمر قبله، قبل أن يتمكن، وسط الزحام الخانق، من انتزاع كيس دقيق واحد.
يقول بصوت يملؤه اليأس "كانت فرحتي لا توصف وغارقاً في مشاعر السرور، لكن في طريقي إلى المنزل، اقترب مني ثلاثة شبان لم أرهم من قبل، يحملون سكاكين كبيرة، وكان أحدهم يحمل مسدساً. هددوني: إما أن أعطيهم كيس الدقيق وإلا سيقتلونني. تركت الكيس على الأرض، فقدت الأمل وأغمي علي بسبب ما حدث".
الوضع مأسوي للغاية، لدرجة أنهم يطلقون على قوافل المساعدات اسم "مصائد الموت"، ويخطط مجلس الأمن الإسرائيلي الجديد لـ"لعبة مميتة".
وتابع قائلاً "هذه لعبة شطرنج يتحكم فيها الاحتلال، ونحن بيادقه التي يحركها ويتحكم بها، بحسب مزاجه، تحت سيطرة القناصة والدبابات".
يذكر أن إسرائيل شنت حملتها العسكرية غير المسبوقة على غزة، رداً على هجمات "حماس" الدموية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على جنوب إسرائيل، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 1200 شخص وأسر أكثر من 250 آخرين، وفقاً لتقديرات إسرائيلية.
منذ ذلك الحين، أسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل أكثر من 61 ألف شخص، وفقاً لمسؤولين محليين، وتدمير أكثر من 90 في المئة من المنازل، وأدى، من خلال حصار مدمر، إلى أزمة جوع.
وفقاً للأمم المتحدة، فإن أكثر من 86 في المئة من غزة هي بالفعل منطقة عسكرية إسرائيلية، تخضع لأوامر تهجير أو تتداخل فيها هذه الأوامر.
تمارا الرفاعي، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وهي أكبر وكالة تابعة للأمم المتحدة تعمل في غزة، قالت "البيانات تتحدث عن نفسها، في وقت مبكر من هذا العام، أفادت تقارير بأن أكثر من 90 في المئة من الوحدات السكنية في غزة دمرت، وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية. لقد تحولت غزة إلى أرض قاحلة من الأنقاض، وأعلن أكثر من 87 في المئة من أراضيها منطقة حرب، مما أجبر السكان على التجمع في مساحة صغيرة".
بعد اجتماع متوتر استمر 10 ساعات ليلة الجمعة الماضية، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على خطة جديدة لتكثيف حربه المستمرة منذ 22 شهراً مع "حماس"، من خلال الاستيلاء على مدينة غزة، وإصدار أوامر إجلاء للسكان للتوجه جنوباً، بهدف نزع سلاح "حماس" وفرض سيطرة عسكرية كاملة على القطاع الذي تبلغ مساحته 360 كلم مربع.
وأثارت هذه الخطة المثيرة للجدل، التي واجهت مقاومة حتى من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مخاوف بين المدنيين الفلسطينيين وحول مصير الرهائن الإسرائيليين الذين لا يزالون محتجزين في غزة، وأدت إلى تجدد الضغوط الدولية لإنهاء الصراع.
وفي نهاية الأسبوع، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً في شأن خطط إسرائيل وأصدر بياناً مشتركاً دان هذه الخطوة.
في مدينة غزة - هدف الهجوم الجديد - يقول محمود رحان، 30 سنة، الذي نزح 20 مرة بالفعل، إنه "يصلي من أجل معجزة"، لأن زوجته حامل ويخشى أن يولد الطفل بعد أربعة أشهر في ظل المجاعة والموت.
ويقول في يأس "نخشى الآن أننا إذا نزحنا مرة أخرى، فلن نعود أبداً. لقد قصفت منازلنا، وأصبحت الحياة في غزة غير موجودة، حتى الضروريات الأساسية غير موجودة. لا توجد مياه نظيفة، ولا صرف صحياً، ولا طعام، ولا مأوى، نحن نعيش في مكان غير صالح للسكن".
يقول رفيق أبو جرد، 54 سنة، وهو أيضاً نازح داخل مدينة غزة، إنه عندما يصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إجلاء قسري، لا يستطيع المغادرة لأنه لا يملك المال.
ويشرح قائلاً "تكلف الرحلة إلى الجنوب أكثر من 1500 شيقل [325 جنيهاً استرلينياً]، ثم تحتاج إلى خيام وقماش مشمع، وأنا لا أملك أي شيء من ذلك. وعلى أية حال، إذا أجبر مليون شخص منا عالقون في الشمال على الفرار جنوباً مرة أخرى، فلن نجد مكاناً نذهب إليه".
قضت منال عودة، 50 سنة، عاماً في بداية الحرب في ما يسمى المنطقة الإنسانية المكتظة بالسكان في المواصي في رفح، حيث تخطط إسرائيل لتجميع معظم السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة.
وتقول "حتى المنطقة ’الآمنة‘ ليست آمنة، عشت قرابة عام في المنطقة التي تسمى آمنة هناك، وقد تعرضت للقصف مئات المرات وأخليت عشرات المرات. نزحت تسع مرات في الجنوب، ودفعت في كل مرة أكثر من 300 دولار، لن أنتقل مرة أخرى".
ومن بين المخاوف الأخرى هي تفاقم المجاعة، التي قالت منظمة رصد الجوع المدعومة من الأمم المتحدة، "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" Integrated Food Security Phase Classification (IPC)، إنها تنتشر في جميع أنحاء القطاع. وتنفي إسرائيل وجود أزمة جوع في غزة، لكنها خففت القيود على دخول الإمدادات بعد ضجة عالمية واسعة النطاق وضغوط شديدة، عندما انتشرت صور لأطفال هزيلين يموتون جوعاً من غزة، وارتفع عدد القتلى.
وقد كرر الجيش الإسرائيلي تأكيده أنه يعمل على "تحسين الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، بالتعاون مع المجتمع الدولي، ويدحض الادعاءات الكاذبة بتعمد تجويع غزة".
لكن مسؤولي الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة يقولون إن المساعدات التي تصل إلى غزة غير كافية، وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 11 شخصاً توفوا في غضون 24 ساعة فقط (الـ11 من أغسطس) بسبب الجوع وسوء التغذية الحاد، ليرتفع إجمالي عدد الوفيات إلى 212، بينهم 90 طفلاً.
ويوم الجمعة الماضي، قال الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء، إن ما لا يقل عن ستة فلسطينيين قتلوا وأصيب 140 آخرون بجروح جراء إطلاق النار الإسرائيلي أثناء محاولتهم، مثل نضال، الحصول على المساعدات من معبر زيكيم، ولم يصدر أي تعليق فوري من الجيش الإسرائيلي.
كما أفادت تقارير بمقتل شخص آخر سحقته منصة نقالة محملة بالمواد الغذائية كانت أسقطت من الجو خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، إذ اضطرت الدول إلى اللجوء إلى إسقاط المساعدات، على رغم عدم فعاليتها، وكلفتها التي تزيد 40 مرة في الأقل على كلفة النقل بالشاحنات، وخطورتها التي قد تصل كما تبين إلى حد الموت.
وزعم الجيش الإسرائيلي خلال عطلة نهاية الأسبوع أن أكثر من 106 طرود من المساعدات ألقيت في إطار عمليات قامت بها ست دول مختلفة، بما في ذلك اليونان وإيطاليا، اللتان شاركتا في عمليات الإسقاط الجوي للمرة الأولى منذ بدء العملية.
بالنسبة إلى نضال، فإن عمليات الإسقاط الجوي "مجرد مسكنات تستخدم لتهدئتنا"، وأن معظمها لا يصل إلى من هم في أمس الحاجة إليه، بل إن بعضها يسقط في البحر.
ويقول "يمكن أن تسقط في البحر أو على خيمة أو منزل أو في منطقة خط المواجهة. لا يوجد مكان محدد. أحياناً تسقط في المناطق الحدودية أو النائية حيث يتوافد الشباب، ثم يقصفون ويقتلون".
ومع إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لتجديد الهجوم وسحق آمال وقف إطلاق النار، هناك قلق متزايد من أن هذه الأرقام سترتفع. وقد دعا دونالد ترمب، أقرب حليف لإسرائيل وأكبر مورد للأسلحة لها، مراراً وتكراراً إلى هدنة. وأرسل مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، للقاء رئيس وزراء قطر - التي تستضيف المحادثات - في إسبانيا لمناقشة الاتفاق.
وبحسب ما ورد، يعمل الوسطاء من الدوحة والقاهرة على إعداد إطار جديد يشمل الإفراج عن جميع الرهائن الـ50 المتبقين - أحياء أم أمواتاً - دفعة واحدة، في مقابل إنهاء الحرب في غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع. لكن مع الخطط الإسرائيلية الجديدة، ليس ثمة من أمل يذكر.
يقول نضال بنبرة يائسة "نحن مجرد بيادق في لعبة قاتلة، لعبة لا نستطيع التحكم بها".
© The Independent