Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"هجرة عكسية" من إسرائيل إلى المغرب... حنين أم رحيل؟

ينتمون إلى الفئة العمرية بين الـ30 والـ40 سنة وهم بذلك ينتسبون إلى الجيل الثاني من اليهود المولودين في تل أبيب

هاجر أكثر من 60 ألف إسرائيلي خلال عام 2024 من دون نية الرجوع وهو رقم يعادل ضعف عدد المهاجرين عام 2023 (أ ف ب)

ملخص

كان المغرب يحتضن جالية يهودية كبيرة يعيش معظمها في أحياء تسمى "الملاح" بأكبر حواضر المملكة، حيث كان عددهم يتجاوز 240 ألف شخص، لكن بعد إنشاء "دولة إسرائيل" عام 1948 هاجر اليهود المغاربة جماعات إلى إسرائيل خصوصاً في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ليتبقى منهم 2500 فقط في البلاد وفق إحصاءات متطابقة، قبل أن تنتعش هذه الهجرة العكسية بسبب الأحداث الأخيرة.

في ما يشبه هجرة عكسية، انتعشت وتيرة هجرة الإسرائيليين إلى المغرب، خصوصاً من ذوي الأصول المغربية، عبر موجات هجرة فردية ومختلفة الدوافع والسياقات، شملت أكاديميين ورجال أعمال وفنانين وغيرهم من الفئات الاجتماعية، وفق منابر إعلامية إسرائيلية متطابقة.

وتنامت هجرة الإسرائيليين، لا سيما من ذوي الأصول المغربية، صوب المغرب منذ إبرام اتفاق سلام مع المملكة برعاية أميركية رسمية أواخر عام 2020، لكنها زادت من ناحية الوتيرة والحجم خلال فترة الحرب الطاحنة الدائرة في غزة.

ويرى محللون أن نية الإسرائيليين من أصول مغربية العودة إلى المملكة تعود إلى عوامل كثيرة، أولها حال عدم الأمان في دول منطقة الشرق الأوسط بسبب حرب غزة، ثانيها الاستقرار السياسي للمغرب، وثالثها منظومة الحقوق التي يتمتع بها اليهود في المملكة.

إيقاعات الهجرة

هاجر أكثر من 60 ألف إسرائيلي خلال عام 2024 من دون نية الرجوع، وهو رقم يعادل ضعف عدد المهاجرين عام 2023، بينما أكثر الفئات العمرية التي غادرت إسرائيل هي التي يبلغ عمرها بين 25 و44 سنة، في وقت عبر زهاء 40 في المئة من سكان إسرائيل عن استعدادهم لمغادرة البلاد، وفق إحصاءات نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.

وإذا كان كثر غادروا إسرائيل إلى دول أوروبية بعينها، فإن اختيار آخرين التوجه صوب المغرب من أجل الاستقرار النهائي أو الموقت، يظل وفق مصادر إسرائيلية، قراراً فردياً لفئات اجتماعية متباينة، وليس وفق تحركات منظمة.

وينتمي أكثر المهاجرين الإسرائيليين للمغرب إلى الفئة العمرية بين الـ30 والـ40 سنة، وهم بذلك ينتسبون إلى الجيل الثاني من اليهود المولودين في إسرائيل، واختاروا المغادرة إلى المغرب باعتباره بلد آبائهم وأجدادهم.

وبعد أن كانت هذه "الهجرة العكسية" إلى المغرب خجولة وضعيفة الوتيرة قبل توقيع اتفاقات السلام، انتعشت حركتها بعد التوقيع الذي رعته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهاية 2020، لكن إيقاع الهجرة ارتفع بصورة واضحة بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتعقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في إسرائيل جراء تداعيات حرب غزة التي لم تغب عنها إيران والحوثيون من خلال صواريخ أطلقت نحو إسرائيل.

وكان المغرب يحتضن جالية يهودية كبيرة يعيش معظمها في أحياء تسمى "الملاح" بأكبر حواضر المملكة، حيث كان عددهم يتجاوز 240 ألف شخص، لكن بعد إنشاء "دولة إسرائيل" عام 1948، هاجر اليهود المغاربة جماعات إلى إسرائيل خصوصاً في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ليتبقى منهم 2500 فقط في البلاد وفق إحصاءات متطابقة، قبل أن تنتعش هذه الهجرة العكسية بسبب الأحداث الأخيرة.

دوافع الهجرة العكسية

يقول في السياق محمد شقير، الباحث في الظاهرة السوسيولوجية، إن الهجرة التي حصلت من المغرب إلى إسرائيل، لا سيما في بداية الستينيات من القرن الماضي، لم تكن بدافع أسباب أيديولوجية، على غرار تلك التي قام بها يهود أوروبا الشرقية.

ويشرح شقير أن أسباب تلك الهجرة كانت اقتصادية واجتماعية، حيث استغلت الوكالة الصهيونية الوضع الاقتصادي لفئات فقيرة، سواء في "ملاحات" (جمع ملاح) المدن والحواضر، أو في بعض القرى والقصور بالجنوب الشرقي للبلاد، من أجل استقطابهم وتسهيل هجرتهم إلى إسرائيل، في وقت فضلت فيه فئات ميسورة من يهود المغرب، من تجار وغيرهم، الهجرة إلى دول أوروبية أو كندا وغيرهما.

وسجل الباحث أنه على رغم استقرار يهود المغرب في إسرائيل، فقد حافظوا على ارتباطهم الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي ببلدهم الأصلي، إذ واصلوا التشبث بتقاليدهم وحتى لغتهم، في حين حافظوا على حبهم وتعلقهم بالعرش الملكي، من خلال تعليق صور الملوك محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس في منازلهم، بخاصة أن نظام المملكة لا يسمح بالتنازل عن الجنسية المغربية حتى في حال الحصول على جنسية أخرى.

واستطرد شقير بأن "مواصلة يهود المغرب الحج إلى المغرب سنوياً لإحياء طقوس التبرك بأوليائهم" وإقامة "الهيلولة" ساعد على التمسك بهذه الروابط، لا سيما أن هناك جالية يهودية استمرت في الاستقرار ببعض مدن المملكة، تتمتع بكل الحقوق الدينية والسياسية.

ومضى المحلل عينه قائلاً "لعل هذا المعطى هو الذي سمح بتفكير بعض اليهود من أصول مغربية في إسرائيل بالعودة إلى الاستقرار في بعض مناطق المملكة، بخاصة أن لهؤلاء دوراً ومنازل حافظوا على ملكيتها في بعض المدن".

وأكمل شقير بأن اتفاق السلام الموقع بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى تداعيات الحرب على الاستقرار الداخلي وعدم الشعور بالأمن بعدما أصبحت صواريخ إيران والحوثيين وكذلك صواريخ "حزب الله" و"حماس" تضرب أهدافاً في تل أبيب ومدن أخرى، عوامل دفعت عدداً من اليهود ذوي الأصول المغربية إلى العودة للاستقرار في المغرب.

ولم يفت شقير الإشارة إلى عوامل أخرى من قبيل الاستقرار السياسي الذي تعرفه المملكة وسيادة الأمن في البلاد بخلاف حال الحرب التي تعرفها دول منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب منظومة الحقوق التي يتمتع بها اليهود داخل المغرب ومناخ التعايش المدعم بنصوص دستورية تعتبر المكون اليهودي ضمن روافد الهوية المغربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ارتباط هوياتي وليس هجرة

على الجانب الآخر من التفسير، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي عبدالرحيم شهيبي، إن الإسرائيليين من أصول مغربية منذ تأسيس إسرائيل كانوا دائماً مثيرين لقضايا الهوية، حاولوا في البداية الاندماج ضمن جماعة المزراحيم أو اليهود الشرقيين في مقابل الأشكينازيم أو اليهود الغربيين، لكن انتماءهم إلى هذه الطائفة الشرقية لم يكن يمنعهم من إظهار خصوصياتهم الهوياتية التي تميزهم عن باقي اليهود الشرقيين.

ويكمل شهيبي أنه "اليوم بعد كل هذه الأجيال التي مرت منذ قيام إسرائيل، ما زال اليهود من أصول مغربية يحافظون على تميزهم الهوياتي، وأصبحوا يمثلون عدداً كبيراً من السكان في إسرائيل"، مبرزاً أن "اليهود من أصول مغربية هم من بين أكثر الإسرائيليين تشبثاً بإسرائيل، بمعنى أن مغادرة نهائية لإسرائيل أو هجرة عكسية نحو المغرب والاستقرار فيه، ليس مطروحاً لديهم بتاتاً سواء في الماضي أو خلال الظروف الراهنة".

واسترسل الباحث شارحاً فكرته "اليهود المغاربة لديهم شجون وارتباط عاطفي وهوياتي بالمغرب، ومن بينهم من يبحث عن جواز سفر مغربي إلى جانب جواز سفره الإسرائيلي فقط لتسهيل زياراتهم للمغرب أمام العراقيل إبان فترة القطيعة الدبلوماسية، أما اليوم فهناك طيران مباشر بين البلدين، ولم يعد هناك كثير من العراقيل".

واستدرك شهيبي أن "الحصول على الجنسية المغربية أمر صعب التحقيق، ويتطلب تجاوز كثير من التعقيدات، مع العلم أن هناك من الإسرائيليين من حصلوا عليها فعلاً، لكن ليس للاستقرار النهائي في المغرب، وإنما للحصول على تسهيلات معينة، كما الشأن بالنسبة إلى بعض الفنانين من الشباب الإسرائيلي الذين ينحدرون من أصول مغربية".

وخلص المتحدث إلى القول إن المغرب هو من البلدان القليلة التي يرتبط بها يهوده الإسرائيليون مقارنة مع يهود آخرين مثل الجزائر أو تونس أو مصر، وهو البلد الوحيد في شمال أفريقيا الذي يستقبل سنوياً نسبة معتبرة من السياح الإسرائيليين، ومن بينهم مغاربة، لأغراض دينية أو سياحية أو اقتصادية، لذا فليس هناك للإسرائيليين من أصول مغربية أن يعودوا للاستقرار في المغرب تحت أي ظرف كان.

المزيد من تقارير