ملخص
معدلات العزلة الاجتماعية في المدن الكبرى ارتفعت 60 في المئة وأكثر من نصف سكانها يشعرون بـ"انعدام الجذر العاطفي".
كانت المدينة القديمة كائناً حياً ينبض بالعلاقات بين سكانها، أي بين الجار وجاره، والبائع وزبونه، والمار وسكان الأحياء الذين يحولون الساحات إلى أمكنة للتلاقي والتسامر وتبادل الأحاديث. وكان سكان الحارات يعرفون بعضهم بعضاً، وأبواب بيوتهم مفتوحة من دون أن تعلوها كاميرات مراقبة، وكانت التحية الملقاة فعلاً بديهياً لا مجاملة ثقيلة، والتعاون وتبادل المساعدة والخدمات هو القاعدة، وحين يمرض أحد سكان الحي يهرع الجيران إلى مساعدته من دون أن يطلب. وكما في الأحزان كذلك في الأفراح، كان الجميع يتبادلون المشاعر في ما بينهم إما لمساندة الحزين أو لمشاركة السعيد فرحه.
لكن هذا النمط من العلاقات لم يعد يحتل المشهد في المدينة الحديثة، حيث صارت العلاقة بين الجيران محصورة بإلقاء تحية الصباح أو المساء كما لو أنها فرض واجب، ومن دون أن يعرف أحدهم اسم الآخر.
قد يعود الأمر إلى صعود الحياة الرقمية على حساب الروابط الاجتماعية بعدما تحول التواصل إلى مجرد إشعارات تمر في التطبيقات الإلكترونية، وغابت الأيدي التي تطرق الباب لتسأل الجار عن حاله، أو إذا ما كان يحتاج إلى المساعدة في أمر ما.
الفردانية الحديثة والاكتئاب
بدأ علم النفس الاجتماعي يسلط الضوء على العلاقات الاجتماعية في المجتمعات التقليدية، التي كانت تخلق إحساساً بالانتماء إلى الجماعة أو المكان أو إلى تقاليد عامة مشتركة، وقد وجد علماء النفس وعلماء الاجتماع أن هذا الشعور بالانتماء كان عنصراً محورياً في استقرار الفرد النفسي، وأن غياب الدعم الاجتماعي الذي لا يعتمد على فائدة أو مصلحة يجعل الإنسان أكثر عرضة للاكتئاب والقلق والشعور بالعزلة. وتؤكد تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن المجتمعات التي لا تزال تحتفظ ببعض مظاهر العلاقات التقليدية، تشهد نسباً أقل من الأمراض النفسية وحالات الانتحار مقارنة بتلك التي تعيش تحت وطأة الفردانية الحديثة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والفردانية الحديثة تبدو تحرراً شكلياً يراه بعض الفلاسفة قيداً مموهاً، وكما يشير عالم الاجتماع دوركهايم فإن الإنسان لم يخلق ليكون جزيرة في بحر المجتمع بل عقدة في نسيج اجتماعي حي، وكما استنتج دوركهايم نفسه فقد سكنا المدن الجديدة، لكننا لم نعرف كيف نتساكن نفسياً مع بعضنا بعضاً في داخلها.
في الدراسات الأنثروبولوجية التي تناولت المجتمعات الحضرية، ثمة شبه إجماع على أن المدن التقليدية في الشرق كانت تقوم على "شبكات اجتماعية حيوية". لم تكن البنية الحضرية معمارية فحسب، بل أخلاقية وعاطفية. البيت كان جزءاً من الشارع، والشارع جزءاً من الحي، والحي امتداداً للعائلة. على سبيل المثال في العاصمة اللبنانية بيروت وفي دمشق والقاهرة قبل عقود لم تكن الشرفات للفصل بين الجيران بل لتواصلهم. كانت النساء يتبادلن الطعام، والأطفال يتقافزون بين بيوت لا تفرق بينهم، والعتبة مساحة سردية تتشكل عليها الحكايات. لم يكن هناك شيء اسمه "خصوصية مفرطة"، بل شيء يشبه الأمان الجماعي.
في المقابل، أفرزت المدن الحديثة ما يمكن تسميته سوسيولوجيا العزلة، وهو نمط الحياة القائم على الانفصال. فالأبراج الشاهقة والمجمعات السكنية الضخمة حيث لا يعرف السكان أسماء بعضهم بعضاً، أخفت "الإنسان الحميمي" أو العلاقات الحميمية بين الناس والسكان. كان عالم النفس إريك فروم أشار مبكراً إلى هذه الظاهرة، وكتب أن "المدينة الحديثة لا تقتل التواصل فحسب، بل تخلق شعوراً دائماً بالاغتراب حتى وأنت بين الناس".
عتبة تلد الحكاية
في كثير من القرى والبلدات في العالم العربي لا تزال العتبة تحتفظ بمعناها ودورها القديمين، حيث هي مكان للجلوس ولرؤية العالم يمر، ولطرح الأسئلة وتبادل الأحاديث مع المارة، وهناك مئات الأمثال الشعبية حول أهمية عتبة الباب، التي تدل على الكرم أو البخل أو على اتساع صدر أصحاب البيت أو ضيقه أو على ثراء وفقر صاحب العتبة. فعتبة البيت دليل إلى ما فيه، وهي في الوقت نفسه حده الذي يوصله بالشارع أو بالحي. وإذا كانت المدينة القديمة قد حاولت محاكاة هذا التكوين، فإن المدينة الحديثة تخلت عنه طوعاً، لأن العتبة ليست مجرد بناء هندسي، إنها رمز ثقافي واجتماعي وهندسي عمراني، إنها صلة بين الداخل والعالم، بين الأنا والآخرين، ومن ثم فإن خسارة العتبة ودورها ربما يعني خسارتنا أنفسنا ككائنات اجتماعية.
ففي المدينة القديمة، لم يكن العمل مجرد مصدر للدخل، بل وأيضاً سبباً للعلاقات الاجتماعية المتينة. فصاحب المهنة كان أب المتدربين عنده أو العاملين، والزبائن لم يكونوا مجرد زبائن بل وجوهاً مألوفة تعرف بالاسم. وكان في الحي المديني لكل دكان جمهوره، وكل مهنة مرتبطة بعلاقة ثقة تدوم من جيل إلى جيل، بينما في أيامنا هذه تحولت العلاقات إلى عقود واتفاقات وربما إلى انتباه وارتياب من الآخر بعدما اختفى التواصل الحي والمباشر بين الجيران أو بين الموظفين ومديريهم لمصلحة البريد الإلكتروني وخدمة العملاء الآلية أو مجموعات الـ"واتساب"، أو يكتفي الجميع بالتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ناشراً للصور، وعارضاً حياته اليومية أمام الآخرين، وكأنه بذلك يقوم بكل ما هو مطلوب منه للحفاظ على العلاقات الاجتماعية التي تصير إلى ما يشبه التلصص بين الأصدقاء والأقارب على بعضهم بعضاً، وتصبح المشاركة بـ"اللايك" أو القلب أو الضحكة على البوست المنشور بديلاً عن تبادل الأحاديث والنقاش وتفعيل الذاكرة المشتركة للطفولة مثلاً.
اليوم، يعيش الأطفال داخل جدران مؤسسات مغلقة مثل الحضانات والمدارس والأندية وشاشات الهواتف والكمبيوتر، فانقطعت صلتهم بالمحيط المكاني، سواء كان الجيران في المبنى أو الحي والزقاق. وما عاد بإمكان طفل اليوم أن يكون ذاكرة جمعية عن المدينة، بل يعيش في فضائه الخاص. وينطبق الأمر على النساء في المدينة القديمة اللاتي كن صانعات للنسيج الاجتماعي للحي، وكان تبادل الزيارات والصبحيات والجلسات المسائية والاحتفالات والتحضير لها وتبادل الطعام والطبخ بمثابة الشبكة الحامية لاستمرار العلاقات الاجتماعية الصحية. أما في المدينة الحديثة فقد تزايد ضغط العمل وتقلص هذا الدور واختفت المجالس النسائية المفتوحة التي كانت تكرس التربية والتضامن.
في المدن التقليدية، كان الحي كياناً حياً تنسج فيه ذاكرة مشتركة. ولم يكن الشارع ممراً فحسب، بعدما صار مجرد وظيفة أو شقة للاستئجار أو عنوان على "جي بي أس". وكان الحديث مع شخص غريب في باص أو مقهى أمراً عادياً وشائعاً يولد حكاية أو صداقة، وكان الناس يرمقون بعضهم باهتمام عكس اليوم، حيث كل شخص يقبع خلف سماعة أو شاشة محاطاً بجدار من الصمت الرقمي. وحين نريد أن نعبر عن مشاعرنا للآخرين تحل محلها رموز مبتسمة أو غاضبة ترسل عبر أثير الإنترنت.
الهندسة المضادة للعلاقات
اليوم معظم المدن الكبرى صممت لأجل المرور لا لأجل اللقاء. وقد أظهرت دراسة أجراها Urban Land Institute أن 74 في المئة من مشاريع التطوير الحضري في السنوات الـ10 الأخيرة ركزت على الكفاءة والنقل والربحية، بينما تراجعت الاعتبارات الاجتماعية والبيئية. المدينة الحديثة، كما يصفها علم الاجتماع الحديث لم تعد جسداً حياً بل آلة مخصصة للتنقل والعمل. تقرير WHO لعام 2022 كشف عن أن سكان المدن يعانون الاكتئاب بنسبة 39 في المئة أكثر من سكان الأرياف. أما القلق المزمن، فارتفعت معدلاته بنسبة 60 في المئة بين من يعيشون في مناطق حضرية مكتظة. ويلاحظ تقرير مشترك بين جامعة "طوكيو" ومؤسسة Gallup أن معدلات الانتحار في المدن الكبرى تضاعفت مرتين في العقد الأخير، مع روابط واضحة بانعدام الدعم الاجتماعي والشعور باللاجدوى.
منذ العقد الثاني من الألفية، بدأت حركات مدنية وحكومية في أوروبا وأميركا تعيد النظر في هذا المسار. وبحسب تقرير نشره معهد Project for Public Spaces الأميركي، فإن "تصميم المساحات لا يتعلق بالجمال أو التنقل فحسب، بل بإعادة إحياء الحميمية الجماعية".
في العاصمة الألمانية، طورت بلدية برلين منذ 2016 مشروعاً اسمه Berliner Begegnungsorte أو "أماكن اللقاء البرلينية"، حيث حولت الأرصفة المتروكة في بعض الأحياء إلى نقاط تجمع محلية، وضعت فيها مقاعد ملونة، وخزائن كتب صغيرة مجانية.
وفي العاصمة الفرنسية باريس، أطلقت البلدية مشروعJardins partagés (الحدائق المشتركة)، حيث يمنح سكان الأحياء إمكانية إنشاء حديقة في مساحة فارغة مهجورة، يزرعون فيها، يلتقون، ويطبخون أحياناً.
هذه الحدائق، التي تتجاوز اليوم 150 حديقة في العاصمة وحدها، صارت بمثابة غرف معيشة خارجية. في دراسة لبلدية باريس، قال 78 في المئة من المشاركين إنهم تعرفوا إلى جيرانهم للمرة الأولى من خلال هذه الحدائق.
في مانهاتن، حيث تقدر قيمة العقار بالمليمتر، بدا من المستحيل تحرير مساحات للناس. لكن تجربةOpen Streets عام 2020 أثناء جائحة كورونا فتحت العيون، فحين أغلقت شوارع أمام السيارات، وتركت للمشاة والدراجات والأنشطة الفنية ازدهرت الحياة، لذا وبعد انتهاء مرحلة كورونا تم تثبيت هذه التجربة في 2023، وإغلاق 80 شارعاً أمام السيارات أيام العطل. وبحسب تقرير لبلدية نيويورك، فإن هذه المبادرة أسهمت في تعزيز الصحة النفسية.
من أكثر التجارب راديكالية تجربة "السوبر بلوك" (Superilla) في برشلونة. تقوم الفكرة على دمج تسعة مربعات سكنية في وحدة واحدة تغلق أمام المرور غير الضروري، وتخصص للمشاة والأطفال والموسيقى والأنشطة المجتمعية.