ملخص
قد يؤثر ما يسمى "العامل النفسي" في تذبذب الأسعار في سوق النفط نتيجة المضاربات ضمن بيع وشراء العقود الآجلة، إلا أن هناك عوامل عدة يكون تأثيرها ممتداً في مدى متوسط وطويل وتبدو ظاهرياً بعيدة من أسواق الطاقة.
أنهت أسعار النفط الأسبوع المنتهي الجمعة الماضي على انخفاض بنسبة خمسة في المئة تقريباً في المتوسط الأسبوعي، مع توقعات الأسواق باستمرار ضعف الأسعار لتدور في نطاق 65 دولاراً للبرميل، أعلى أو أقل قليلاً.
ويرجع محللون ذلك إلى ما هو أكثر من العوامل المباشرة ذات التأثير السريع في المتعاملين مثل زيادة إنتاج تحالف "أوبك+" في جانب العرض، أو زيادة السحب من المخزونات التجارية لدى الدول المستهلكة على جانب الطلب.
وقد يؤثر ما يسمى "العامل النفسي" في تذبذب الأسعار في سوق النفط نتيجة المضاربات ضمن بيع وشراء العقود الآجلة، إلا أن هناك عوامل عدة يكون تأثيرها ممتداً في مدى متوسط وطويل وتبدو ظاهرياً بعيدة من أسواق الطاقة.
من أهم تلك العوامل خلال الآونة الأخيرة، الحرب التجارية التي بدأتها الإدارة الأميركية الجديدة للرئيس دونالد ترمب بفرض التعريفات الجمركية على شركاء الولايات المتحدة.
ومع البيانات والإعلانات المتكررة والمتناقضة أحياناً وزيادات وخفض الرسوم الجمركية، حتى في ظل اتفاقات تجارية بين أميركا وبعض شركائها، لا يمكن حساب التأثير الفعلي للتعريفة الجمركية داخل الأسواق بصورة دقيقة حالياً، إلا أن معظم المحللين والاقتصاديين يرون تأثيراً كبيراً في المدى المتوسط والطويل في ظل استمرار الحرب التجارية وفرض التعريفة الجمركية، ليس فحسب بسبب تأثر الطلب نتيجة تراجع التجارة العالمية، وإنما أيضاً نتيجة اضطراب سلاسل إمداد الطاقة بسبب التعريفة الجمركية المتصاعدة والعقوبات المتتالية على دول كثيرة.
لماذا يختلف رد فعل السوق هذه المرة؟
على عكس ما حدث حين أعلن الرئيس ترمب التعريفة الجمركية المتبادلة مطلع أبريل (نيسان) الماضي لم تشهد الأسواق انهياراً مع موعد السابع من أغسطس (آب) الجاري لبدء التطبيق على 90 دولة، فلدى الإعلان الأولي انهارت الأسواق وهبط سعر النفط بنسبة 19 في المئة، وبعد أسبوع من الإعلان قرر ترمب تعليق تنفيذ التعريفة الجمركية لمدة 90 يوماً لإفساح المجال لمفاوضات اتفاقات تجارية مع الشركاء.
لكن هذه المرة مع بدء التطبيق، كانت السوق "هضمت" إلى حد كبير تلك العقوبات ولم تتأثر أسعار النفط كثيراً وتحركت السوق في إطار الأساسات، مع قرار تحالف "أوبك+" زيادة الإنتاج بأكثر من نصف مليون برميل يومياً، وزيادة السحب من المخزونات الأميركية بحسب الأرقام الأسبوعية.
وبدت الأسواق مستقرة إلى حد ما، مع انخفاض بسيط في الأسعار نتيجة شبه استقرار الأساسات، فمعادلة العرض والطلب تظل متوازنة مع تعويض نقص المخزونات التجارية للزيادة في إنتاج "اوبك+"، إلا أن هناك شبه إجماع على التأثير السلبي لفرض التعريفة الجمركية في أسوق الطاقة بصورة عامة وفي السوق النفطية بصورة خاصة، حتى على رغم أن النفط الخام والمشتقات المكررة تحظى بإعفاءات في ظل التعريفة الجمركية الأميركية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبدءاً من نهاية الأسبوع الماضي، طبقت التعريفة الجمركية الأميركية على 90 دولة بنسب تراوح ما بين 10 و50 في المئة، وبحساب المتوسط، مع الوضع في الاعتبار التعريفة الجمركية على القطاعات المختلفة إلى جانب التعريفة الجمركية الأساس والإعفاءات المعلنة، تصبح التعريفة الجمركية على الصادرات إلى الولايات المتحدة عند نسبة 19.7 في المئة، لتكون تلك النسبة أكبر تعريفة جمركية على الواردات الأميركية منذ عام 1930.
إلى ذلك، هناك تأثير عام للتعريفة الجمركية في سوق النفط نتيجة تأثيرها في نمو الاقتصاد العالمي، بحسب ما ذكر تقرير مفصل من "غلوبال كوموديتي إنسايتس" التابعة لمؤسسة "ستاندرد أند بورز" صدر الخميس الماضي.
وبحسب تقديرات شركة الأبحاث فإن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيتعرض لتباطؤ النمو إلى 2.5 في المئة في الأكثر العام الحالي، وذلك أبطأ معدل نمو للاقتصاد العالمي منذ الأزمة المالية العالمية 2008–2009 وأزمة وباء كورونا عام 2020.
ما هو التأثير المتوقع؟
ومع تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، فمن المتوقع أن ينتقل هذا البطء إلى النفط، بما يخل بأساسات السوق من ناحية العرض والطلب ويضغط على الأسعار نزولاً. وبحسب تحليلات "غلوبال كوموديتي إنسايتس" يتوقع ألا يرتفع الطلب العالمي على النفط العام الحالي عن أكثر من 635 ألف برميل يومياً.
ويعد هذا التباطؤ في نمو الطلب العالمي على النفط كبيراً جداً ويزيد على نصف تقديرات نمو الطلب على النفط قبل إعلان الرئيس ترمب قرارات التعريفة الجمركية، إذ كان التوقع زيادة الطلب بنحو 1.3 مليون برميل يومياً هذا العام.
ويعود ذلك إلى توقعات الانخفاض غير المتوقع في استهلاك الطاقة داخل الولايات المتحدة والصين والشرق الأوسط وآسيا وغيرها.
على سبيل المثال، تواجه الهند تعريفة جمركية أميركية بنسبة 50 في المئة، وربما مزيداً من العقوبات للضغط عليها كي تتوقف عن استيراد النفط الروسي، وحتى قبل زيادة ترمب التعريفة الجمركية على الهند كانت وكالة الطاقة الدولية خفضت توقعاتها لنمو الطلب الهندي على النفط ضمن تقريرها الأخير الشهر الماضي إلى 90 ألف برميل يومياً فحسب.
وبما أن الهند هي الآن المحرك الأكبر للنمو الاقتصادي العالمي، فإن هبوط الاستهلاك فيها إلى أدنى مستوى يعني مزيداً من ضعف جانب الطلب داخل السوق النفطية.
ومن الأمثلة التي يذكرها تقرير "غلوبال كوموديتي إنسايتس" ما أشارت إليه تقارير الإفصاح المالي لشركات التداول لعقود الطاقة خلال الموسم الأخير للربع الثاني. ففي الأسبوع الأول من أغسطس الجاري، أعلنت شركة "غلينكور" نتائجها نصف السنوية التي أظهرت هبوطاً بنسبة 88 في المئة بالنسبة إلى تجارتها في الطاقة وصناعات الصلب المعتمدة على الفحم كوقود، وأظهرت بيانات شركة "ترافيغورا" عدم حدوث أية زيادة في العائدات، وحذرت الشركة من توقعات سلبية مع "تأثر الأسواق بنشاطات تجارية استباقية نتيجة فرض التعريفة الجمركية".
ويظل تقدير التأثير النهائي للتعريفة الجمركية غير واضح حتى الآن، خصوصاً على أسواق الطاقة وتحديداً النفطـ، فهناك غموض شديد يحيط بكثير من القرارات والاتفاقات.
وعلى سبيل المثال فإن الاتحاد الأوروبي تعهد في اتفاقه مع واشنطن باستيراد طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار مقابل خفض ترمب التعريفة الجمركية على صادرات دول الاتحاد إلى 15 في المئة، إلا أن معظم المحللين في السوق يرون ذلك التعهد غير قابل للتحقيق لأسباب كثيرة منطقية.
ثم هناك أيضاً جدل قانوني داخل الولايات المتحدة في شأن فرض إدارة ترمب التعريفة الجمركية، إذ تنظر المحكمة العليا دعوى بأن الرئيس تجاوز سلطاته باستخدام قانون الطوارئ الاقتصادية في فرض تلك التعريفة الجمركية، ذلك إضافة إلى أن الرئيس ترمب يمكن خلال أي وقت أن يخفض أو يزيد التعريفة الجمركية على أي بلد كإجراء عقابي، أيضاً مع التوسع في فرض العقوبات الاقتصادية التي قد تطاول قطاع الطاقة لأي بلد.ش