Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كنجي ميزوغوشي... حب وحرب وأشباح السينما اليابانية

90 فيلماً لصاحب "قمر شاحب بعد المطر" خلال حياته القصيرة ونزعة سلمية لمجابهة هزيمة الوطن في الحرب

كنجي ميزوغوشي (1888 – 1956) (موقع السينما اليابانية)

ملخص

منذ بداياته كان المخرج الياباني كنجي ميزوغوشي يعمل بسرعة، حتى أنه في العام 1923 وحده حقق 10 أفلام، وعام 1924 وصل سجله إلى 11 فيلماً، وطوال ثلاثة عقود حقق ميزوغوشي عدداً كبيراً من الأفلام، وفي تنوع في المواضيع والأساليب مذهل.

"... لقد حل الخريف!، آه كم أنني على عجلة من أمري كي أستعيد فرح العمل مع زملائي في الاستوديو"، كانت هذه آخر عبارة خطها المخرج الياباني كنجي ميزوغوشي، في الـ22 من أغسطس (آب) 1956، في دفتر كان يدون فيه يومياته وانطباعاته. ذلك أن هذا المخرج الذي كان أسهم، قبل ذلك بأعوام قليلة، إلى جانب زميله أكيرا كوروساوا، في إطلاع العالم على وجود سينما حقيقية وكبيرة في اليابان، مات بعد ذلك بيومين في المستشفى الذي كان أودع فيه، إذ لم يعد ثمة أمل لعيشه بعد إصابته باللوكيميا (سرطان الدم).

حين كتب ميزوغوشي تلك العبارة كان يعرف أنه سيموت لا محالة، ولكن هل كان يمكنه أن يتمنى أي شيء آخر، فنان عاش كل حياته في السينما وللسينما، بدءاً من عام 1922، حين كان في الـ24 من عمره، وحقق بدءاً من العام التالي عدداً من الأفلام لم يضاهه العدد الذي حققه أي مخرج آخر من جيله.

منذ بداياته كان ميزوغوشي يعمل بسرعة، وحسبنا أن نذكر أنه عام 1923 وحده حقق 10 أفلام، وعام 1924 وصل سجله إلى 11 فيلماً، صحيح أنهما كانا رقمين قياسيين لم يعد إليهما أبداً بعد ذلك، ولكن صحيح أيضاً أن ميزوغوشي حقق طوال ثلاثة عقود عدداً كبيراً جداً من الأفلام، وفي تنوع في المواضيع والأساليب مذهل.

اكتشاف متأخر

أما إذا كان العالم لم يكتشفه إلا قبل وفاته بثلاثة أعوام، فذلك كان أمراً طبيعياً في زمن كانت فيه المركزية الغربية طاغية في الفنون. ولكن منذ عرض فيلم ميزوغوشي الأشهر "أوغتسو مونوغاتوري" (الذي عرف في أوروبا باسم "حكايات القمر الشاحب بعد المطر") في مهرجان البندقية عام 1953 - أي في العام نفسه الذي حقق فيه - لم يكف العالم عن اكتشاف كثير من أفلام ميزوغوشي، كما أفلام غيره من كبار السينمائيين اليابانيين.

وحتى اليوم لا تزال أفلام ميزوغوشي تكتشف وتدهش، بل إن ثمة أفلاماً عدة له تعتبر اليوم من أبرز معالم السينما العالمية، وتتفوق كثيراً على "أوغتسو مونوغاتوري". ومع هذا يظل هذا الفيلم القوي والغريب، الأشهر والأكثر شعبية بين أفلام هذا المخرج، وإلى جانب بعض أفلام كوروساوا ("الساموراي السبعة" و"راشومون" مثلاً) من أشهر ما عرفه العالم من أفلام اليابان. إذاً، بسبب موته المبكر، كان "أوغتسو مونوغاتوري" واحداً من آخر الأفلام التي حققها ميزوغوشي في حياته (فهو لم يحقق من بعده "سوى" سبعة أفلام!).

موباسان اليابان

وكما اعتاد هذا المخرج أن يفعل، بالنسبة إلى نصف أفلامه في الأقل، أتى هذا الفيلم مقتبساً عن روايتين تعتبران أشهر ما كتبه آكيماري يويدا، أحد أبرز كتاب اليابان في القرن الـ18، الذي يعتبر عادة "موباسان اليابان" بسبب نزعة اجتماعية طاغية على أعماله في صورة عامة... غير أن هذه النزعة لا تبدو هنا في هاتين الروايتين في أبرز تجلياتها، كما أن اشتغال ميزوغوشي عليهما سينمائياً قلل أكثر من شأن النزعة الاجتماعية، تاركاً حيزاً واسعاً لمناخ أسطوري، في الوقت نفسه الذي لم يفت فيه المخرج أن يركز، من خلال موضوع الفيلم على نزعة سلمية صارخة ضد الحروب والقتل، كانت، هي، شغل الفنانين اليابانيين الشاغل، ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية بفاجعة هيروشيما وناكازاغي وقنابلهما النووية (ولكن من دون أن ننسى هنا أن النزعة السلمية هذه هيمنت على المبدعين اليابانيين في وقت كانت هزيمة بلدهم قد باتت صاخبة عند نهايات الحرب العالمية الثانية وهم الذين كان معظمهم قبل ذلك بمن فيهم مخرجنا هذا، حربجيين ميالين إلى نوع محلي من الفكر النازي؟ غير أن هذا ليس بالطبع موضوعنا هنا على أية حال).

والحال أن ميزوغوشي قال بنفسه إن ما شجعه على خوض العمل على روايتي يويدا وتحويلهما إلى موضوع لفيلم واحد، إنما كان - بالتحديد - ما وجده فيهما من إمكان حقيقي للتعبير عن النزعة العلمية. ومع هذا، لا بد من الإشارة إلى أن مجموعة القصص التي عثر فيها ميزوغوشي على ضالته لدى يويدا، إنما هي مجموعة من حكايات تدور من حول الأشباح والتطير والمعتقدات الشعبية التي كانت، ولا تزال، رائجة في اليابان، في هذا المجال. كما لا بد من الإشارة إلى أن يويدا، في الأصل، كان اقتبس حكاياته من بعض الفولكلور الصيني، ومن هنا ذلك المناخ الضائع، في الفيلم نفسه، بين ما هو منتمٍ إلى الذهنية الصينية وما هو منتمٍ إلى الذهنية اليابانية.

أخوان لعالمين متباعدين

في اختصار شديد يمكن القول إن حكاية "أوغتسو مونوغاتوري" هي حكاية أخوين (يمثل كل منهما عالماً قائماً في ذاته، وذهنية على حدة)، أكبرهما هو جنجورو، الخزاف المحب لعمله والمنكب ليله ونهاره عليه. ويحدث لجنجورو هذا أن تغويه ذات مساء فتاة حسناء (سرعان ما سيتبين لنا أنها في حقيقتها شبح). وهكذا يهمل صاحبنا عمله وحياته الاجتماعية ليمضي مع فاتنته هذه أيامه ولياليه وسط السرور والملذات داخل قصر تقوده إليه ويدعى "قصر كوشيكي".

وفي مقابل هذا الأخ الأكبر الذي خضع لإغواء المرأة/ الشبح، لدينا الأخ الأصغر، توباي، الذي يسعى، هو، إلى المجد، لا إلى التفوق في عمله ولا إلى الحصول على أجمل النساء... لذلك نراه يرمي نفسه في لهيب الحرب وقسوتها، لكنه لا يعود من ذلك كله إلا بالبؤس وبالقسوة التي تطبع حياته وشخصيته، وتنتزع عنه هو الآخر معالم إنسانيته، تماماً كما تمكنت المرأة - الشبح من أن تنزع عن أخيه جنجورو معالم إنسانيته.

عند هذا المستوى يتبدى الفيلم بالنسبة إلينا أشبه بأمثولة وعظية أخلاقية تحاول أن توجه إلى المتفرج رسالة واضحة تناهض الافتتان باللذة الجسدية من ناحية، والافتتان بالحرب من الناحية الأخرى، على اعتبار أن الافتتانين معاً يقودان الإنسان إلى التهلكة.

ولكن إذا كان ميزوغوشي قد عرف كيف يصور القسم الخاص بافتتان جنجورو بالمرأة - الشبح، وحياته معها في ذلك القصر الشاحب، فإنه بدا أقل براعة في تصوير مشاهد الحرب والمعارك التي يخوضها توباي، بحيث بدا أن هذه المشاهد مقحمة على الفيلم من خارجه، لتقطع أوصاله وسياقه المنطقي، في محاولة سيقال إن ميزوغوشي إنما خاضها لكي يقحم على موضوع في غاية الجمال نزعة سلمية تندد بالحرب، مسقطاً على فيلم "لا يتحمل ذلك أصلاً"، أفكاراً تبدو هنا دخيلة وخطية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعيداً من بؤس الحرب

ومع هذا يروي كاتب سيناريو الفيلم - شراكة مع ميزوغوشي - يوشيكاتا يودا، أن المخرج حين عرض عليه العمل على السيناريو قال له: "أنا لا أريد أن يكون الفيلم مجرد حكاية أشباح، أريده أن يكون فيلم سر وغموض عميقاً جداً، وواضحاً جداً في الوقت نفسه... أنا لا أحب أن أظهر وفي شكل مباشر كل ضروب البؤس الناتج من الحرب، ولا أريد للأفكار أن تظهر في شكل مباشر". والواقع أن مشاهدتنا الفيلم تكشف لنا أن ما أراده ميزوغوشي لم يتحقق تماماً، فظهرت الأفكار واضحة وظهر البؤس فاقعاً، ليسيئا إلى عمل، له مع ذلك جماله المطلق وحيويته وسحره. وفي الأقل كان هذا رأي أهل السينما الذين شاهدوا الفيلم في عروضه الأوروبية الأولى، فكان ذلك فاتحة تعرفهم على ميزوغوشي الذي كان وقتذاك (1953) في الـ55 من عمره.

كنجي ميزوغوشي ولد عام 1898 في طوكيو. وبعدما درس الرسم في معهد يدرس الرسم الأوروبي أسهم في العمل رساماً وكاتباً أيضاً في مجلة طليعية اسمها "كوبي بوشين نيبو"، ولكن لمدة عام فحسب، إذ سرعان ما وجد نفسه ينجذب في عام 1920 إلى السينما، ليتحول في العام التالي إلى مخرج، وتبدأ رحلته السينمائية التي لم تتوقف حتى موته، والتي أنتجت ما يقارب 90 فيلماً، قد يكون "أوغتسو مونوغاتوري" أشهرها، لكن روائعها تحمل عناوين مثل "حزينة أغنية المهزومين" (1923) و"الإنسان" (1925) و"سيمفونية المدينة الكبيرة" (1930) و"شقيقات جيون" (1936) و"حكاية الخزامى المتأخر" (1939) وبخاصة "حكاية أوهارو" (1952) و"العشاق المصلوبون" (1954) و"المساعد سانشو" (1954) و"الإمبراطورة يانغ كويفي" (1955) و"شارع العار" (1956) الذي كان آخر أفلامه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة