ملخص
في ظل تراجع الدعم الأميركي وتقلب مواقف ترمب، تسعى أوكرانيا إلى تعزيز اكتفائها الذاتي عبر تطوير صناعتها العسكرية وزيادة إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتوزيع منشآت التصنيع سراً لمواجهة الهجمات الروسية وضمان استمرار الرد الدفاعي الفاعل.
الأسبوع الماضي، منح الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الروسي فلاديمير بوتين مهلة نهائية جديدة: إما القبول بوقف إطلاق النار في حرب أوكرانيا أو مواجهة حزمة جديدة من العقوبات.
بدا أن صبر الرئيس الأميركي تجاه الزعيم الروسي نفد أخيراً، إذ أعلن أنه "لم يعُد مهتماً بالمحادثات"، وقلص مهلة الـ50 يوماً التي حددها سابقاً إلى موعد أقرب بكثير.
ولكن مهما بدت هذه العودة الظاهرة للإلحاح على ضرورة إنهاء الحرب مشجعة وباعثة على الأمل بالنسبة إلى أوكرانيا، فإن مواقف ترمب من الحرب ودعم كييف تفتقر إلى أي قدر من الاستقرار والثبات.
فمن "الكمين" الدبلوماسي الشهير الذي واجهه فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، إلى التقلبات في الالتزامات المالية الأميركية، كان من الحكمة أن تبدأ كييف بالبحث عن مصادر إمداد أكثر ثقة، وفي مقدمتها تطوير صناعتها الوطنية الناشئة في مجال التسليح.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تخفِ أوكرانيا أن من أبرز أولوياتها تطوير صواريخ محلية تضاهي في قوتها التدميرية وطول مداها المسيّرات الهجومية الانتحارية من طراز "شاهد" وصواريخ "كروز" والصواريخ الباليستية التي دأبت موسكو على إطلاقها خلال الأسابيع الأخيرة، ضمن هجمات جوية واسعة النطاق استهدفت العاصمة كييف وعدداً من المدن في مختلف أنحاء أوكرانيا، من بينها خاركيف ودنيبرو وأوديسا وزابوريجيا وإيفانو فرانكيفسك وبافلوهراد.
وبافلوهراد، الواقعة في منطقة دنيبروبيتروفسك جنوب شرقي أوكرانيا، تعرضت أخيراً لأكبر هجوم جوي لها منذ بدء الغزو الشامل للبلاد.
حين وصل فريق "اندبندنت" إلى المدينة بعد مضي يومين على الهجوم، كانت لا تزال تغطيها سحابة هائلة من الدخان الأسود، مرئية من على بعد كيلومترات، بينما استمرت النيران في الاشتعال.
ومعلوم أن بافلوهراد تحتضن مرافق لإنتاج الصواريخ تعود للحقبة السوفياتية، وادعت وزارة الدفاع الروسية، عقب الهجوم الأخير، أنها استهدفت منشآت متخصصة في تصنيع أجزاء من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ديما، الموظف في قسم التواصل والإعلام التابع لنقابة عمال مناجم الفحم المحلية، يسكن في المنطقة الصناعية من المدينة، الجزء الذي نال النصيب الأكبر من الهجوم.
قال ديما إنهم اعتادوا دوي الانفجارات المتكررة الناجمة عن الصواريخ والمسيّرات الروسية. ولكن الهجوم الأخير كان الأعنف حتى الآن، إذ طال أمده بصورة غير مسبوقة، وبدا بلا نهاية. وأوضح أن الروس كثفوا هجماتهم الجوية خلال الفترة الأخيرة، وأنها تستهدف غالباً منشآت مدنية أكثر منها عسكرية، في محاولة واضحة لبث الرعب في نفوس السكان".
وبينما تواصل روسيا تصعيد عملياتها من دون اكتراث لأية مهلة زمنية يحاول ترمب فرضها، تبحث كييف عن طرق جديدة للرد بالمثل.
وأثبتت أوكرانيا أن طائراتها المسيّرة المتطورة قادرة على تدمير أهداف في عمق الأراضي الروسية، على مسافة تتجاوز الألف كيلومتر من الحدود الأوكرانية.
وتنتج أوكرانيا وتستخدم فعلاً مجموعة من أنظمة الصواريخ تحمل أسماء "نبتون" Neptune و"باليانيتسيا" Palyanytsia و"بيكلو" Peklo و"روتا" Ruta. ووفق كييف، تضاعف الإنتاج ثماني مرات بين عامي 2023 و2024، وسط توقعات بارتفاع وتيرة الإنتاج هذا العام. أما الرئيس زيلينسكي، فصرح بأن أوكرانيا تعتزم إنتاج 3 آلاف صاروخ "كروز" وطائرة "درون" عام 2025.
والصاروخ الأوكراني المحلي الصنع "آر- 360 نبتون" من نوع "كروز"، المزود برأس حربي يزن 150 كيلوغراماً، خضع في نسخته الأخيرة لتعديلات سمحت بتوسيع نطاق مداه، وفق زيلينسكي. ومع ذلك، فإن صواريخ "نبتون" والصواريخ الأوكرانية الأخرى تحمل رؤوساً متفجرة لا تمثل سوى جزء بسيط، وأحياناً عشر القوة التدميرية التي تمتلكها الصواريخ الروسية.
وتبذل الفرق الهندسية الأوكرانية جهوداً متواصلة لتطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على توجيه رد مؤلم مماثل لما يقاسيه الأوكرانيون يومياً على يد القوات الروسية. وأحد هذه الأسلحة يسمى "بارس" Bars (المعروف أيضاً باسم "ليوبارد" Leopard)، وتحدث عنه علانية للمرة الأولى وزير الصناعات الاستراتيجية هيرمان سميتانين خلال معرض للأسلحة الأوكرانية في أبريل (نيسان) الماضي.
وتشير المعلومات القليلة المتوافرة عنه إلى أنه صاروخ هجين يجمع بين خصائص طائرات "الدرون" البعيدة المدى من جهة، وصواريخ "كروز" المزودة بمحرك نفاث من جهة أخرى، مما يمنحه سرعة كبيرة ومدى يتراوح ما بين 700 و800 كيلومتر، إضافة إلى رأس حربي يزن بين 50 و100 كيلوغرام من المتفجرات.
لكن ليس من المؤكد أن صواريخ "بارس" هي السلاح الحاسم الذي تعوّل عليه أوكرانيا. فبسبب حمولة رأسها الحربي التي لا تتجاوز 100 كيلوغرام تبقى قدرتها التفجيرية أضعف بكثير مقارنة بالصواريخ الروسية التي غالباً ما تحمل رؤوساً حربية تزن طناً كاملاً.
وألمح الرئيس زيلينسكي العام الماضي إلى نجاح اختبار محرك خاص بصاروخ "باليستي" محلي الصنع. ورجح خبراء عسكريون أن يكون هذا الصاروخ نسخة مبنية على أساس نظام الصواريخ التشغيلي التكتيكي "سابسان"Sapsan ، المعروف أيضاً بالاسمين "هريم" Hrim و"هريم 2" Hrim2 الذي يعود تصميمه لمطلع الألفية الثالثة، ولكنه تعثر بسبب عقبات تمويلية ونقص في الدعم السياسي. واستؤنف العمل عليه بعد الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم الأوكرانية ومنطقة دونباس الشرقية عام 2014.
وخلال تصريح إلى "إندبندنت"، قال أحد العاملين في قطاع الصناعات الدفاعية في البلاد، فضل عدم الكشف عن هويته، إن المعلومات المتعلقة بتطوير الصواريخ ربما تكون الأسرار التي تحيطها أوكرانيا بأكبر قدر من التكتم.
وأضاف أن الجميع، حتى كبار المسؤولين، ممنوعون من التطرق إلى هذه المسألة. وإذا خالف أحدهم هذا الحظر فيواجه الاعتقال. وحده الرئيس زيلينسكي يملك السلطة أو الإذن بالكشف عن أي تفصيل حول هذا الأمر".
ويقود وزير الصناعات الاستراتيجية سميتانين الجهود المبذولة لتعزيز قدرة البلاد على إنتاج الأسلحة. وقال مستشار الوزير، يوري ساك، إن أوكرانيا بدأت تدرك خطورة الوضع بعدما قطعت الولايات المتحدة دعمها من الأسلحة للمرة الأولى خلال خريف وشتاء 2023- 2024.
وأضاف ساك، "أدركنا أنه يتعين علينا المضي قدماً نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في التسلح، ونتيجة لذلك، أنيطت بوزارتنا مهمة إعادة تشغيل وإحياء صناعة الدفاع الأوكرانية. شرعنا في وضع خطط طوارئ، وأصبحت الآن جاهزة للتنفيذ".
وتابع "على رغم الحرب والضربات الصاروخية ومئات مسيّرات ’شاهد‘ التي تهاجم أوكرانيا كل ليلة تقريباً، نجحنا في زيادة إنتاج صناعتنا الدفاعية بمقدار 35 ضعفاً خلال الأعوام الثلاثة الماضية".
ومعلوم أن مخزونات روسيا من الأسلحة والذخيرة، إضافة إلى قدرتها العالية على تصنيع مختلف أنواع الأسلحة، منحتاها تفوقاً واضحاً في بداية الحرب، ولكن الدعم العسكري الغربي أدى دوراً محورياً في تعديل ميزان القوة لمصلحة أوكرانيا.
وقال ساك إنه منذ الغزو الروسي الأول عام 2014، شهد قطاع الصناعات الدفاعية في أوكرانيا نمواً كبيراً، إذ ارتفع عدد الشركات العاملة في هذا المجال إلى نحو 100 شركة دفاعية مملوكة للدولة ونحو 700 شركة خاصة.
وعلى سبيل المثال انتقلت أوكرانيا من إنتاج مدفع "هاوتزر" واحد فقط شهرياً عام 2022 إلى إنتاج 15 مدفعاً في الشهر حالياً، بحسب كلام ساك.
وفي الواقع، غيّر الصراع في أوكرانيا طبيعة النزاعات المسلحة، إذ شهدت تحولاً جذرياً نحو استخدام المسيّرات، فيما تخطط كييف لإنتاج 5 ملايين منها خلال العام الحالي.
كذلك تنتج أوكرانيا وفق ساك "مجموعة كاملة من الأنظمة الروبوتية غير المأهولة والمسيّرات البرية والبحرية والجوية التي تشمل كلاً من مسيّرات استطلاعية وقاذقات، إضافة إلى مسيّرات يصل مداها حتى 2000 كيلومتر".
وأضاف أن هذه الطائرات تحقق نجاحاً كبيراً في استهداف آليات الحرب الروسية ومصافي النفط ومستودعاتها، نظراً إلى أن جميع أرباح تجارتهم النفطية تذهب لتمويل حربهم وارتكاب جرائم حرب".
ولكن الروس يعلمون أن أوكرانيا تستثمر موارد ضخمة في إنتاج صواريخها وأسلحة أخرى، ويسعون جاهدين إلى تدمير أية مواقع يرصدون ضمنها عمليات تطوير أو تصنيع تلك الصواريخ.
وأوضح ساك أن بلاده تحاول "قدر الإمكان الحفاظ على سرية مواقع صناعتنا الدفاعية. وحيثما أمكن، أعدنا تشغيل منشآت قائمة كانت متوقفة عن العمل لأكثر من 20 عاماً، كذلك نبني منشآت جديدة. وكل هذه العمليات تجري بسرية تامة لأن الروس يستهدفون منشآت صناعتنا الدفاعية".
وفي خطوة لافتة، وزعت أوكرانيا عمليات إنتاج أسلحتها الدفاعية على ثلاثة أو أربعة مواقع صغيرة مخفية، وكل موقع يصنع نوع الأسلحة نفسه. هكذا، في حال استهدف العدو أحد هذه المواقع ودمره، يستمر إنتاج الأسلحة في المواقع الأخرى من دون انقطاع.
وزارت "إندبندنت" إحدى هذه المنشآت في غرب أوكرانيا شرط عدم كشف النقاب عن أية تفاصيل تسمح بتحديد موقعها.
والمنشأة المخبأة داخل منطقة صناعية شاسعة، متداعية نوعاً ما، تعود للحقبة السوفياتية، تنتج ناقلات الجنود المدرعة من طراز "بي تي آر- 4" (BTR-4E) من نوع "بوسيفالوس" Bucephalus [اسم الحصان الأسطوري للإسكندر الأكبر]. عام 2012، بدأ إنتاج هذا التصميم الأوكراني ذي العجلات الثمانية. وحتى 2022، كانت عمليات الإنتاج تتم في مصنع كبير في مدينة خاركيف شرق أوكرانيا استهدفته روسيا مع بداية الغزو الروسي الشامل للبلاد.
صاحب المصنع الذي قدم نفسه باسم أندريه في هذه المقالة، جندي سابق شارك في معارك ضد القوات الروسية. وكان مصنعه ينتج سابقاً آلات دقيقة ثقيلة وقطع محركات، ثم تحول إلى تصنيع الأسلحة في مطلع عام 2024 ليصبح واحداً من ثلاث منشآت مخفية موزعة في مختلف أنحاء أوكرانيا، تتولى إنتاج ناقلات الجنود المدرعة من طراز "بوسيفالوس".
وقال أندريه، وبدا خلفه وهج فرن الصهر: "يشمل عملنا صب وإنتاج معظم مكونات ناقلات الجنود المدرعة، بدءاً بالهيكل والبرج وصولاً إلى العجلات ومحاورها. أما المحركات فنستوردها من ألمانيا، فيما تتم عملية تثبيت الأسلحة على الناقلات في مواقع أخرى. ننتج أربع ناقلات جنود مدرعة شهرياً ونعتزم إنتاج مزيد في المستقبل".
إلى جانب 300 عامل في المصنع، يواظب مفتشون من وزارة الدفاع الأوكرانية على التحقق، وبدقة عالية، من جودة كل مكون من أجزاء المعدات تنتجه هذه المنشأة.
وبطبيعة الحال، فالمنشآت المخفية لتصنيع الأسلحة محمية بأنظمة دفاع جوي للتصدي لصواريخ روسيا ومسيّراتها.
وتعد هذه المواقع السرية لإنتاج الأسلحة هدفاً رئيساً للجواسيس والمخبرين الروس في الميدان، فضلاً عن المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية، لذا يضع أندريه المصنع تحت حماية حراس أمن ومعدات تراقب محيط المنطقة.
وأوضح أندريه "لكننا نعتمد في المقام الأول على الثقة"، مضيفاً "فأبناء المجتمع الواحد الذين تربطهم روابط المعرفة والعيش معاً لن يغدروا ببعضهم بعضاً أو يخونوا وطنهم".
© The Independent