ملخص
في زحمة المهرجانات الدولية، حيث الأضواء والبساط الأحمر والنجوم المتأنقون، يبرز مهرجان لوكارنو (6-16 أغسطس "آب" الجاري) كاستثناء ناعم، يغازل السينما بلغة أخرى. فبين جبال الألب السويسرية وضفاف بحيرة ماجيوري التي تضيف لمسة خاصة على المكان تنعقد تظاهرة سينمائية لا تشبه غيرها، لا في شكلها ولا في روحها، بل في وفائها لما يمكن تسميته "متعة المشاهدة الجماعية".
لوكارنو، المدينة السويسرية الصغيرة الواقعة في كانتون تيتشينو تتحول كل صيف إلى مختبر سينمائي مفتوح، حيث تعرض الأفلام في الهواء الطلق وتتحول الساحة الكبرى في المدينة إلى مسرح عملاق، فيتقاسم الجمهور والنقاد وصناع الفن مقاعدهم تحت السماء. ساحة "بيازا غراندي" التي تتوسط البلدة الساحرة بشاشتها التي تناطح السماء وبقدرتها الاستيعابية التي تبلغ 8000 مشاهد، تمنح المهرجان خصوصيته الكبرى بعرض جماعي يذيب الحواجز بين الفن والناس. إنها واحدة من هذه التظاهرات الثقافية التي، على غرار "ريتروفاتو" داخل مدينة بولونيا الإيطالية المخصص للأفلام الكلاسيكية، تشارك في صناعة ملامح مدينة وتشكل مساحة ترفيهية خلال الصيف الأوروبي الحار الذي يزداد حرارة عاماً بعد عام.
من الصعب عزل المهرجان عن المدينة. فالجميع مشغول به على مدار الساعة، إذ إن صغر المكان يجعل التورط فيه سهلاً. حتى سكان المباني المطلة على "البيازا غراندي" في وسعهم مشاهدة فيلم الأمسية (وأحياناً يعرض فيلمان) من شبابيك شققهم. الضيوف والمخرجون والطلاب والنقاد يتقاسمون الأماكن نفسها. وفي الصباح تدور النقاشات داخل المقاهي الصغيرة، وفي المساء تصبح الحانات على أطراف الساحة ملتقى عفوياً، يذوب فيه الفارق بين من خلف الشاشة ومن يجلس أمامها. أما القاعات الموزعة في أرجاء المدينة (عروض الهواء الطلق ليست سوى جزء بسيط، ولكن مهم من تجربة المهرجان) ونقاشات ما بعد العروض، فتبقى النواة الأساس. ثمة ديناميكية اجتماعية واضحة، مدفوعة بقناعة أن السينما في جوهرها فعل جماعي لا فردي، بعيداً من أي تمييز طبقي. وعلى رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الحضور الفعلي للمهرجان بما فيه الإقامة، مكلف بسبب غلاء المعيشة في سويسرا.
موقع اللغات الثلاث
ما يميز مهرجان لوكارنو الذي يقدم هذا العام دورته الـ78، ليس فقط موقعه الجغرافي الفريد عند التقاء ثلاث لغات (الإيطالية والفرنسية والألمانية)، إنما أيضاً قدرته على استثمار هذا التلاقي في خلق هوية سينمائية متجددة، لا تركن إلى السائد ولا تنجرف خلف المكرس. وبعيداً من صراع الأضواء بين المهرجانات الكبرى، يختار لوكارنو أن يكون مساحة للسينما الباحثة عن صوتها، لا تلك التي سبق أن وجدت جمهورها. لذلك، ليس من المستغرب أن تجد في برمجته أسماء جدد من مناطق مهمشة سينمائياً، أو تجارب أولى رهن الاكتشاف، إلى جانب أسماء مكرسة.
واحدة من اللحظات القوية في هذه الدورة، ستكون تكريم جاكي شان نجم أفلام الحركة الأسطوري، الذي سيعرض له فيلمه الشهير "قصة شرطة" (1985) ضمن حضور جماهيري كبير، جنباً إلى جنب مع عروض سينمائية أخرى من أرشيف كبار السينمائيين مثل ستانلي كوبريك الذي سيستعاد من خلال "شاينينغ"، وهذا في مناسبة تكريم مصممة الأزياء الإيطالية الكبيرة ميلينا كانونيرو صاحبة الأوسكارات الأربع، التي عملت على هذا الفيلم الشهير. ومن المكرمين أيضاً المخرج الأميركي ألكسندر باين والممثلة البريطانية إيما تومسون والممثلة الإيرانية غولشيفته فراهاني.
على الضفة المقابلة، هناك مساحة مخصصة لاكتشافات جديدة من آسيا وأفريقيا والعالم العربي، مثل فيلم "إركالا - حلم جلجامش" للمخرج العراقي محمد الدراجي، الذي ينحت أسطورته المعاصرة في قلب بغداد. إنه الفيلم العربي الوحيد الذي سيحظى بعرض في "البيازا غراندي" في ما يعد حدثاً كبيراً لمخرجه، وبقية الأفلام العربية سنشاهدها في أقسام دخل صالات مقفلة.
يضم المهرجان 11 قسماً، ثلاثة منها تمنح جوائز فحسب. وفي المسابقة الرسمية، التي يترأس لجنة تحكيمها المخرج الكمبودي ريثي بان تعرض 18 فيلماً للمرة الأولى عالمياً ودولياً، غالبها لمخرجين ومخرجات لا تزال خطواتهم السينمائية في بداياتها. أفلام من إيطاليا وصربيا والنرويج وواليابان وغيرها. ومن بين هذه الأعمال، حكايات تنقل ما يحدث داخل المنطقة العربية منذ السابع من أكتوبر منها "مع حسن في غزة" للفلسطيني كمال الجعفري، و"حكايات الأرض الجريحة" لعباس فاضل، وهما يستلهمان الواقع المتوتر داخل الشرق الأوسط، ويقدمانه من زوايا إنسانية وأسلوبية متباينة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الافتتاح هذا العام سيكون مع "في أرض آرتو" للمخرجة الأرمينية تامارا ستيبانيان، عمل يتقاطع فيه الشخصي مع السياسي، في سردية تبدأ برحلة إدارية وتنقلب إلى اكتشاف ذاتي في ظل النزاع الأرميني-الأذري. هذا أول فيلم للمخرجة التي ولدت في أرمينيا وشبت داخل لبنان ودرست في الدنمارك وتقيم حالياً بفرنسا، ولنا عودة مفصلة إليه فور عرضه. الحضور اللبناني لا يقتصر فقط على عرض فيلم عن مآسيه في ظل العدوان الإسرائيلي، إنما يتجسد في حدث فني من الدرجة الأولى بتكريم "قبوط برودكشنز"، شركة إنتاج لبنانية تسهم منذ نحو عقدين في "نهضة" السينما اللبنانية ما بعد الحرب، وأصبحت تملك في كاتالوغها أكثر من 60 فيلماً من لبنان والعالم (شاركت في تمويل "كتاب الصورة" آخر فيلم لغودار)، واستطاعت أن تفرض حضورها في المهرجانات الدولية من خلال أفلام لجوانا حاجي توما وخليل جريج وغسان سلهب وأحمد غصين ومونيا عقل. جورج شقير (صاحب الشركة) وميريام ساسين (منتجة) ستسند إليهما جائزة "ريموندو ريزونيكو" التي تمنح منذ عام 2002، وسبق أن نالتها أسماء كبيرة مثل المنتج البرتغالي الفرنسي باولو برانكو.