ملخص
تعتبر ولايتا نهر النيل والشمالية من أكثر المناطق المنتجة للذهب في السودان، إذ ترفد الخزانة الحكومية بنحو 750 مليون دولار سنوياً وفقاً لعاملين في هذا القطاع، مشيرين إلى أن نحو مليوني معدن سوداني ينتجون 80 في المئة من الذهب في ولاية نهر النيل التي تتصدر إنتاج ولايات البلاد من هذا المعدن.
منذ اندلاع حرب السودان الدائرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، تأثر قطاع التعدين العشوائي في استخلاص الذهب، لا سيما في ولايتي نهر النيل والشمالية اللتين تعيشان حالاً من الفوضى، في ظل غياب الرقابة الحكومية المرتبطة بصحة البيئة لما تشهده مناطق التعدين من انتشار واسع باستخدام مواد سامة في عمليات التنقيب، إذ تضاعفت بصورة مروعة مع استمرار الحرب.
هذه الأخطار دفعت سكان المدن والقرى الواقعة في الولايتين إلى تنظيم اعتصامات سلمية احتجاجاً على استخدام مواد محظورة شملت السيانيد والزئبق، فضلاً عن خشيتهم من توسع رقعة التعدين التقليدي في مناطقهم، مما يهدد حياتهم ومواشيهم ومزارعهم.
وتعتبر ولايتا نهر النيل والشمالية من أكثر المناطق المنتجة للذهب في السودان، إذ ترفد الخزانة الحكومية بنحو 750 مليون دولار سنوياً وفقاً لعاملين في هذا القطاع، مشيرين إلى أن نحو مليوني معدن سوداني ينتجون 80 في المئة من الذهب في ولاية نهر النيل التي تتصدر إنتاج ولايات البلاد من هذا المعدن.
غياب الرقابة
المواطن مصطفى طارق أحد سكان مدينة أبو حمد أوضح أن معظم أسواق التعدين تقع في مناطق صحراوية نائية تتبع لولايتي نهر النيل والشمالية، إذ يجري بيع وشراء السيانيد والزئبق والثيويوريا، وهي مواد سامة بأثمان باهظة من دون حسيب أو رقيب من الجهات الحكومية المختصة. وأضاف طارق "بعد اندلاع الحرب في البلاد تضاعفت الفوضى في هذا القطاع، بسبب صمت الجهات المختصة، خصوصاً شركة الموارد المعدنية باعتبارها الجهة المسؤولة عن التعدين التقليدي والمنظم"، وتابع أيضاً "المشكلة التي تزعج المواطنين أن كثيراً من المعدنيين يمارسون الأعمال الخاصة باستخلاص الذهب، مثل إنشاء الأحواض والخلاطات داخل المناطق السكنية، وهي مسألة في غاية الخطورة، لأنه يجري غمر تلك الأحواض والخلاطات بالمياه، ومن ثم تضاف إليها مادة السيانيد التي تعتبر مواد شديدة السمية تقود إلى أمراض قاتلة، فضلاً عن إنشاء بعضها بالقرب من مجاري المياه وجرفها في موسم الأمطار، مما يهدد حياة الإنسان والحيوان والبيئة"، وشدد على ضرورة وضع معايير صارمة للحد من التعدين العشوائي، مبيناً أنه في كثير من الأحيان تنشأ بين السكان المحليين والشركات خلافات ومشادات قاد بعضها إلى القتل.
توجس ومخاوف
في السياق، أفادت الناشطة المجتمعية فتحية عبدالمنان بولاية نهر النيل بأن "معظم المواطنين يقيمون في مناطق شديدة الانحدار، وهي عرضة للفيضانات والسيول، لا سيما أن موسم الأمطار بدأ فعلياً في الولايات الشمالية، مما يجعل السكان عرضة للأخطار البيئية بسبب الآثار التي ترتبت على استخدام الزئبق والسيانيد، وظهر ذلك جلياً في الأحواض المنتشرة وسط المساكن"، وواصلت عبدالمنان "خلال يونيو (حزيران) أنشأ عدد من المعدنين موقعاً للتعدين، ومن ثم توسع الأمر حتى وصل إلى أربعة مواقع بمساحات كبيرة، لكن الشيء المؤسف أن هذه الموقع تقع في مجاري السيول، مما يعني نشر الموت جراء التلوث"، ونبهت الناشطة المجتمعية إلى أنه من الضروري اتخاذ الإجراءات اللازمة والصارمة حرصاً على سلامة المواطنين في تلك المناطق تفادياً لحدوث مزيد من العواقب التي من شأنها أن تكلفهم كثيراً من المتاعب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تدابير مشددة
من جانبها قالت الباحثة في مجال البيئة أميمة حسن "نجد أن معظم السكان في ولايتي نهر النيل والشمالية يجهلون خطورة مخلفات التعدين التي تستخدم فيها مادة السيانيد لاستخلاص الذهب، ولا سيما أثرها في النساء، في ما يخص إنجاب أطفال مشوهين أو مصابين بالعمى والشلل وحساسية الجلد، أو موتهم وهم أجنة في بطون الأمهات، بحسب التقارير الطبية التي عزت الأمر إلى تفشي النفايات الكيماوية والأحماض المحفورة في باطن الأرض، إذ تنتشر في أماكن يمارس فيها المواطنون حياتهم اليومية من دون إدراكهم بأن السموم تحاصرهم"، وزادت حسن "من الواضح أن شمال البلاد بات ضمن نطاق أحزمة الأمطار الغزيرة والفيضانات والسيول، لذا يجب اتباع تدابير مشددة لمنع تسرب المواد السامة بخاصة السيانيد، إلى جانب مخلفات التعدين والحيلولة دون وصولها إلى المدن والقرى ونهر النيل والخيران".
حرك مستمر
من جهته أشار عبدالرحيم حسين، الناشط في إحدى الكيانات المناهضة لعمليات التعدين التقليدي، إلى أن الحرب بين الجيش و"الدعم السريع" أدت إلى ظهور أطراف تنشط في عمليات التعدين والتجارة في المواد المستخدمة في عمليات استخلاص الذهب، مما أدى إلى توسع رقعة التعدين العشوائي في ظل تهاون الجهات المختصة. وأضاف حسين "هناك نشاط واسع في التنقيب عن الذهب يمارس في خور ود القطيني غرب مدينة بربر في ولاية نهر النيل، الذي يعتمد عليه المزارعون في ري مزارعهم، إلى جانب الرعاة في سقي مواشيهم، ومن المؤكد أن هذا التمدد سيعجل بهلاك ونفوق المواشي بسبب التلوث البيئي"، وتابع "على رغم المطالبات والشكاوى الاحتجاجية على الأساليب المضرة في التعدين التي نفذها الأهالي في أكثر من منطقة شهدت أضراراً بالغة قوبلت بالرفض ومحاولة خداع المواطنين بأن هذا النشاط غير مضر بصحتهم"، ونوه الناشط حسين إلى أنهم سيواصلون حراكهم المناهض لعمل شركات التعدين التقليدي حتى يجري وقف هذا النشاط بالنظر إلى أخطاره على الإنسان والحيوان والمراعي والأراضي الزراعية ومياه الشرب.