ملخص
تعرض الجنيه السوداني إلى تدهور حاد بسبب انخفاض قيمته لأدنى مستوى خلال تاريخه أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية، إذ وصل سعر الدولار الأميركي إلى 3200 جنيه للشراء و3188 جنيهاً للبيع في السوق السوداء.
شكل انخفاض الجنيه السوداني في مقابل العملات الأجنبية عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطنين، مما فاقم الوضع الإنساني المتردي الذي يعانيه السودانيون بفعل الحرب، وبخاصة بعد توقف الأعمال اليومية وعدم صرف رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص لأكثر من عامين.
وشهدت أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية في العاصمة الخرطوم والولايات ارتفاعاً كبيراً ومفاجئاً، في حين انعكست الزيادة الجديدة التي أقرتها وزارة المالية، برفع سعر الدولار الجمركي من 2167 جنيهاً إلى 2400 جنيه، زيادات كبيرة على أسعار السلع المستوردة، وعلى رأسها السكر والطحين والزيت والرز، إضافة إلى زيادات جديدة في أسعار الوقود يتوقع أن تكون لها تداعيات إضافية على أسعار السلع.
تدهور وتدابير
وتعرض الجنيه السوداني لتدهور حاد بانخفاض قيمته لأدنى مستوى خلال تاريخه أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية، إذ وصل سعر الدولار الأميركي إلى 3200 جنيه للشراء و3188 جنيهاً للبيع في السوق السوداء، وفق ما أفاد به متعاملون في السوق الموازية.
في غضون ذلك أعلنت الحكومة حزمة تدابير لمعالجة الانخفاض في قيمة العملة الوطنية واستقرار سعر الصرف، وعقد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس اجتماعاً طارئاً ضمّ وزراء المالية والصناعة والتجارة ونائب محافظ بنك السودان المركزي، وناقش تداعيات تدهور سعر صرف الجنيه في مقابل العملات الأجنبية وسبل إيجاد معالجات فعالة لتحسين أداء الاقتصاد الوطني.
وأشار إدريس إلى ضرورة تنسيق الجهود بين مكونات القطاع الاقتصادي كافة والسلطات ذات الصلة من أجل تحسين أداء الاقتصاد الوطني وتحصينه من الأزمات التي تؤثر في معاش الناس، وتوفير الخدمات الأساس.
وأكد الاجتماع ضرورة معالجة الآثار الاقتصادية الناتجة من حرب الميليشيات المتمردة التي تستهدف الاقتصاد القومي والتوافق على أهمية محاربة الظواهر التي تؤثر سلباً في استقرار الاقتصاد الكلي وتدهور سعر صرف العملة الوطنية مثل التهريب وتجارة العملة، وكذلك الاستيراد غير المنضبط، فضلاً عن التوافق على وضع تحوطات عاجلة تحافظ على أمن الاقتصاد القومي.
تضخم وغلاء
وأثار ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية سخطاً وشكاوى لدى مواطنين كثر، إذ اعتبروا الزيادة غير مبررة ولا منطقية، في حين عزاها تجار إلى كلفة السوق وأسعار النقد الأجنبي في السودان.
ورأى المواطن حارن محجوب الذي يقطن مدينة القضارف أن "التصاعد المستمر في الأسعار يجعل المعيشة في البلاد أمراً لا يطاق وفوق طاقة الاحتمال في ظل ظروف الحرب الحالية، لأن غالبية المواطنين لا يملكون المال بسبب أوضاع النزوح وتوقف الأعمال اليومية، كما أن الموظفين في الدولة يعيشون على الكفاف، فمصير الرواتب بات مجهولاً في وقت تتصاعد فيه أسعار السلع يوماً بعد آخر"، مضيفاً أن "انخفاض الجنيه السوداني في مقابل العملات الأجنبية، ورفع سعر الدولار الجمركي من قبل وزارة المالية، انعكسا زيادات كبيرة في أسعار السلع المحلية والمستوردة، في وقت تعاني الأسر يومياً لتوفير وجبتين للأطفال وكبار السن بأقل الكُلف، مع استغلال وجشع بعض أصحاب المحال التجارية الذين رفعوا الأسعار بصورة تفوق الخيال مما فاقم أوضاع الناس بدرجة لا توصف".
وأوضح محجوب أن "الحكومة ليست لديها حلول بديلة ناجعة، بدليل أنه وفي كل مرة يتراجع فيها الجنيه السوداني، وبعد إجراء التدابير واستقرار سعر الصرف تظل أسعار السلع الاستهلاكية من دون رقابة أو ردع قانوني".
وتابع المواطن السوداني أن "سعر الدولار بات يتحكم بصورة مباشرة في مجريات الحياة ومعاش الناس في البلاد، فالمسألة عبارة عن حلقات متكاملة لا ينفصل بعضها عن بعض، وفي غياب المعالجات فإن الوضع مرشح لمزيد من التضخم والغلاء".
ركود الأسواق
وضربت الأسواق السودانية حال من الركود والكساد بسبب ارتفاع أسعار السلع تماشياً مع انخفاض الجنيه في مقابل العملات الأجنبية، واشتكى عدد من تجار الجملة والتجزئة من عدم قدرتهم على مجاراة الأسعار التي لا تستقر على حال، مما اضطر كثراً منهم إلى التوقف عن عمليات البيع لحين تحسن الوضع.
وقال التاجر عبدالقادر حماد إنهم يعيشون منذ أكثر من أسبوع وضعاً معقداً جراء الارتفاع اليومي في أسعار السلع الاستهلاكية، مضيفاً "نبيع السكر والزيت اليوم بسعر ونضطر إلى الشراء غداً بسعر أعلى، مما يؤثر في رأسمال المحل، ونتضرر كثيراً من عدم ثبات واستقرار السوق، وفي الوقت ذاته فإن المواطنين يتعرضون لنا بالسب والسخرية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واعتبر حماد أن "العمل في الأسواق خلال الفترة الحالية مجازفة كبيرة تقود إلى خسائر فادحة وربما دخول السجون حال استمرار الحرب والفشل في التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع المسلح في القريب العاجل"، موضحاً أنهم "يعملون من أجل تأمين مصاريف أسرهم فقط خصوصاً بعد تراجع القوة الشرائية بصورة سريعة مع ارتفاع البطالة وعدم صرف الرواتب نتيجة ظروف الحرب، فضلاً عن ارتفاع كلفة النقل أضعافاً مضاعفة بسبب أزمة الوقود وارتفاع أسعاره".
فجوة وتراجع
وعلى نحو متصل أشار المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد الدخري إلى أن "انخفاض الجنيه السوداني في مقابل العملات الأجنبية الأخرى له أثر كبير للغاية في حياة الناس ومجمل الأوضاع الاقتصادية، وبخاصة في ظل استمرار الحرب وتزايد معدلات الفقر والبطالة"، لافتاً إلى أنه "نتيجة للأضرار الجسيمة التي ألحقتها الحرب بالقطاعات الحيوية في البلاد مثل الزراعة والصناعة والخدمات، فقد تراجع إجمال الناتج المحلي وأدى تراجع أداء هذه القطاعات إلى اشتداد الاختناقات في الإنتاج المحلي، مما زاد الاعتماد على الواردات وبخاصة السلع الغذائية والحربية، كما تقلص الحجم الكلي للصادرات التي تعد المصدر المهم للنقد الأجنبي".
ونوه الدخري إلى أن "الحرب أثرت بصورة مباشرة في المؤشرات الاقتصادية، وأدت إلى انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم"، وأردف يقول إن "قرار رفع الدولار الجمركي جاء متزامناً مع تراجع واضح في سعر صرف العملة المحلية، إضافة إلى استغلال القطاع الخاص الوضع لرفع الأسعار مما ضاعف من تأثيرها في أسعار السلع والخدمات، وتحميل الزيادات للمستهلك بصورة كاملة مما أدى إلى تفاقم معاناة ملايين السودانيين"، لكن المتخصص في الشأن الاقتصادي أكد قدرة الفريق الاقتصادي في السودان على اتخاذ سياسات مالية مناسبة قد تحد من هذه التأثيرات، وتبني سياسات نقدية أكثر استدامة لضبط السوق وتحقيق التوازن النقدي.