ملخص
أعطت وكالة الأمن القومي الضوء الأخضر لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، وهي مسؤولة عن توفير وتسهيل تمويل مشاريع التنمية، من أجل مباشرة لقاءات واجتماعات مع بنوك ومؤسسات اقتصادية مغربية، بهدف تحديد المشاريع الاستثمارية التي تحتاج إليها منطقة الصحراء.
يسير الخطاب الأميركي الرسمي في عهد الرئيس دونالد ترمب تجاه المغرب بخطوات متناسقة ومنسجمة بين "السياسي والاقتصادي"، من خلال تأكيد البيت الأبيض دعم سيادة المملكة على الصحراء المتنازع عليها مع جبهة الـ "بوليساريو"، وفي الوقت نفسه تنفيذ خطة استثمارية ضخمة في الأقاليم الصحراوية.
وبعد أن أكدت واشنطن أكثر من مرة خلال ولايتي الرئيس دونالد ترمب دعمها خطة الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب حلاً لنزاع الصحراء الذي استمر زهاء أربعة عقود، تتجه أميركا إلى ضخ استثمارات تتجاوز 5 مليارات دولار في الصحراء، ويرى مراقبون أن هذه الاستثمارات الأميركية في الأقاليم الجنوبية للمغرب ليست مجرد مشاريع اقتصادية محضة بل ترجمة لانزياح إستراتيجي في عقيدة واشنطن حيال شمال أفريقيا، علاوة على أنها تتموقع داخل "مبادرة الأطلسي المغربية".
ترتيبات اقتصادية
وأعطت وكالة الأمن القومي الضوء الأخضر لمؤسسة "تمويل التنمية الدولية الأميركية"، وهي مسؤولة عن توفير وتسهيل تمويل مشاريع التنمية، من أجل مباشرة لقاءات واجتماعات مع بنوك ومؤسسات اقتصادية مغربية بهدف تحديد المشاريع الاستثمارية التي تحتاج إليها منطقة الصحراء، ولتنزيل علاقات الشراكة القوية بين المغرب والولايات المتحدة على أرض الواقع، خصوصاً في ولاية ترمب، تتجه كبرى الشركات والمؤسسات الخاصة الأميركية نحو الاستثمار في مناطق الصحراء، خصوصاً في العيون والداخلة كبريات حواضر الصحراء.
وسبق للرئيس ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2020 أن وقع إعلاناً يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، معتبراً أن مقترح الحكم الذاتي جاد وواقعي، قبل أن يجدد هذا التصور الأميركي لحل النزاع ضمن رسالة بعثها إلى العاهل المغربي أبرز فيها دعم واشنطن للحكم الذاتي وتأكيدها سيادة المملكة على الصحراء الغربية".
ويراهن المغرب على الاستثمارات الأميركية والأوروبية أيضاً من أجل تحويل منطقة الصحراء إلى جنة خضراء من خلال إطلاق مشاريع اقتصادية وصناعية كبرى، لتكون قطباً استثمارياً هائلاً يربط بين القارة الأفريقية بباقي العالم، وتحديداً غرب القارة السمراء.
ويلعب المغرب بورقة تحويل الصحراء إلى قطب اقتصادي كبير ليكون البوابة الرئيسة لأوروبا وأميركا نحو دول الساحل المهمشة تنموياً والغنية بثرواتها الطبيعية وموادها الخام، وذلك كله يقابله منح صورة إشعاعية للصحراء وبالتالي كسب العالم في صف تأييد مقترح المملكة لحل نزاع الصحراء متمثلاً في الحكم الذاتي، في مواجهة طرح جبهة الـ "بوليساريو" المطالبة بالانفصال.
ويأتي هذا الرهان المغربي متسقاً مع المبادرة المغربية الأطلسية الرامية إلى فتح نوافذ السواحل البحرية للجنوب المغربي أمام بعض دول منطقة الساحل لكسر عزلتها في إطار "تعاون جنوب ـ جنوب"، وهو الطموح الذي تدافع عنه الرباط بقوة في المحافل السياسية والاقتصادية الدولية.
وتصدرت الولايات المتحدة لائحة المستثمرين الأجانب في المغرب عام 2022 بتدفقات تتجاوز 761 مليون دولار، وهو ما يشكل 31 في المئة من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد، فيما ارتفعت قيمة هذه الاستثمارات الأميركية خلال عام 2024.
منطلق "رابح - رابح"
وقرأ الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية محمد الزهراوي خليفات هذه الخطوة الأميركية على أنها مؤشر إلى الخروج العملي والفعلي لصناع القرار الأميركي من المنطقة الرمادية في ما يتعلق بالاعتراف بمغربية الصحراء، بعدما ظلت مواقف الإدارات المتعاقبة متسمة بالتذبذب والغموض، وحدد الزهراوي مستويين اثنين لفهم سياق الاستثمارات الأميركية في الصحراء، الأول سياسي من خلال الدعم الأميركي للمغرب، فهو مقدم لتأكيد الاعتراف بسيادته على الأقاليم الجنوبية، غير أن المواقف السياسية إذا لم تتبعها بعض الإجراءات الملموسة فستظل بمثابة "إعلان النيات"، بمعنى أن التنزيل العملي للقرارات السياسية يجري إجرائياً عبر المستويات الثقافية والاقتصادية والعسكرية، وقال المحلل ذاته إن الاستثمارات بمثابة التجسيد الفعلي للقرار السياسي على الأرض، إذ بات الدعم الأميركي يتجاوز الجوانب الدبلوماسية التي عادة ما تخضع لبعض التوازنات الدقيقة التي تجعل القرار السياسي غير ثابت ومتحول.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما المستوى الثاني، وفق الزهراوي، فهو إستراتيجي حيث تشكل الاستثمارات الأميركية في منطقة الصحراء فرصة لتقوية الشراكة الإستراتيجية المغربية - الأميركية، فمنطقة الصحراء بما تتوافر عليه من موارد طاقية مهمة، إضافة إلى الموقع الإستراتيجي كمنطقة للربط القاري بالموازاة مع المشاريع التي أعلنها المغرب، مثل المشروع الأطلسي ومشروع الربط عبر أنبوب الغاز النيجيري- المغربي، كلها مؤهلات وإمكانات إستراتيجية تشجع الولايات المتحدة على الدخول في هذه المشاريع من منطلق رابح - رابح. وخلص الزهراوي إلى أن الدخول الأميركي في الدينامية الدبلوماسية التي تعرفها منطقة شمال أفريقيا والمنطقة المغاربية محكوم بدوافع إستراتيجية وجيوسياسية، بخاصة في ظل الصراع حول النفوذ بين أميركا والصين على أفريقيا.
ميلاد هندسة استراتيجية جديدة
من جانبه رأى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "كندا" هشام معتضد أنه في السياق الجيوسياسي المتحول لما بعد الحرب الباردة لا تبدو الاستثمارات الأميركية المرتقبة والمشاريع الاقتصادية في الصحراء مجرد استثمار محض، بل ترجمة دقيقة لانزياح إستراتيجي في عقيدة واشنطن حيال شمال أفريقيا، موضحاً أنها "استثمارات تحمل في طياتها دلالات جيو-اقتصادية بالغة العمق تتموضع داخل منظومة أوسع وهي 'مبادرة الأطلسي المغربية' التي تبلورت كتصور ذي أبعاد إستراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية إلى رهانات الأمن الجماعي والتموقع الاقتصادي الأطلسي". ونبه معتضد إلى أن "المبادرة المغربية للأطلسي ليست مجرد دعوة إلى التعاون بل إعلان ميلاد هندسة إستراتيجية جديدة تنقل المغرب من موقع الطرف إلى موقع المركز في المعادلة الأطلسية"، موضحاً أن "الولايات المتحدة بإدراكها لهذا التحول البنيوي لا تستثمر فقط في المكان بل في الدور الذي يلعبه المغرب كدولة صاعدة تربط بين أفريقيا الغربية والأطلسي وأوروبا الجنوبية، في لحظة تعرف فيها المنظومة الغربية اهتزازاً في مراكز ثقلها وتبحث عن روافع إقليمية موثوقة".
وتابع معتضد أن "هذه الاستثمارات ترتبط بنيوياً بمبادرة الأطلسي المغربية، إذ إنها تأتي لترسيخ البعد العملي والتطبيقي لهذه المبادرة وتمنحها شرعية اقتصادية تزيد من صدقيتها الدبلوماسية والأمنية"، متابعاً بأن "الصحراء المغربية التي كانت موضوع نزاع لعقود تتحول اليوم إلى رافعة مركزية لمشروع تنموي إستراتيجي تجد فيه واشنطن فرصاً عدة لتعزيز نفوذها في قلب فضاء يعج بالمنافسة الروسية والصينية". وختم الأستاذ الجامعي تحليله بالقول إن "ما يحصل اليوم هو التقاء بين الرؤية المغربية والتحولات الكبرى في التموضع الأميركي، إذ إن الاستثمار في الصحراء ليس فعلاً ظرفياً بل خطوة محسوبة في إطار تصور شامل لعالم جديد، قاعدته ليست فقط القوة بل الشرعية والاستقرار والقدرة على صنع المعنى في فضاء يفيض بالتحولات".