ملخص
بحسب تقرير صادر عن "المنتدى العربي للصحافة الرقمية" عام 2023، فإن نحو 68 في المئة من عائدات بعض المنصات الإخبارية العربية الإلكترونية تأتي من النقرات الإعلانية، لا من اشتراكات المستخدمين، أما في لبنان ومصر والأردن، فقد شهدت بعض الصفحات الإخبارية نمواً في المتابعة بنسبة تفوق 200 في المئة بين 2020 و2022، مدفوعة باستخدام عناوين صادمة ومنشورات مدفوعة على "فيسبوك" و"تويتر"، غير أن هذا النمو الرقمي لم يُترجم إلى محتوى صحافي جاد، بل إلى سباق محموم نحو "ترند اللحظة"، حيث يتحول الإعلام إلى مرآة للتفاعل لا للحقيقة.
باتت إستراتيجية النقرات الجذابة في الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، هي الإستراتيجية المتعبة لجذب القراء، ويتم ذلك بواسطة العناوين المثيرة الجاذبة للقارئ كي ينقر على الروابط، وهذه الطريقة واحدة من أهم مصادر الدخل والربح في صناعة الإعلام حالياً، ولو لدى الصحف العريقة والمعروفة التي لا يزال بعضها يصدر ورقياً، لكن وراء واجهتها اللامعة والعناوين اللافتة تكمن آلة اقتصادية متطورة تعتمد على عائدات الإعلانات وتفاعل المستخدمين وتحليل البيانات، وتكشف أيضاً عن تأثير هذه الإستراتيجية الأوسع في استهلاك الإعلام ومهنة الصحافة.
آلية عمل النقرات الجذابة
تعتمد عملية النقرات الجذابة على مبدأ بسيط هو إثارة فضول القارئ عبر صياغة عناوين مفاجئة أو تعد بقراءة خبر صادم، أو بالكشف عن أسرار تظهر للمرة الأولى، أو محتوى مبالغ في إثارة الانتباه، وتستغل هذه الإستراتيجية علم النفس البشري الذي يحدد طرق إشباع الرغبة والفضول والخوف من تفويت الفرصة، ثم بعدما ينقر القارئ على العنوان يجد محتوى لا يرتقي إلى مستوى ما تثيره العناوين، لكن ذلك لا يهم، فالنقرة الأولى هي بوابة توليد العائدات المالية من دخل الإعلانات.
ويعتمد الإعلان الرقمي بصورة عامة على نماذج مثل "الكلفة لكل نقرة"، أو "الكلفة لكل ألف ظهور"، وتعتبر العناوين الجاذبة للنقرات فعالة للغاية، حيث يدفع المعلنون مقابل كل نقرة على إعلانهم، وعند إنتاج عدد كبير من النقرات على الخبر المنشور يمكن زيادة إيرادات الإعلانات، ثم يؤدي عدد النقرات الكثير إلى جذب عدد إضافي من المشاهدات للصفحة فترتفع الإيرادات، وهكذا تكون سلسلة الجذب مكونة من عنوان خبري مثير ومضخم يؤدي إلى زيادة عدد النقرات التي بدورها تجذب مزيداً من المتابعين.
هذه الأعمال الصحافية تدخل في إطار ما يسمى أو ما اصطلح على تسميته بـ"الاقتصاد الانتباهي"، حيث تصاغ عناوين الأخبار والمقالات كعناوين الإعلانات، صادمة ومثيرة وناقصة، وتَعِد بكثير ولكنها تعطي القليل، وكلما كانت القصة أكثر إثارة للغضب أو إثارة جنسية زادت أرباحها.
والاقتصاد الانتباهي (Attention Economy) هو النظام الذي يحكم الصحافة الإلكترونية اليوم، في منصات الأخبار والمواقع التي تعتمد على جذب انتباه القارئ بأية وسيلة ممكنة، لأن انتباهه هو العملة الحقيقية التي تولد الربح من العناوين المثيرة والصور الصادمة والقصص المختصرة التي تُستخدم لخطف نظره، والقارئ في هذا النظام لا يكون قارئاً بالمعنى الحقيقي، بل مستهلكاً سلبياً، يتنقل بين عناوين مثيرة من دون توقف، وفي النهاية يخرج منها من دون أن يعرف ما يقرأ.
هذا ما بدأ يظهر بشدة في المواقع الإخبارية العربية، حيث الصحافة تعاني أزمات مالية وسياسية فتكون ملزمة بدخول سوق النقرات وإعلاناتها ذات المردود المالي، وتصبح عناوين مثل "على الأرجح سترى أشياء غريبة في الصحراء الليلة"، أو "فيديو يُظهر جسماً غامضاً فوق الأهرام" غالبة الانتشار في الصفحات الصحافية الإلكترونية العربية بينما تقوم بعض المواقع بتضخيم العناوين عن "فساد فلان"، أو "عملية أمنية للقبض على فنان ما"، بينما يكون مضمون الخبر غير ذي صلة بالعنوان، أو يكون خبراً متداولاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب دليل "الصحافة والأخبار الزائفة" الصادر عن منظمة الـ"يونسكو" في 2020، فإن العناوين الخادعة تُعدّ إحدى أدوات المعلومات المضللة، وتُفهم على أنها استخدام مقصود لعنصر الإثارة على حساب الدقة بغرض إغراء القارئ للنقر، هذه الممارسة لا تزيد فقط من نسبة الزيارات الوهمية، بل تؤدي إلى تآكل تدرجي في ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية، وتُفرغ الصحافة من محتواها الجاد لمصلحة مادة سطحية سريعة الانتشار.
في الأعوام الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي على خط تحرير العناوين، من خلال أدوات متطورة تُستخدم في كبريات غرف الأخبار، لا لتوليد المعرفة بل لأتمتة الإثارة، فبرمجيات مثل Headlime وCopy.ai وChatGPT باتت قادرة على اقتراح مئات العناوين خلال ثوانٍ بناءً على تحليل البيانات النفسية وسلوك القراء، هكذا لم تعد العناوين تُكتب لتُلخّص المحتوى بل لتُثيره اصطناعياً، وتجعل الخبر مجرد طُعم في بحر خوارزميات الانتباه.
اقتصاد متكامل للأخبار المثيرة
في تقرير صادم نُشر في يوليو (تموز) 2022، كشفت شركة أبحاث الإعلام Ebiquity بالتعاون مع DeepSee وJounce Media، أن المعلنين أنفقوا مئات ملايين الدولارات عام 2022 على مواقع النقرات الجذابة، أي تلك المواقع المصممة عمداً لاستنزاف موازنات الإعلانات من دون تقديم قيمة فعلية للمجتمع والقارئ الذي يريد الحصول على معلومة صحيحة، هذا الرقم هو جزء من مبلغ إجمالي يقارب 1.47 مليار دولار أنفقها 42 عميلاً على إعلانات عرض وفيديو عبر أكثر من 5 آلاف موقع.
اللافت أن هذه النسبة ترتفع في الولايات المتحدة، حيث وجد التقرير أن بعض المعلنين أنفقوا هناك ما متوسطه 9.8 في المئة من موازناتهم على مواقع من هذا النوع، وعلى رغم أن التقرير لم يذكر أسماء هؤلاء العملاء، فإن الموقع الرسمي للشركة يشير إلى تعاونها مع علامات تجارية كبرى مثل L’Oréal، Sony، Nestlé، Subway، وAudi، مما يُشير إلى مدى تغلغل هذه الظاهرة حتى في أوساط الشركات الكبرى.
وتعتمد هذه المواقع على تكتيكات خفية مثل شراء الزيارات عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل "تويتر"، أو عبر منصات توصية المحتوى مثل "تابولا" و"أوتبرين" بكلفة زهيدة، ثم بيع تلك الزيارات لمعلنين بأسعار مرتفعة، والنتيجة موازنات تُنزف على مواقع لا هدف لها سوى الربح من "الزيارات العارضة"، تلك التي لا تنتج منها لا علاقة حقيقية مع القارئ، ولا بناء للثقة، ولا دعم للصحافة الجيدة، وكان يمكن لتلك الأموال أن تُنفق على "مؤسسات إعلامية ذات ملكية متنوعة، أو على صحافة عالية الجودة.
مع سيطرة "فيسبوك" و"غوغل" على المشهد الرقمي، باتت المؤسسات الإعلامية الكبرى نفسها تلعب أدواراً ثانوية، وتسعى إلى جذب الزوار عبر تلك المنصات، مما يضغط على طبيعة القصص المنتجة وسرعتها وطريقة تقديمها.
في كتابه "عالم بلا عقل" (2017) يصف فرانكلين فوير هذا الواقع بـ"السباق المخزي نحو النقرات"، حيث تحوّلت أقسام التحرير إلى رهائن لأرقام تحليل الأداء، وابتُلعت غرف الأخبار بالكامل في دوّامة البيانات، من Chartbeat إلى Parse.ly وGoogle Analytics، وصولاً إلى أدوات داخلية كالتي تستخدمها "نيويورك تايمز" لقياس كل حركة يقوم بها القارئ.
حتى في المؤسسات التي لا تزال تحاول الحفاظ على مبادئها التحريرية، لم يعد من الممكن مقاومة هذه الأدوات التي تدعي أنها "تسترشد بالبيانات"، بينما في الواقع قد تنتهي إلى "قيادة كاملة" للقرار التحريري، ومع تراجع العائد من كل نقرة بسبب تكدّس المحتوى وانخفاض أسعار الإعلانات، أصبحت المواقع الإخبارية مضطرة إلى التحايل المستمر على الخوارزميات، بإغراق المتلقي بعناوين جذابة فارغة ومقالات سطحية وآراء متسرعة.
هوامش الربح والإضرار بالصحافة
قد تكون هوامش الربح المرتبطة بالنقرات الجذابة ضخمة، فتمويل إنشاء المحتوى الجاذب للنقرات يتطلب استثماراً ضئيلاً مقارنة بالصحافة المسؤولة التي تهتم بصدقيتها وما تمليه عليها قوانين مهنة الصحافة وأهدافها، التي لا تقتصر على الربح بل على نقل الحقيقة والمواضيع المهمة للقارئ، لا جعله كالفأر الذي يقع في فخّ العناوين الجذابة.
تنخفض كلف إنتاج صحافة الإثارة هذه لأن صياغة عناوين مثيرة لا تحتاج إلى جهد كبير، والمحتوى نفسه يكون في الغالب نتاجاً شخصياً أو فردياً، لذا أقل كلفة، وهذا الإنتاج الرخيص إلى جانب دخل الإعلانات العالي يمكن أن يؤدي إلى هوامش ربح كبيرة لأصحاب هذه المواقع أو الصفحات الإخبارية الإلكترونية، إلا أنه يلحق أقسى الضرر بالصحافة الجادة، ويقوض صدقية الوسيلة الإعلامية ويضعف ثقة الجمهور بالصحافة والإعلام كمصدر للخبر، ويدهور جودة المحتوى مع التركيز على المحتوى المثير مما يعزز دورة استهلاك الأخبار السطحية، كما يمكن لاقتصاديات النقرات الجذابة أن تؤدي إلى انتشار الأخبار المزيفة والمعلومات المضللة.
لكن وسط هذا الصخب، ظهرت حركة "الأخبار البطيئة" لإعادة التوازن بين السرعة والعمق، الأخبار البطيئة لا تركض خلف الخبر العاجل بل تعرض الخبر المهم، وقد ظهرت مشاريع مثل مجلة Tortoise في بريطانيا، أو موقع Mediapart في فرنسا، تنبذ نموذج الإعلان وتتبنى نموذج الاشتراك المباشر بين الصحافي والقارئ، هذا النموذج يحرر الإعلام من سلطة السوق والإعلانات، ويعيد تعريف العلاقة بين الصحافة والجمهور كعقد ثقة، لا كصفقة تجارية.
ولا تسعى صحافة الاشتراك إلى إرضاء الخوارزميات، بل تحاور القارئ كما لو كان شريكاً في إنتاج المعنى من مصادر موثوقة، أولئك الذين يريدون أن يعرفوا لا ما حصل فقط، بل لماذا حصل؟ وكيف؟.
من هنا، طُرح نموذج الاشتراكات كبديل "أخلاقي" يسمح بتمويل الصحافة الجيدة عبر رسوم يدفعها القراء بدلاً من ملاحقة الإعلانات، ويرى الباحث فرانكلين فوير أن الاشتراك هو السبيل الوحيد لإنقاذ الهوية التحريرية، لأنه يُخفف من الاعتماد على "الزائر العابر"، ويُعزز العلاقة مع القارئ الحقيقي.