Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باحثة إيطالية تضع معايير نقدية جديدة للأعمال الإبداعية

آنا لوروسو قدمت مشروعها لجامعة تورنتو لمقاربة الثقافة المعاصرة

الباحثة الإيطالية آنا ماريا لوروسو (صفحة الكاتبة - فيسبوك)

ملخص

يأتي كتاب "السيميوطيقا الثقافية"، للباحثة الإيطالية آنا ماريو لوروسو، ضمن سلسلة من الكتب لباحثين في دراسات الثقافة الشعبية والسيميوطيقا، في سياق مشروع بإشراف أستاذ السيميائية والأنثروبولوجيا اللغوية في جامعة تورنتو مارسيل دانيسي، هدفه فك شفرة المعاني المتأصلة في العروض المسرحية والأغاني الشعبية، وألعاب الفيديو والموضة وغيرها من "موجودات" ثقافة البوب المعاصرة.

 

بحسب مقدمة كتاب "السيميوطيقا الثقافية: نحو منظور ثقافي في السيميوطيقا"، لأستاذة تحليل الاتصال الإعلامي في جامعة تورنتو آنا ماريا أوروسو، فإن الكتاب نفسه يستدعي "أحد أكثر الأصوات تقليدية في المعرفة اللغوية والسيميوطيقية وهو فرديناند دي سوسير، الذي دعا قبل أكثر من قرن من الزمان إلى درس حياة العلامات في إطار الحياة الاجتماعية".   

صدر الكتاب باللغة الإنجليزية عام 2015، بتصدير لمارسيل دانيسي، ونقله أستاذ الأنثروبولوجيا المساعد في كلية الآداب في جامعة بني سويف (مصر) سيد فارس إلى العربية، وصدر عن المركز القومي للترجمة. ولاحظ دانيسي أن ثقافة البوب كانت هي القوة الدافعة في توجيه التطور الاجتماعي، أو السيطرة على تشكيله، "منذ عشرينيات القرن الماضي الصاخبة"، مما أثار جدلاً واسعاً حول الفن والجنس والثقافة الحقيقية، وهو جدل لا يزال دائراً، "ويعد حاسماً وبالغ الأهمية في القرية الكونية المعاصرة، حيث تُجابَه المعايير التقليدية للفن بتحدٍ غير مسبوق في التاريخ الإنساني" ص 13.  

النظر إلى العالم

وتستخدم المؤلفة مصطلح "سيميوطيقا"؛ "لأنه الأكثر رواجاً من مصطلح سيميولوجيا الرائج في التراث الفرنسي وحده". وترى لوروسو أن هناك توافقاً بين المصطلحين وهو هدف تطلع إلى تحقيقه إمبرتو إيكو بنظريته في السيميوطيقا، معتبرة أن العالم مؤتلف من اختلافات ثقافية، وأن الثقافة ليست جوهراً، كما أن الاختلافات الثقافية ليست كذلك؛ لأنها تشترك في طبيعة محددة". وتشدد في هذا الصدد على أن الواقع في مجمله ثقافي، "ومن المهم النظر إلى العالم على هذا الأساس" ص 22.

ولاحظ سيد فارس أن هذا الكتاب يضيف إلى المقاربات الأنثروبولوجية لسيميوطيقا الثقافة، بتأصيل هذا الاتجاه عن طريق استجلاء جذوره، ذات الأهمية الحاسمة لفهم الثقافة. ورأى فارس كذلك أن كتاب آنا ماريا لوروسو يجمع بصورة فذة بين النظرية والمنهجية والتطبيق على حالات واقعية؛ "إنه يدفع صوب تجديد الأطر النظرية التي يتوسل بها الباحثون في ميادين مختلفة، والتحرر من المنظورات النسقية التي كبلت ميداني الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وأعاقت تطورها، وتجريب التعاطي مع أطر نظرية مستحدثة، على نحو قد يسهم في إقالة التنظير العربي من عثرته" ص 8.

وبدورها لاحظت المؤلفة أن فرديناند دي سوسير كان قد دعا إلى درس "حياة العلامات في إطار الحياة الاجتماعية"، قبل أن تنشأ ميادين متخصصة قاربت الأمر نفسه، وهي تمثل تنويعات مختلفة من علم اللغة – بدءاً من اللغويات البنائية ذات الأصول الأوروبية، إلى اللغات التوليدية عند تشومسكي، إلى اللغويات النفسية (علم اللغة النفسي) وعلم اللغة الشعبي، والأنثروبولوجيا اللغوية والعديد من النظريات وأشكال المعرفة بخلاف الأشكال اللفظية (دراسات الحركة الجسدية ومبحث التداني). وتعتبر لوروسو كتابها هذا محاولة لوضع الخطوط العريضة لسيميوطيقا – تنتقل من منظور نصي – تمتلك الأدوات النظرية والمنهجية التي تمكنها من رصد "المعنى في الواقع والفعل"، والممارسات الاجتماعية المستعملة لإدارة المعنى ومعالجته؛ "ولهذا السبب أيضاً ستتحول السيميوطيقا التي أطرحها لتصير لصيقة بالإنثروبولوجيا ومتماسة معها في كثير من الأحيان، إذ تعد فكرة "المعنى في الواقع والفعل" على الأرجح جوهر هذين الميدانين العلميين"

 تساؤلات معرفية

ومن منطلق إطلاق مصطلح "المحيط السيميائي" على كلية أنساق العلامات في العالم، يمكننا الدفع بأن السيميوطيقا الثقافية تقارب بالدرس، الثقافات كجزء من المحيط السيميائي. ويثير ذلك عدة تساؤلات من أبرزها: كيف تختلف العلامات وعمليات العلامة، وأنساق العلامات في ثقافة معينة، عن مثيلاتها غير الثقافية، أي الطبيعية؟ ما الذي يحدد هوية الثقافة ويعين حدودها؟ ما العلاقات والوشائج التي تربط بين الثقافات المختلفة داخل المحيط السيميائي؟ كيف ينشأ التغير الثقافي ويتولد؟ وتوفر السيميوطيقا الثقافية الأسس ووالمرتكزات والمنطلقات النظرية المطلوبة للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها. كما توفر إطاراً علمياً للبحث الإمبيريقي والوصف المقارن لجميع الثقافات التي يحتضنها العالم.

تناولت لوروسو مدارس السيميوطيقا ومرجعياتها ذات الأهمية الحاسمة في فهم الثقافة. ورأت أن سيميوطيقا الثقافة تضطلع بأربع مهام: بنائية، ونسقية تتعلق بالترجمة، وموسوعية، وأكيولوجية ومعيارية، وخصَّصت لكل مهمة فصلاً. وتشير المهمة البنائية Structural vocation إلى فكرة مؤداها أن الثقافة تميل إلى تنظيم ذاتها عن طريق التقابلات والاختلافات. واتخذت  لوروسو (في الفصل الأول) من ليفي شتراوس منطلقاً، ثم انتقلت إلى النظريات السردية البنائية الرائجة في سبعينيات القرن الماضي. وقدمت مقاربة تأملية لفكرة مؤداها أن الثقافة والمعنى يميلان إلى تنظيم ذاتيهما بطريقة بنائية، وفارقة متمايزة، وتقابلية، وطبقية. ومن هذا المنظور، استراح درس البنائية – كما تقول - من عبئه الميتافيزيقي، وتحرر من أوجه الصرامة والجمود الخاصة بالصيغ المعرفية التي يترجم إليها.

نظرية إيكو

وتشير المهمة النسقية والمتعلقة بالترجمة (الفصل الثاني) إلى نزوع الثقافة إلى التنظيم الذاتي. ومن الواضح أن هذه المهمة – تقول لوروسو – هي نتيجة لفكرة القدرة البنائية وتكاد تكون تنويعة من تنويعاتها. وليس من قبيل المصادفة أن ليفي شتراوس رأى أن النسق والبناء مترافقان. ومع ذلك فبفضل الدرس المستفاد من مدارس تارتو، يمكن أن نرى كيف أن هذه الطبيعة النسقية تبدي عدداً من السمات لم تكشف عنها القدرة البنائية البسيطة، مثل الأداء والطابع الوظيفي المتبادل للكيانات الثقافية. وتشبه الثقافة نسقاً حياً، ويتطلب ذلك منطقاً وظيفياً: إذ يجب فهم الأجزاء الثقافية باعتبارها "أعضاء" organs في نسق معين. وملاحظة العمليات الثقافية تجعل هذا المنطق الوظيفي واضحاً للغاية، فالثقافة هي أنساق تتسم بالأداء الوظيفي المستمر وإعادة الأداء الوظيفي للنصوص، والأشياء، والأماكن. وممارسات إعادة الأداء الوظيفي هي في الغالب ممارسات الترجمة الواقعية، والتي من خلالها يُجلب شيء ما يقع خارج النسق إلى داخله ويُمنح معنى ودوراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما المهمة الموسوعية (الفصل الثالث) فهي خاصة بنوع من السيميوطيقا لا يعتبر المعنى نسقاً مغلقاً، ونحْواً، وقاموساً، بل يعتبره نسقاً مفتوحاً، ومتحركاً، وشبيهاً بالشبكة، تكون فيه المعاني مُعطاة ومحدَّدة محلياً وقابلة للتأويل دوماً. وفي تلك الشبكة من المعاني، يبدو المصطلحان نصاً وسياقاً غير ملائمين، ويتعذر تمييزهما؛ لأن ما يمكن اعتباره نصاً من وجهة نظر معينة (على سبيل المثال، كتيب يتناول فترة معينة في التاريخ) يمكن اعتباره من وجهة نظر أخرى سياقاً لمعجم، أو قاموساً أيديولوجياً مثلاً. وفي هذه الحالة، تكون المرجعية، كما تؤكد لوروسو، هي نظرية إمبرتو إيكو، التي تستعمل مفهوم "الموسوعة" كمحور ومرتكز.

الثقافة ذاكرة

وبالنسبة إلى المهمة الأركيولوجية والمعيارية (الفصل الرابع) يُستعمل مصطلح "أركيولوجيا" بالمعنى الذي قصده فوكو، بقصد إبراز وتأكيد أهمية البحث الثقافي الذي يضع في الحسبان البعد التحويلي للمعنى والطبيعة "الطرسية" (المماثلة للرق المسموح) لأي تشكيلة أو تكوين خطابي. و"الطرس" هو كتاب أو مخطوطة كتبت أو أعيد كتابتها على المكتوب الممحو. إن الثقافة ذاكرة، وكل تشكيلة خطابية تنضوي بداخلها على ذاكرة لما حدث من قبل. ثم تخلق أرشيفات متحركة وجزئية ومعنية مكترثة، يجب من وجهة نظر سيميوطيقية فتحها وتحليلها وإضاءتها؛ "ليس لأن هناك أصلاً بريئاً للمعنى في القاع أو النهاية، ولكن لأن هناك دوماً ماضياً، سابقاً لما هو معطى وقائم. فالثقافة لم تكن أبداً أصيلة". ولهذا السبب لا بد من الكشف عنها.

وعلاوة على ذلك، ففي هذه الدينامية تقرر الثقافة وتطبّع بعض تعبيراتها وتجسيداتها وترسخها، وتهمش أخرى، لتقيم بذلك مسارات للانتظام. ومنطق عمليات التطبيع تلك ينشأ فحسب من خلال تتبع المسارات ذات الصلة والأكثر أهمية، وإلقاء الضوء على التواءاتها واختياراتها واختلالاتها وممارسات تحويل قضايا معينة إلى موضوعات أو تيمات رئيسة، والتي على الرغم من أنها قد تكون غير مقصودة، فإنها تكون دوماً "معنية وموضع اهتمام". وتخلص لوروسو إلى أنه عن طريق الفحص النقدي للقيمة الإرشادية للنظريات التي ناقشتْها، يمكننا تطوير النظرية ذاتها. فليس ثمة في السيميوطيقا انفصال بين النظرية والتحليل، ولكن كليهما وظيفي فعال تماماً، حيث تقاس شرعية أحدهما (النظرية) فقط من خلال دقة الآخر (التحليل)، "ولا بد أن تكون السيميوطيقا إرشادية، وإلا فإنها لن تعدو أن تكون فلسفة رديئة".

اقرأ المزيد

المزيد من كتب