ملخص
الانتخابات المرتقبة لـ"مجلس الشيوخ" بعد أيام قليلة لا تندرج تحت بند "انتخابات الإنقاذ". تختلف الآراء حولها أو تتفق، بين مقلل من شأنها، أو مشكك في أثرها، أو مؤيد لانعقادها، أو مؤمن بأن الانتخابات فريضة سياسية ومسؤولية وطنية، أو غير مكترث بها، لكنها ستنعقد
علاقة المصريين بالانتخابات، أية انتخابات، غريبة ومعقدة وذات خصوصية متفردة. تسمعهم وهم يتحدثون عنها فتعتقد أن أقلهم علماً جهبذ في شؤون الأحزاب ونابغة في أنواع التصويت. تتابع المشهد في يوم الانتخابات فتباغتك جموع غفيرة حيناً، و"لم يحضر أحد" حيناً، و"بحسب الظروف" أحياناً، فتجد نفسك أمام ظاهرة سياسية اجتماعية لا يفهمها إلا من صنعوها، وهم الناخبون المصريون.
الناخبون المصريون "المحتملون" في شوارع مصر وميادينها تطالعهم هذه الأيام لافتات ضخمة، مثبتة على أعمدة خشبية عملاقة، تحمل صوراً نصفية لـ"ناس ببدل وكرافتات"، على حد قول سامح (24 سنة) عامل المخبز في مدينة بدر على أطراف القاهرة.
ولأن سامح "ضعيف إلى حد ما في القراءة والكتابة" فهو غير متأكد من أسماء هؤلاء أو الجهات التي يعملون فيها، أو سبب صعودهم المباغت على أسنة الأعمدة، لكنه في الوقت نفسه يربط بين هذا الصعود وصعود مشابه قبل "عامين أو ثلاثة" (تحديداً خمسة أعوام)، ووقتها قيل له إنها انتخابات. أما انتخابات ماذا، أو لماذا، أو متى، أو كيف، فيبتسم ابتسامة خفيفة، ويقول بنبرة الحكيم الرزين: وما شأني بذلك؟
الشأن الانتخابي في مصر لا يمكن اختزاله في سامح وأقرانه من غير المهتمين بالانتخابات، وإن كانوا، وعوامل عدم اهتمامهم جديرين بالمعرفة. ومثلما هناك سامح وأقرانه، هناك "ندى" وأقرانها أيضاً من الشباب المهتمين لدرجة الثمالة بالمشهد نفسه.
ندى (28 سنة) (محاسبة) كانت من بين المتطوعين في الانتخابات الرئاسية عام 2023، لمساعدة الناخبين في الوصول إلى مقار لجانهم، لا سيما كبار السن وذوي الحاجات الخاصة. تقول إنها دأبت على مدى ستة أعوام على الانضمام إلى حملات التطوّع الشبابية التي يجري تنظيمها من قِبل بعض الأحزاب السياسية، للمساعدة في خروج الانتخابات، سواء الرئاسية أو النيابية، بأحسن شكل ممكن. وبسؤالها عن المحتوى، ابتسمت وقالت "ما دام الشكل جيداً فإن المحتوى بالطبع جيد جداً".
إلى أيّ مدى يتفاعل المصريون مع انتخابات الشيوخ؟
مع اقتراب موعد انتخابات مجلس الشيوخ المقرر لها الأول من أغسطس (آب) المقبل، يشهد الشارع المصري حراكاً، لكن الحراكات أنواع وأشكال، وما تعتبره تقارير إعلامية "حراكاً شعبياً" و"عرساً ديمقراطياً" و"ملحمة وطنية"، يراه آخرون شأناً لا علاقة لهم به، أو مسألة لا تشكّل أولوية مقارنة بحزمة غير مسبوقة من المعضلات الداخلية، والمصائب الإقليمية، والكوارث الخارجية التي يصفها بعض المصريين بـ"جنون الكوكب".
الأجواء العامة لمحادثات وتعليقات فئة المصريين الضالعة في الحوارات ذات الطابع الثقافي، البعيد من "شاهد فستان البلوغر هدير قبل الحذف"، و"حكم من ارتدت الصندل من دون جوارب"، و"طريقة عمل الكيكة من دون سكر وطحين"، مزيج من الانغماس في حرب ضروس دائرة على أبواب الحدود الشمالية الشرقية، ومشاهد إنسانية، أو بالأحرى لا إنسانية تدمي القلوب والعقول، وما يجري في سوريا ومعنى أحداث السويداء، وأوضاع اقتصادية لم تكتف بشد أحزمة الترشيد وقصقصة أجنحة الرفاهية والترفيه، لكن امتدت لأساسات ونالت من أبجديات المعيشة كل بحسب طبقته، ونظام البكالوريا الجديد والاختلاف حول جدواه، وبيان الأزهر المحذوف حول غزة وأسباب الحذف وإرهاصاتها، وتوقيع اتفاق بين وزارتي التعليم والأوقاف وخروج الكتاتيب إلى النور، ولكم في حيلة "حضانة في المسجد"، وكذلك "بوسة" (قبلة) راغب علامة على المسرح والاختلاف حول كونها مسؤولية المقبلة أو الذي وقع عليه فعل التقبيل أو من سمح بحدوث التقبيل، وغيرها من الأحداث والحوادث التي يغرق فيها المثقفون وحواراتهم.
هذا لا يعني أن الانتخابات التي باتت على الأبواب لا تلقى اهتماماً أو تدويناً أو تعليقاً، لكن بحسابات النسبة والتناسب، يمكن القول إنها ليست أولوية قصوى، وهذا توصيف ظالم لأية انتخابات.
بحكمة بالغة، يقول بعض المصريين إن الانتخابات شأنها شأن كل الأشياء حولنا لها فائدة، وكون الإنسان لا يعرف فوائدها لا يعني أنها بلا فائدة! لذلك، ما إن أطلت اللوحات الإعلانية الضخمة للمرشحين على جموع المصريين في الشوارع والميادين، حتى بادر أصحاب الفكر الإيجابي إلى السؤال عن هذه الانتخابات، والغرض منها، ولم يخجل بعضهم من السؤال عن الفرق بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
هذه الرغبة الرائعة للمعرفة واستيقاء المعلومات حول "مجلس الشيوخ" الذي فوجئ بعض المصريين بأنه يختلف عن "مجلس النواب" استغلها خبثاء في السؤال عن دور الإعلام التعريفي والتوعوي، وهو ما يقابل بمحادثات ساخنة، بعضها يفوق سخونة محادثات الانتخابات وجدواها، والفرق بين مجلسي النواب والشيوخ.
خلاصة النقاش هو أن جمهور الشاشات التلفزيونية التي تقوم بدور لافت في التوعية والتشجيع على المشاركة، وتبث إعلانات تعريفية بالانتخابات والأحزاب والمرشحين، في أغلبه يعي الفرق بين المجلسين، ويعرف أن هناك انتخابات على الأبواب، وإن كان يختلف في مواقفه وآرائه في ما يختص بجدوى المجلس، وجدوى الانتخابات، وجدوى اللافتات الإعلانية الضخمة في الشوارع والميادين.
أما الجماهير الأخرى، المنصرفة من محدودية الشاشات التلفزيونية إلى براح منصات السوشيال ميديا، حيث الرأي والرأي الآخر، وكذلك الرأي الذي لا يمت إلى الأمر بصلة، لكن له جمهوره، فتتقاذفها أهواء المؤثرين وتحركها توجهاتهم سواء الشخصية أو الموجهة من قبل مؤسسات أو جماعات أو ما شابه.
في هذا الأثير الذي يشبه "سوق التلات" (الثلاثاء) (حيث يباع كل شيء وأي شيء في المناطق الشعبية)، تجد كل شيء وأي شيء أيضاً في ما يتعلق بالانتخابات المقبلة. مثقفون يشرحون وجهة نظرهم في جدوى مجلس الشيوخ، لا سيما أنه بحسب ما يقولون فاقد الصلة بالشارع.
سياسيون ومهتمون بالسياسة منقسمون بين تأكيد أهمية المشاركة، لأنها تعني الاهتمام وتعكس الوطنية، والدعوة إلى البحث والتقصي عن أسماء المرشحين وانتماءاتهم وتوجهاتهم والجهات والأحزاب التي يمثلونها حتى يكون الاختيار صائباً، وجزء منهم (الساسة والمهتمون بالسياسة) يفشون غلّ أعوام من المعارضة للمشهد السياسي، وينفسون عن غضب مكتوم لأسباب تراوح ما بين الاستبعاد والاستغناء، عبر شيطنة الانتخابات وتشويه المرشحين والطعن في الأحزاب.
هل سيشارك المصريون في انتخابات الشيوخ؟
ولا تخلو الساحة العنكبوتية أيضاً من جوانب خفيفة، بعضها مقصود للتنكيت والسخرية كما هي عادة المصريين، وبعضها كوميدي من دون قصد. كتب أحدهم تدوينة بدأها بقسم، مفادها أنه استيقظ ذات صباح ليتفاجأ بلوحة ضخمة ملتصقة بأعمدة خشبية عملاقة تتكئ على سور شرفته، لدرجة أن "حبل الغسيل" انقطع ولولا "المشابك" لطار الغسيل عند الجيران، واستقر أعلى كشك "عم عبده". وحين أطل على اللوحة ليعرف الحكاية، وجد "مجموعة أفنديات يرتدون بدلاً أنيقة ورابطات عنق، وقد شبك الجميع أياديهم على صدورهم، ويحيط بهم سيدتان الأولى على اليمين والثانية على اليسار ومكتوب في الوسط اسم الحزب و"من أجل مصر".
وأضاف أنه نظر أمامه فوجد الشارع كله وقد غطّت معالمه اللافتات لأشخاص صورة طبق الأصل من أولئك المتكئين على شرفته، لكن ينتمون إلى أحزاب وجبهات أخرى، لكن الغاية واحدة على ما يبدو "علشان خاطر مصر"، و"حفظ الله مصر"، و"بكل الحب من أجل مصر"، و"مصر أولاً".
عنصر المفاجأة لا يعني أنه لم يتم الإعلان سابقاً عن الانتخابات وموعدها وقواعدها، لكن يعني أن هناك قاعدة من عدم الاهتمام أو عدم الإيمان أو عدم الاطمئنان أو توليفة من كل ما سبق. ضعف الاهتمام الشعبي أو انعدامه لدى بعض المصريين بالانتخابات المقبلة يقول كثيراً.
"اندبندنت عربية" جمعت ردود فعل وآراء قالها مصريون رداً على سؤال "ولماذا لن تشارك في الانتخابات؟" تبع سؤال "هل ستشارك في الانتخابات؟" وجاءت إجابته بالنفي. أزمة ثقة في أن يخرج المجلس الجديد بجديد، انتهاء فترة المجلس القديم من دون جديد، مع العلم أن ما يقصده المواطن المصري البسيط بـ"الجديد" هو أية آثار إيجابية تنعكس على تفاصيل حياته، والغالبية تضع الاقتصاد على رأس الأولويات، إضافة إلى أن الغالبية لم تسمع عن نجاح المجلس السابق في تحميل الحكومة أو السياسات أو الإجراءات الرسمية مسؤولية تدهور أوضاع معيشية، أو توجيه انتقادات لها تتردد في الشارع، أو مطالبة بتحسين أوضاع، أو غيرها من مهمات "النائب" المعروفة للجميع.
ويضاف إلى ما سبق أن "مجلس الشيوخ" يفتقد تاريخياً عوامل الإثارة والشد والجذب والسخونة المرتبطة في الأذهان بـ"مجلس النواب"، فلا جلسات حامية فيها فريق يدافع وآخر يهاجم، أو استجوابات محرجة تضع مسؤولين في خانة الاتهام وتتحدث باسم الناس، حتى وإن لم ينجم عنها كثير.
بعد استبعاد الفئة التي يختلط عليها أمر المجلسين، التي تعتقد أن "مجلس الشيوخ" هو مجلس ديني يحوي شيوخاً من الأزهر والأوقاف، وأولئك الذين يؤكدون أنهم لم يسمعوا عنه من قبل، يرى آخرون أكثر علماً واطلاعاً وتنقيباً عن المؤسسات وبحثاً عن مهماتها وأدوارها إن طبيعة اختصاصات مجلس الشيوخ بعيدة إلى حد ما عن أرض الواقع. فبين توسيع دعائم الديمقراطية وتعميق النظام الديمقراطي ودعم السلام الاجتماعي وقيم المجتمع العليا والحقوق والحريات وتقديم الرأي في المعاهدات والتحالفات ومقترحات تعديل الدستور ومشاريع القوانين المكملة للدستور والسياسات العامة، يقول بعض المصريين متحرجاً إن الاختصاصات عظيمة لكن بعيدة من أرض الواقع، وإن المهمات رائعة نظرياً لكن التطبيق يبقى عصياً.
فجوة النظرية والتطبيق معروفة لبعضهم، وهي تشير إلى تناقض بين المعرفة النظرية وتطبيقها الفعلي في الحياة العامة، وهي فجوة موجودة في كل مجالات الحياة، في الرعاية الصحية والبناء والتشييد وكذلك في المؤسسات والهيئات، ومنها المجالس النيابية.
شرح نظام الانتخاب في مجلس الشيوخ مهم، وهو ما تدور رحاه على شاشات تلفزيونية عدة. ثلثا الأعضاء البالغ عددهم 300 عضو يُنتخبون بالاقتراع العام السري المباشر، ويعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي، ويخصص للمرأة ما لا يقل عن 10 مقاعد، وتُوزع المقاعد بين النظامين الفردي والقائمة، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح في كل منهما.
تبدو المسألة سهلة وبسيطة، لكن عودة إلى "سامح" الذي فوجئ بلافتات بالبدل والكرافتات، الذي كان من الأدب واللياقة أن استمع للشرح المستفيض مع بعض الأمثلة للأحزاب والأفراد والقوائم، وذلك قبل أن يكرر الإجابة: "وما شأني بذلك؟".
شأن المصريين في ما يختص بالانتخابات على مدى التاريخ المعاصر معقد. القول بأن عدم الاكتراث بالمشهد الانتخابي يقتصر على الوقت الراهن غير دقيق. تاريخ طويل من الاهتمام واللامبالاة والتجاهل عن عمد والاهتمام من بعد والتشكك والأمل والإقبال والانسحاب يجمع المصريين والانتخابات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشهدت الأعوام القليلة الماضية انتخابات واستفتاءات حظي أغلبها باهتمام شعبي لأسباب أغلبها يتعلق إما بدعم الحكم الديني الإسلامي، أو بدرئه. وشهدت انتخابات الرئاسة عام 2014 حضوراً لافتاً آخر بلغت نسبته نحو 47 في المئة، وهي الانتخابات التي يصفها المصريون من معارضي الإسلام السياسي وإقامة حكم ديني في مصر بـ"انتخابات الإنقاذ"، والعكس صحيح.
الانتخابات المرتقبة لـ"مجلس الشيوخ" بعد أيام قليلة لا تندرج تحت بند "انتخابات الإنقاذ". تختلف الآراء حولها أو تتفق، بين مقلل من شأنها، أو مشكك في أثرها، أو مؤيد لانعقادها، أو مؤمن بأن الانتخابات فريضة سياسية ومسؤولية وطنية، أو غير مكترث بها، لكنها ستنعقد.
ينظر المارة إلى اللافتات الضخمة ويتساءل بعضهم عمن فيها وعن المناسبة، ويتخذ منها آخرون سواتر لحمايتهم من حرارة شمس يوليو (تموز) القائظة، أو يخطط لكيفية الاستفادة من الأقمشة بعد فض الموسم وفك القوائم الخشبية، ويدرسها آخرون بجدية فيستعينون بـ"غوغل" بحثاً عما تمثله هذه القائمة أو ما سيقدمه هذا المرشح، وتبقى جدليات المصريين والانتخابات، والهوات الكلاسيكية بين المرشحين والناخبين، والفجوات التقليدية بين نظرية البرامج والوعود والمقصود بترسيخ دعائم الديمقراطية، والتطبيق على أرض الواقع.
هل لا يبالي المصريون سياسياً؟
في ورقة عنوانها "المصريون والمشاركة في الانتخابات الرئاسية"، التي نشرها المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، يشير رئيس وحدة الرأي العام صبحي عسيلة إلى أنه دائماً ما تنظر المجتمعات إلى المشاركة في الانتخابات على أنها مقياس لدرجة المشاركة السياسية، أو أنها المظهر الوحيد للمشاركة السياسية، لكنه ينبه إلى عدم إمكان اعتبارها المؤشر الوحيد والحقيقي للمشاركة السياسية في أي مجتمع. وأشار إلى أن هذا التصور ليس جماهيرياً فقط، بل ساد "هذا الانطباع الخاطئ" حتى بين علماء السياسة، كون المشاركة في الانتخابات هي الطريقة التي تعبر بها غالبية المواطنين عن مواقفهم. مضيفاً إذا كانت المشاركة في الانتخابات بالتصويت تعتبر المظهر الأكثر وضوحاً وتعبيراً عن المشاركة السياسية، فإن المشاركة السياسية أوسع بكثير من مجرد التصويت في الانتخابات.
ويدلل على ذلك بعدد من النقاط، بينها أن الانتخابات لا تعقد إلا مرة كل بضعة أعوام، فهل هذا يعني أن الناخبين يهتمون بالسياسة ويشاركون فيها مرة كل بضعة أعوام؟! كذلك فإن المشاركة في الانتخابات لا تعني بالضرورة ارتفاع درجة المشاركة السياسية ورقي الوعي السياسي، فكثير منها يشهد عمليات حشد للجماهير وتعبئتها، وربما دفعها إلى التصويت، بصرف النظر عن اهتمامها بالمشاركة السياسية من عدمه.
ووفق الورقة البحثية فإن مصر تعاني منذ بدء تجربة التحول نحو التعددية السياسية والحزبية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1976 مشكلة الضعف الشديد في نسبة المشاركين في العملية الانتخابية، بل والمهتمين بها أصلاً، وأن الأمر بدا وكأن الانتخابات لا تخص إلا القائمين عليها، بل بدت اللعبة السياسية كلها وكأنها تدور بين أقليات.
واعتبر البحث ضعف معدلات المشاركة السياسية بمفهومها الواسع أحد الأسباب التي عرقلت التطور الديمقراطي في مصر، ومن ثم بدت تجربة التحول الديمقراطي وكأنها تدور في حلقة مفرغة، "فتعثر التطور الديمقراطي، وأثر غياب أساليب التنشئة السياسية في المجتمع المصري سلباً في معدلات المشاركة السياسية، وانعكست الأخيرة بالسلب على التجربة الديمقراطية في مصر".
وحددت الورقة عدداً من النقاط المؤثرة على نسب مشاركة المصريين في الانتخابات، وعلى رغم أنها وضعت في سياق الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2023، فإنها تصلح للتطبيق على الانتخابات التي تشهدها مصر في ظل التركيبة السياسية الحالية، إذ إن نسبة المشاركة ترتبط بصورة أساسية بمدى تقدير المصريين لخطورة التحديات التي تواجهها الدولة المصرية في ظل الأوضاع الراهنة، ومدى التأثر بحملات التشكيك التي تشنها جماعة الإخوان المسلمين قبل وأثناء الانتخابات، ومدى اعتقاد المصريين بأن الانتخابات تمثل جولة جديدة من جولات الحرب والمواجهة مع قوى ودول ساعية إلى إدخال مصر في دائرة عدم الاستقرار التي دخلت فيها دول أخرى في المنطقة، ومدى إيمان الناخبين بأهمية المشاركة كمبدأ، وكذلك كحق وواجب على كل من له حق الانتخاب.
في المقابل، تخبرنا أدبيات اللامبالاة السياسية بكثير عن عدم الاهتمام بالمشاركة في الانتخابات السياسية بصورة عامة. وأبرز الأسباب: خيبة الأمل السياسية ونقص الثقة أو انعدامها، ونقص المعلومات وشيوع المعلومات المضللة، والشعور العام بعدم الجدوى من التصويت، وفقدان الأمل في العملية الانتخابية خصوصاً في الدول أو الأوقات التي تتفاقم فيها الأزمات الاقتصادية، وهو ما يجعل قطاعاً عريضاً من الناخبين يشعر بخيبة أمل، ومن ثم عدم الرغبة أو الاهتمام بالمشاركة. وتتفاقم خيبة الأمل حين يبدو المرشح باسمه وهيئته وخلفيته في وادٍ، والناخب بوضعه ومشكلاته وخيبته في واد.
وتبقى الجهود التي تبذلها الدولة في توعية الناخبين بأهمية المشاركة، والوقت الذي يخصصه الإعلام التقليدي لاستضافة المرشحين وممثلي الأحزاب، والفتاوى التي توجه لجموع المؤمنين بأن الممتنع عن أداء صوته الانتخابي آثم شرعاً، وفي محاولة أخيرة لإقناع "سامح" بالمشاركة، ولو على سبيل التجربة، سأل عن حضور المعارضة في هذا المشهد. ولما كانت الإجابة معقدة، حيث ثلاثة من الأحزاب المصنفة "معارضة" انضمت إلى "القائمة الوطنية من أجل مصر"، التي تحوي أحزاباً أخرى مصنفة "مؤيدة"، قال: سأفكر في الأمر، لكن لن أتحدث فيه لأني في فترة صمت انتخابي. وعلى رغم أن فترة الصمت الانتخابي ستبدأ ظهر الـ31 الجاري، فإنه قال: لقد بدأت عندي ظهر اليوم.