Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في "حي بن يقظان" ابن طفيل يلتقط جزءا جوهريا من محاورة سقراطية لأفلاطون

عندما تتوقف السجالات حول المواضيع الثانوية ويبدأ التعمق الحقيقي في المعاني

ابن طفيل الأندلسي كما تخيله فنانو الأزمنة الحديثة (موقع "فلاسفة مسلمون")

في واحد من حوارات أفلاطون السقراطية، وهي محاورة "مينون"، يرينا الفيلسوف أستاذه وقد شاء أن يثبت أن المعرفة الحقة موجودة في داخل الإنسان، لا تأتيه من خارجه، وأنه يكفي أن يوجد الظرف والدافع حتى تخرج من داخل الإنسان معارفه وقدرته على الربط بينها. ففي ذلك الحوار، وإذ يتحدى البعض سقراط أن يؤكد هذا، يلتفت سقراط إلى عبد فتى ويروح طارحاً عليه جملة أسئلة متشابكة ومترابطة، يجيب عنها الفتى تدريجاً، من دون أن يكون هو، أصلاً، عارفاً بقدرته على الإجابة. ومن المعروف أن هذه المعرفة الداخلية هي الموضوع الأساس لواحد من أجمل الأعمال في تاريخ النصوص الفلسفية العربية "حي بن يقظان" للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، هذا النص الذي لا يتردد كثر أمام اعتباره "رواية" حقيقية إذ يحمل سمات العمل الروائي كافة، ويرى كثر أنها أثرت في عدد كبير من الأدباء والفلاسفة وأنها هي الأصل الأول لرواية "روبنسن كروزو" الشهيرة لدانييل ديفو. وفي هذا الصدد قد يصح، دائماً، أن نطرح السؤال الذي ينبغي طرحه: هل أخذ الكاتب الإنجليزي عن الفيلسوف الأندلسي هذا الموضوع وجعل من حوله روايته؟ أم إن المجال بات متاحاً لنسيان هذا الجانب والانصراف إلى أبعاد أكثر جدية بكثير؟ وهنا نجد ما يغرينا في فتح هلالين للإشارة إلى هذه النقطة بالذات، حتى وإن كان سيصعب على البعض إدراك ما نقصده منها.

الحكايات تذهب بعيداً

فالحال أن من يقيض له، على سبيل المثال، أن يتبحر في مقدمات واحد من أهم الكتب التي تؤرخ للأديان والمعتقدات الدينية، وهو تحديداً السفر الضخم الذي وضعه الروماني ميرتشا إلياده في القرن الـ20 وبهذا العنوان تقريباً، سيفاجأ كم أن الحكاية المأثورة عن حمل السيدة العذراء من الروح القدس وإنجابها السيد المسيح وحدها، بهز الشجرة، إلى ما هناك من تفاصيل ليس موضوعها هنا، ترد عشرات المرات في أزمنة سابقة على زمن الحكاية المقدسة التي نعرفها منذ الصغر، بمعنى أنه لا جديد تحت الشمس وأن الحكايات تولد من بعضها بعضاً. فهلا نتعظ بهذا وننصرف، بصدد "روبنسون كروزو" و"حي بن يقظان"، إلى أبعاد للموضوع تغوص في ما هو أعمق؟ ولعله سؤال شمل العشرات من النصوص وضروب التراث التي لم يعد يجدي لا العلم ولا طلابه نفعاً التوقف عند أسئلة سطحية، أو غير سطحية تتعلق به، للدنو مما هو جوهري فيه. ولعل الجانب الأكثر جوهرية في ما يتعلق بموضوعنا هنا، هو تفحص قطعة التراث الأندلسية الرائعة التي تحمل اسم "بطلها" عنواناً لها وتقرأ بصيغة ابن طفيل، كما بصيغ تراثية أخرى من ناحية كقطعة فلسفية، ومن ناحية أخرى كقطعة أدبية.

من التاريخ إلى الفلسفة

ونعرف على أية حال، في مجالنا هنا بالذات أن الأندلسي ابن طفيل، حين كتب "حي بن يقظان" في أواسط القرن الثاني عشر، لم يكن يتوخى منها، طبعاً أن تكون عملاً أدبياً، بل بالتحديد نصاً فلسفياً، أراد من خلاله أن يثبت ويوضح كثيراً من نظرياته الفلسفية. وهنا لم يكن من قبيل المصادفة، أن يستخدم ابن طفيل حبكة كان سبق لابن سينا، في المشرق الإسلامي أن استخدمها من قبله، في عمل مشابه، وأيضاً للتعبير عن مواقف فلسفية، مما يعني أن "حي بن يقظان" كنص لم يكن من إبداع ابن طفيل بل كان نصاً وصل بالتواتر إلى هذا الأخير، مما أتاح له أن يستخدمه فلسفياً حتى وإن كان القراء والشارحون قد تمكنوا من أن يجعلوا له غايات أخرى، منها الغاية الأدبية بالطبع، من دون أن يكون ابن طفيل نفسه على علم بذلك، أو أن يكون له حق الرفض أو القبول... وبهذا نعود إلى هذا المفكر الذي يعد من كبار الفلاسفة الإسلاميين الذين عرفهم تاريخ الأندلس، لنقول إن ما أراد ابن طفيل التعبير عنه كان، كما يمكننا أن ندرك بسرعة، قدرات العقل الإنساني على إدراك الحقائق، حتى من دون أي تدخل تعليمي من الخارج. إذ هكذا يقيض لحي بن يقظان أن يدرك حقائق الوجود والألوهية، وعلاقته هو نفسه بالدين والإيمان، من دون أن يكون ثمة وسيط في ذلك، ولا ريب أن ابن طفيل حين اشتغل على هذا النص، كان على علم تام باشتغال أفلاطون عليه قبله بقرون طويلة من السنين وبالطبع، قبل دانييل ديفو وبطله "روبنسون كروزو".

جزء غائب تقريباً

إذا كانت الأجيال المتلاحقة من القراء اكتفت دائماً من "حي بن يقظان" بجزء أول منها، يروي حكاية الفتى الذي وصل طفلاً إلى جزيرة نائية في المحيط الهندي، ثم بدأ يعي الوجود وما حوله تدريجاً، فإن في النص ثمة جزءاً ثانياً، قلما التفت إليه القراء، على رغم أنه أثار دائماً اهتمام الباحثين المتخصصين. وهذا الجزء هو الذي يشكل خاتمة الرواية، بعد عودة "حي بن يقظان" وآسال، أو أبسال بحسب بعض الروايات، من جزيرة سلامان، التي كانا توجها إليها لكي يتولى "حي بن يقظان" تعليم الناس الحقائق الصوفية، عبر غض النظر عن أية أشكال خارجية من صور التعليم الديني. إذ بعد تلك العودة تبدأ الأمور بالاتضاح، ويتبين أنه من الأفضل عدم إثارة تلك الأنفس البسيطة المعتادة على التعاليم التقليدية التي تأتيها من أعلى، من طريق متنورين، بل ينبغي تركها على ما هي عليه. إن "حي بن يقظان"، إذ يدرك هذه الحقيقة ويدرك أهمية التعليم الخارجي بالنسبة إلى الجموع، يعود إلى جزيرته مع أبسال ويكرس نفسه للمعرفة الإشراقية مكتفياً بالعمل على تلك النفس. هل فشلت تجربة "حي بن يقظان"؟ ليس تماماً... كل ما في الأمر أنه و"أستاذه" يدركان أن المجتمع البشري "مستعصي الشفاء" بحسب تعبير الأستاذ هنري كوربان، ويعودان إلى جزيرتهما و"قد عرفا، بالتجربة، أن الكمال بالتالي السعادة، لا يجد إليهما سبيلاً إلا نفر قليل من أولئك الذين توافرت لديهم قوة التخلي والإعراض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صندوق مرمي في بحر

"حي بن يقظان" هو، كما نعرف، طفل ولد من غير أم أو أب أو من زواج سري، ووضع في صندوق رمي في البحر، هل ترانا جد بعيدين هنا عن حكاية موسى الذي رمي، بدوره في "بحر" ليصل، بعد العثور عليه، إلى بلاط فرعون؟ وهو حين يفيق على حاله، يجد نفسه في جزيرة موحشة نائية، وعلى الفور تلتقيه ظبية كانت فقدت وليدها فترضعه وتربيه. وهو حين يصل إلى سن الصبا يبدأ التعرف على ما حوله، ويظل على تلك الحال قرابة 50 عاماً، متوحداً، وفي هذا ما يلتقي مع "متوحد" ابن باجة يتأمل الكون حوله، ويكون لنفسه آراؤه ومعارفه، من دون لغة، ومن دون أستاذ، ومن دون أي عون بشري من الخارج. وفي سن الـ50 يكون لقاؤه مع آسال/ أبسال، ومغامرة توجههما معاً إلى جزيرة سلامان، وفشل التجربة. ومن الواضح أن ابن طفيل، لم يشأ هنا أن يروي حكاية، بمقدار ما شاء أن يرسم سيرة ذاتية فكرية للفيلسوف، وربما له هو أيضاً مستنداً إلى نص لابن سينا. ومن هنا فإن الأحداث والمواقف والتبدلات، سرعان ما تتخذ طابعاً رمزياً لا شك فيه، مما يجعل النص كله عملاً فلسفياً لا روائياً، وعملاً فلسفياً موضوعه الإنسان نفسه، مجرداً من كل عنصر يخرج عنه. وكأن ابن طفيل أراد أن يبرهن على صحة مقولة سقراط الشهيرة "اعرف نفسك بنفسك". ويقيناً أنه نجح في ذلك، حتى ولو كانت النتيجة عودته إلى وحدته وإلى ذاته.

"فيلسوف قادش"

ولد ابن طفيل عند بدايات القرن الثاني عشر الميلادي في قادش وادي آش ومن هنا لقبه "فيلسوف قادش". وتوفي في مراكش بين عامي 1185 و1186. وعرف بسعة اطلاعه إذ كان طبيباً ورياضياً ومنجماً وشاعراً وفيلسوفاً. عمل وزيراً لدى أمير غرناطة قبل أن يتوجه إلى مراكش ليعمل طبيباً ووزيراً لدى أبي يعقوب يوسف، وكان هو الذي قدم صديقه ابن رشد إلى ذلك الخليفة المتنور واقترح عليه شرح أرسطو. وعلى رغم تعدد كتابات ابن طفيل الفكرية، فإن "حي بن يقظان" تبقى الأهم والأشهر بين أعماله.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة