Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلى أين سيقود التوتر بين روسيا وأذربيجان آسيا الوسطى؟

تعكس صياغة مواقف باكو الأخيرة رغبتها في سياسة دبلوماسية متوازنة كمحاولة للحفاظ على التوازن الدقيق بين الحياد والتضامن

هذه ليست المرة الأولى التي تتأثر فيها العلاقات بين البلدين سلباً خلال الأشهر الأخيرة (أ ف ب)

ملخص

حتى لو تم حل الخلاف الدبلوماسي قريباً، فمن غير المرجح أن تبقى علاقات باكو مع الكرملين قوية طويلاً، فأذربيجان تدرك أن الكرملين يسمح حالياً لجيرانه بتحقيق استقلالية متزايدة، ولكن إذا انتهت الحرب في أوكرانيا واستعادت روسيا مواردها فقد يغيرون رأيهم.

ظاهرياً، شكلت حادثة إسقاط طائرة الركاب الأذرية التابعة لشركة "أزال" في ديسمبر (كانون الأول) 2024 قرب مدينة أكتاو في كازاخستان، صافرة تحول في العلاقات بين أذربيجان وروسيا، لكن من الناحية الفعلية كانت هذه الحادثة بمثابة صاعق تفجير للخلافات الجيوسياسية الكامنة بين البلدين خلال الأعوام القليلة الماضية، والتوتر الصامت القائم بينهما منذ بدأت باكو تشب عن الطوق الروسي وتتطلع لبناء علاقات مع الغرب وإسرائيل لا تراعي مصالح موسكو السياسية والاقتصادية والأمنية.

لذلك ادعى الجانب الأذري أن الطائرة أسقطت بواسطة أنظمة دفاع جوي روسية. ولفت رئيس أذربيجان إلهام علييف انتباه المجتمع الدولي، معتبراً أن هذا الحدث يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

تحطم طائرة الركاب التابعة للخطوط الجوية الأذرية وهي متجهة من باكو إلى غروزني أثناء اقترابها من مدينة أكتاو الكازاخستانية، أسفر عن مقتل 38 شخصاً، بينهم اثنان من أفراد الطاقم، من ضمن 67 شخصاً كانوا على متنها. وكان من بين القتلى 25 مواطناً أذرياً وسبعة روس وستة كازاخستانيين. وصرح الكرملين بأنه أثناء محاولة الطائرة الهبوط في مطار غروزني تعرضت المنطقة، بما في ذلك موزدوك وفلاديكافكاز، لهجوم بطائرات مسيرة أوكرانية.

في الـ28 من ديسمبر 2024، اتصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً بنظيره الأذري إلهام علييف، وكما ورد على موقع الكرملين، "اعتذر عن الحادثة المأسوية التي وقعت في المجال الجوي الروسي، وأعرب مرة أخرى عن تعازيه العميقة والصادقة لأسر الضحايا وتمنى الشفاء العاجل للمصابين".

في اليوم التالي، قال علييف إن "الطائرة المنكوبة تضررت من الخارج، وفقدت السيطرة عليها بصورة أساسية، وأصبحت غير صالحة للاستخدام بسبب الحرب الإلكترونية". وأضاف "أولاً، يجب على الجانب الروسي الاعتذار لأذربيجان. ثانياً، يجب أن يعترف بذنبه. ثالثاً، يجب عليه معاقبة المسؤولين وتقديمهم للمحاكمة الجنائية ودفع تعويضات لأذربيجان والركاب وأفراد الطاقم المصابين".

 

وفور وقوع هذه الحادثة المأسوية التي أودت بعشرات الركاب المدنيين، أعلن مكتب المدعي العام الأذري وجهات حكومية أخرى عزمهم على اتخاذ إجراءات قانونية دولية ضد روسيا. ووفقاً للرئيس علييف، قد تحال القضية إلى محكمة دولية ومحاكم أخرى.

وأثار الرئيس إلهام علييف هذه القضية بصراحة وبصورة محددة للمرة الأولى في الـ19 من يوليو (تموز) بمنتدى الإعلام العالمي في شوشا، قائلاً "أسقطت طائرتنا (أزال) بصاروخ قرب مدينة أكتاو الكازاخستانية. ولم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن الحادثة حتى الآن. وهذا انتهاك صارخ للقانون الدولي".

وعلى رغم أن علييف لم يذكر روسيا بالاسم مباشرة، فإنه أبدى استياءه بوضوح، معلناً "لقد مرت سبعة أشهر، ولكن لم يتبع ذلك أي تفسير أو اعتراف بالمسؤولية. إن مثل هذا السلوك لا يتوافق مع روح الشراكة الاستراتيجية".

من جهتها، تقول روسيا إن التحقيق لا يزال جارياً، ولم تتوصل بعد إلى نتائج ملموسة في شأن المسؤولية. وعلق المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، على الوضع في الـ21 من يوليو قائلاً "أحياناً تمر العلاقات بين البلدين بفترات عصيبة. هذه واحدة منها. لكننا نأمل في أن تمر".

وأشار أيضاً إلى أن "التعاون الثنائي يحقق منافع متبادلة ويرتكز على أسس متينة". ورداً على سؤال حول طائرة "أزال"، قال بيسكوف إن "التحقيق يجري من قبل الجانب الروسي، ولأذربيجان الحق في اللجوء إلى محكمة دولية، وإذا لجأت باكو إلى محكمة دولية في شأن هذه القضية، فهذا حقها. وسننتظر القرارات الرسمية".

وأضاف أن احترام حقوق الروس المقيمين في أذربيجان أمر مهم بالنسبة إلى موسكو، تماماً كما أن الأذريين في روسيا "مجتمع ملتزم بالقانون ومحترم".

الضغط على الشتات

لكن وعلى رغم تصريح الناطق باسم الكرملين في شأن التزام الأذريين في روسيا بالقانون، ازداد تدهور العلاقات بين موسكو وباكو بعد الاعتقالات الجماعية للأذريين في روسيا. وهذه ليست المرة الأولى التي تتأثر فيها العلاقات بين البلدين سلباً في الأشهر الأخيرة.

ففي الـ28 من يونيو (حزيران) الماضي، استدعت وزارة الخارجية الأذرية القائم بأعمال السفارة الروسية في باكو بيوتر فولكوفيخ. وكان السبب اعتقال 50 مواطناً يتحدرون من هذه الجمهورية السوفياتية السابقة في الـ27 من يونيو بمدينة يكاترينبورغ عاصمة الأورال الروسي. وكانت وسائل الإعلام المحلية أول من نشر خبر اعتقالهم. ونقلت قناة "ي 1" الأذرية عن شاهد عيان قوله "يقبضون عليهم ويأخذونهم. بعضهم حضر بنفسه عند استدعائه، والآخر يختبئ. يقولون إن مجموعة من ضباط الشرطة من الإدارة الرئيسة ومحققين من لجنة التحقيق يبحثون عن قاتل من أصول الأذرية. وجاءت الاعتقالات في إطار قضية مقتل يونس باشاييف، المواطن من يكاترينبورغ من أصل الأذري، عام 2001. وخلال عمليات الاعتقال قتل شخصان من أصول الأذرية، هما الشقيقان زياد الدين وغوسين صفاروف، ونقل ثلاثة آخرون إلى المستشفى، وحالهم الصحية خطرة.

في الـ28 من يونيو، أفادت لجنة التحقيق التابعة للاتحاد الروسي في منطقة سفيردلوفسك بالكشف عن "جماعة إجرامية عرقية يشتبه في ارتكابها عدداً من جرائم القتل ومحاولات القتل". وذكر تقرير لجنة التحقيق أن المتهمين يشتبه بتورطهم في جريمتي قتل يونس باشاييف، وهو مواطن أذري، عام 2001، وإكرام جادجييف، وهو مواطن من ذلك البلد وصاحب مستودع خضراوات، عام 2011، إضافة إلى محاولة قتل رجل الأعمال فخروز شيرينوف عام 2010. وستحال القضية إلى المكتب المركزي للإدارة. ويعتقد التحقيق أن المتهمين في قضية "الجماعة الإجرامية العرقية" في يكاترينبورغ متورطون في حادثة التسمم الجماعي بالكحول في جبال الأورال عام 2021، والتي أودت بحياة نحو 40 شخصاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الـ29 من يونيو، أمرت محكمة روسية باعتقال ستة أشخاص محتجزين على خلفية القضية. وذكرت صحيفة "ريبورت" الأذرية أنهم أحضروا إلى المحكمة وعليهم آثار إصابات، ونقل بعض المعتقلين إلى المستشفى، بينما يعالج أحدهم في العناية المركزة. ووصف فوغار سافاروف أحد الأذريين، الذي أفرج عنه بعد فترة وجيزة، كيف احتجز هو ووالده. وقال "في مركز الاحتجاز السابق للمحاكمة شتمونا وضربونا على رؤوسنا وعذبونا بالكهرباء. كانوا يصرخون: ماذا، هل أعجبك هذا يا أحمق؟ لماذا أتيت إلى هنا؟".

في الـ27 من يونيو، أعربت وزارة الخارجية الأذرية عن "احتجاجها الشديد" لروسيا، مشيرة إلى "مقتل مواطنين أذريين بوحشية" خلال مداهمات لقوات إنفاذ القانون. وفي بيان منفصل، دعت الوزارة موسكو إلى إجراء "تحقيق عاجل" و"تقديم المسؤولين عن هذا العنف غير المقبول إلى العدالة على الفور". ورداً على ذلك، قالت وزارة الخارجية الروسية، إن القائم بأعمال سفير روسيا لدى باكو بيوتر فولكوفيخ، "قدم التوضيحات اللازمة للجانب الأذري، وأكد أن الوضع تحت سيطرة أجهزة إنفاذ القانون".

لكن لجنة التحقيق الروسية أفادت أن أحد المتهمين الموقوفين في قضية جرائم القتل المأجورة في يكاترينبورغ توفي، وفقاً للبيانات الأولية، بسبب قصور في القلب. وأوضحت الإدارة أنه يجري تحديد سبب وفاة المتهم الثاني.

لم يقنع هذا البيان باكو، وفي الـ29 من يونيو، قرر البرلمان الأذري عدم توجه وفده إلى موسكو لحضور اجتماع اللجنة الثنائية للتعاون البرلماني. وعلل البرلمانيون ذلك بـ"عمليات القتل العمد والمستهدفة وخارج نطاق القضاء والعنف ضد الأذريين على أسس عرقية"، إضافة إلى "تكرار هذه الحالات أخيراً". وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الثقافة الأذرية إلغاء جميع الفعاليات الثقافية الروسية (الحفلات الموسيقية والمهرجانات والعروض والمعارض وغيرها) في الجمهورية، وأعلنت وكالة "ترند" إلغاء زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفرشوك إلى باكو .

في الـ30 من يونيو، طوقت وزارة الداخلية الأذرية مكتب وكالة "سبوتنيك أذربيجان" الروسية، التابعة لوكالة "روسيا اليوم" الإخبارية. ونتيجة لذلك، اعتقل صحافيان من الوكالة، هما رئيس تحرير "سبوتنيك" إيغور كارتافيخ، ومدير التحرير يفغيني بيلوسوف.

استدعت وزارة الخارجية الروسية السفير الأذري رحمن مصطفايف "على خلفية تصرفات باكو غير الودية والاحتجاز غير القانوني للصحافيين".

مشكلات متراكمة

هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها العلاقات الروسية - الأذرية توتراً خلال الأشهر الأخيرة، ظاهرياً بسبب حوادث طارئة، ولكن فعلياً بسبب الخلافات الجيوسياسية المتراكمة بين البلدين، بدءاً من موقف باكو الداعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا، مروراً باتهام الاستخبارات الروسية لعدد من رجال العصابات في الجالية الأذرية التي تعيش في روسيا بتقديم مساعدات لوجيستية واستخباراتية مهمة للعملية الأوكرانية التي استهدفت في يونيو الماضي مجموعة مطارات عسكرية روسية تضم طيراناً استراتيجياً بواسطة مسيرات تم نقلها بالشاحنات إلى قرب هذه المطارات في سيبيريا البعيدة جداً من جبهة القتال في دونباس، وصولاً إلى تشريع علييف أبواب بلاده أمام الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية للتجسس على إيران وروسيا، والمشاركة انطلاقاً من الأراضي الأذرية في الحرب الإسرائيلية- الأميركية ضد إيران في يونيو الماضي.

مواقف أذربيجان الأخيرة، سواء في مسألة إسقاط طائرة الركاب أو الاعتقالات التي جرت لأفراد من عصابات إجرامية من أصول الأذرية في روسيا، ليست نتيجة لسياسة باكو الظرفية، بل هي جزء من خطط استراتيجية وضعتها جهات خارجية وفي مقدمها لندن. وهذا جزء من الضغط الهجين على روسيا من خلال خلق مصدر لعدم الاستقرار في الاتجاه الجنوبي. فأذربيجان التي تصور نفسها رسمياً كشريك إقليمي براغماتي لروسيا، تصبح بصورة متزايدة جزءاً من لعبة كبيرة يدبرها الغرب، بحسب ما تعتقد الاستخبارات الروسية التي اضطرت إلى إيلاء الاتجاه الأذري اهتمامها على رغم انشغالاتها في الحرب الأوكرانية، وتداعيات المساعدات الغربية المتدفقة لصب الزيت على النار فيها.

فالفتور الحاد في العلاقات الثنائية والضغط الكامن من الجالية الأذرية في الخارج ورد الفعل المعبر عن نفسه تجاه حملات التطهير لمكافحة الجريمة واعتقال الصحافيين والمساعي الدبلوماسية وإلغاء الفعاليات الثقافية الناطقة بالروسية، كلها محاولات من باكو للنأي بنفسها من موسكو. في الوقت نفسه لا ترفض باكو نفسها المزايا الاقتصادية واللوجيستية، بل تسعى إلى اتخاذ موقف الحياد الابتزازي: الحفاظ على الحياد الرسمي، مع استغلال النزاعات. في الواقع، نحن نتحدث عن محاولة لبناء هيكلية ثنائية للتفاعل، حيث تلعب روسيا دور "مقدم التنازلات"، وأذربيجان دور اللاعب الذي يرفع الرهانات باستمرار.

من الضروري إدراك أن هذه الفجوة قائمة منذ زمن طويل، أي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، التي خلقها في الأساس الشك الأذري آنذاك في مساعدة روسيا لأرمينيا على احتلال إقليم ناغورنو قره باغ والمناطق المحيطة به. فتيارات الكراهية التي تتدفق على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام الرسمية الأذرية، أصبحت بالفعل جرس إنذار لا رجعة فيه لروسيا وما ينتظرها في جنوب القوقاز.

 

ما يحدث اليوم في العلاقات بين موسكو وباكو ربما بدا مستحيلاً قبل عامين فقط. بدت هذه العلاقات قوية وموثوقة، وكان ضمانها الروابط الوثيقة بين رئيسي البلدين. كانت موسكو تنظر إلى إلهام علييف الذي تلقى تعليمه في روسيا بوصفه شريكاً جاداً، يعرف دائماً كيف يختار الأسلوب الأمثل في التواصل مع الكرملين، ولم يكن مرتبطاً بـ"الثورات الملونة". وإن كان قد سمح أحياناً بميل نحو القومية، إلا أن هذه القومية كانت دائماً معادية للأرمن، ولم تكن معادية لروسيا قط.

عمل رجال أعمال أذريون (من باكو ومن الشتات) بمهارة في المجال الإعلامي الروسي، وشكلوا قاعدة متينة من علماء السياسة والصحافيين المحليين الذين سافروا بانتظام إلى أذربيجان، وغطوا كل ما يحدث في هذا البلد بإيجابية بالغة، وأوصلوا إلى الرأي العام فكرة أن باكو، إن لم تكن حليفة لموسكو فهي بالتأكيد شريكها الموثوق والقوي والمتوقع. على عكس دول جنوب القوقاز الأخرى.

من الصعب التخلص من الشعور بأن أحداث يكاترينبورغ كانت مجرد ذريعة تم استغلالها بشراسة. والسبب، على ما يبدو، هو أنه بعد انتهاء حرب قره باغ بانتصار أذربيجان، لم تعد باكو في حاجة إلى بناء علاقات مع موسكو بالنبرة نفسها. بدأت أذربيجان تتصرف كقوة إقليمية، وتنظر إلى روسيا في هذا الصدد على أنها قوة مهيمنة سابقة يمكن تجاهلها، ويجب إبعادها تدريجاً من المنطقة، ويمكن على حسابها فرض وجودها وكسب نقاط في نظر "الجمهور الوطني" داخل البلاد.

وهكذا، يصبح من الواضح مرة أخرى أن باكو تستخدم مثل هذه الحوادث، ليس فقط من أجل البحث عن العدالة، ولكن لتعزيز خطابها على الساحة الدولية، بما في ذلك لمصلحة البلدان التي تتصارع بصورة مفتوحة مع روسيا. فأذربيجان التي تعد رسمياً شريكاً استراتيجياً لروسيا، لا تزال مع ذلك تدعم خطاباً يصب في مصلحة المعسكر الأوكراني.

في الوقت نفسه تبدي موسكو ضبطاً للنفس في ردها، على رغم تصاعد التوتر في العلاقات. من الممكن أن يأمل الكرملين في استقرار العلاقات، لكن تصرفات باكو، لا سيما في ما يتعلق باستغلال الشتات وتوجيه الاتهامات لروسيا، قد تفضي إلى عواقب وخيمة.

رهان على الوقت

على خلفية تصريحات علييف السياسية المتحدية لموسكو، تستمر التحقيقات مع أفراد الجالية الأذرية في روسيا. ومن أبرز هذه القضايا قضية إلشان إبراهيموف، الرئيس السابق للجالية الأذرية في منطقة موسكو، الذي جرد من جنسيته الروسية لمشاركته في مخططات هجرة وتجارة غير شرعية. بعد طرده إلى أذربيجان، علق كثر آمالاً على أن يكون هذا بداية حملة تطهير ممنهجة للهياكل العرقية التي غالباً ما تعمل خارج نطاق القانون.

مع ذلك من السابق لأوانه الحديث عن نقطة اللاعودة في العلاقات بين موسكو وباكو. فمن الواضح أن القيادة الروسية لم تتوقع هذا السلوك العدواني والفظ تجاهها. إذ تصعد القيادة الأذرية الأخطار عمداً، ويبدو أنها تحاول استفزاز روسيا ودفعها إلى رد فعل عاطفي.

ويتوقع الكرملين أن تبدأ باكو قريباً في التعبير عن موقفها من الصراع الأوكراني بصورة أكثر فاعلية. وسيكون التركيز في هذه الإجراءات على "الوحدة مع العالم التركي"، ستحاول أذربيجان التأثير في الرأي العام في دول آسيا الوسطى لمصلحة الروايات المعادية لروسيا. بالنسبة إلى الغرب، سيمثل هذا الخطاب الأذري الذي سيصاحبه بالتأكيد تصريحات مماثلة من أرمينيا، حجة مهمة في الحرب الإعلامية مع الاتحاد الروسي.

ولا تقتصر المواجهة المحتملة على أوكرانيا، إذ تحاول وسائل الإعلام الأذرية إقناع مواطنيها بأن ما حدث ليس من عمل أجهزة إنفاذ القانون المعتاد (دعونا نتذكر أن جميع الأذريين المعتقلين هم مواطنون من الاتحاد الروسي)، بل هو جزء من حملة عامة لاضطهاد المهاجرين.

تعكس صياغة مواقف باكو الأخيرة رغبة أذربيجان في سياسة دبلوماسية متوازنة، في محاولة للحفاظ على التوازن الدقيق بين الحياد والتضامن. ويرى محللون أن هذه المواقف هي محاولة من باكو لإرسال إشارات سياسية إلى الغرب وشركائها الإقليميين من دون التوجه نحو مواجهة مفتوحة مع روسيا.

لكن أسباب التوتر والصراع المحتمل بين روسيا وأذربيجان، لا يمكن حصرها بحادثة إسقاط الطائرة الأذرية المدنية، ولا باعتقال أجهزة الأمن الروسية رجال مافيا يتحدرون من أذربيجان ويحملون الجنسية الروسية. هناك عديد من الأسباب، ولكن يمكن تحديد بعضها.

1- محاولة أذربيجان الاستيلاء على المبادرة الجيوسياسية في المنطقة. فعلى رغم أن السبب المباشر للتصعيد الحالي هو إسقاط طائرة الركاب الأذرية ومقتل أذريين اثنين أثناء إجراءات التحقيق في مدينة يكاترينبورغ (وفقاً لباكو، قتلوا على يد قوات الأمن الروسية)، من الواضح أن المشكلات كانت تتراكم منذ فترة طويلة. وعلى رغم أن باكو لم تنتهج سياسة عدائية ظاهرياً تجاه موسكو، فإنها أوضحت من وقت لآخر أن الكرملين ليس سلطة لها. في ديسمبر 2024، انتقد علييف روسيا بشدة لإسقاطها طائرة الأذرية. والمهم هنا هو أن علييف التقى بوتين مرات عدة وكان على اتصال شخصي به. وعندما قرر، بدلاً من مناقشة القضية في محادثة شخصية مع الرئيس الروسي، "مهاجمة" الاتحاد الروسي علناً، بدا الأمر وكأنه دعوة إيقاظ جدية لتغيير في الموقف. وهو ما يتماشى بصورة عامة مع سياسة باكو في الأعوام الأخيرة. 

مع استعادة أذربيجان لإقليم ناغورنو قره باغ من أرمينيا بالقوة، يسعى علييف إلى مواصلة تعزيز نفوذه في القوقاز وفي المنطقة الأوسع التي تضم جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية السابقة. حليفه الرئيس في هذا المسعى هو تركيا (إضافة إلى قوى غربية مهتمة بتقليص النفوذ الروسي في منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي، وفي مقدمها بريطانيا). ومنافسه الرئيس، بطبيعة الحال، هو روسيا. علاوة على ذلك، بعد استعادة باكو السيطرة على قره باغ بالكامل عام 2023، وعلى رغم وجود قوات حفظ سلام روسية هناك كضامنين للامتثال لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، فقد تقوضت سلطة موسكو في كل من أرمينيا وأذربيجان بصورة خطرة.

علاوة على ذلك، ترسخ باكو مكانتها مركزاً لصادرات الطاقة من آسيا الوسطى إلى الغرب متجاوزة روسيا. ومن الواضح أن الكرملين لن يرحب على الأرجح بجميع هذه السيناريوهات.

2- قيام أسطول بحر قزوين الروسي، بالتعاون مع البحرية الإيرانية، بمناورات عسكرية مشتركة في بحر قزوين تحت اسم "كاساريكس-2025" في الـ22 من يوليو تستمر ثلاثة أيام. وتهدف إلى تعزيز الأمن في منطقة بحر قزوين، وتعزيز التعاون العسكري بين روسيا الاتحادية وإيران، وتشمل سفناً قتالية وسفن دعم، بما في ذلك زوارق صواريخ من كلا البلدين، تعده أذربيجان التي شرعت أبوابها للاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، بمثابة جرس إنذار لها، بعدما سمحت للقوات الإسرائيلية باستخدام أراضيها للقيام بعمليات تجسس ونقل مسيرات إلى الداخل الإيراني أثناء الحرب التي شنتها تل أبيب ضد طهران في يونيو الماضي.

وعلى رغم أن قرار إجراء مثل هذه المناورات لم يتخذ أمس، فإن مجرد إجراء مناورات "كاساريكس-2025" يثير قلقاً واضحاً ورد فعل مؤلم في باكو. وتكتب وسائل الإعلام الأذرية أن هذه المناورات تجرى "على خلفية توتر العلاقات بين باكو وموسكو". علاوة على ذلك، فإن عدم مشاركة أذربيجان، الدولة المطلة على بحر قزوين، بصورة مباشرة في مناورات "كاساريكس-2025" العسكرية يثير ردود فعل سلبية في الساحة الإعلامية الأذرية.

 

كذلك التقطت وسائل الإعلام الأوكرانية هذه "الموجة" من التصعيد، حيث كتبت أن "أسطول بحر قزوين الروسي استخدم مراراً وتكراراً لشن ضربات صاروخية على أوكرانيا"، وأنه الآن يهدد أذربيجان تقريباً. مع ذلك إذا انطلقنا من تصريحات إلهام علييف الأخيرة، فإن ما يهدد أذربيجان أكثر هو المسار الذي قررت القيادة السياسية لهذه الجمهورية الواقعة في منطقة القوقاز اتخاذه. فرئيس أذربيجان نصح الأوكرانيين علناً في الـ20 من يوليو بـ"عدم التسامح مع الاحتلال"، وهدد بمقاضاة روسيا أمام محكمة دولية على خلفية تحطم طائرة الخطوط الجوية الأذرية.

في يوليو الجاري، عقد مستشارا المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي، علي لاريجاني وعلي أكبر ولايتي، اجتماعات رفيعة المستوى في موسكو وإسلام آباد، حيث وجهت انتقادات علنية لأذربيجان. ووصف ولايتي تعاون أذربيجان مع إسرائيل وأنشطتها في المنطقة بأنه "خيانة للعالم الإسلامي".

في ظل هذه الخلفية، أثارت زيارة الرئيس بزشكيان إلى خانكيندي وعلاقاته الوثيقة مع باكو استياء في الأوساط المحافظة الإيرانية. إلا أن أذربيجان تحاول التمييز بين العلاقات الرسمية مع طهران وتأثير الكيانات الموازية.

3- بعدما استعادت أذربيجان السيطرة الكاملة على قره باغ في حربي 2020 و2023، أصبحت قضية ما يسمى ممر "زانزيغور" (أو "سينيوك")، وهو جزء من أرمينيا يفصل أراضي أذربيجان الرئيسة عن جيب ناخيتشيفان المتاخم لتركيا، أساساً لجميع الجيوسياسات في جنوب القوقاز. ويعد إنشاء اتصال مباشر بين أذربيجان وتركيا الآن قضية محورية بالنسبة إلى باكو. وفي ظل هذه الخلفية، تتواصل التصريحات بأن أذربيجان قد تهاجم أرمينيا للسيطرة على الممر بالقوة. ولا تزال تصريحات علييف في شأن يريفان تتسم بطابع حاد من المواجهة.

في الوقت نفسه يحمل الهجوم المباشر أخطاراً كبيرة على باكو، وقد يزيد من تدهور علاقاتها مع أوروبا، إضافة إلى ذلك من غير المؤكد أن الاستيلاء على الممر سيكون سهلاً على الجيش الأذري، فجيش أرمينيا ليس ضعيفاً جداً، إضافة إلى ذلك إذا فشلت الحرب الخاطفة واستمر القتال، ونظراً إلى تدهور العلاقات الروسية الأذرية، قد تقدم موسكو أيضاً دعماً عسكرياً لأرمينيا في إطار التزاماتها بموجب منظمة معاهدة الأمن الجماعي. كما يمكن لإيران مساعدة يريفان.

لذلك، في الوقت الحالي، يتمثل الخيار الأكثر ملاءمة لباكو وأنقرة في التوصل إلى اتفاق مع باشينيان يمنح بموجبه طوعاً حقوقاً "حصرية" للممر لأذربيجان وتركيا. لكن روسيا وإيران تعارضان ذلك. فروسيا نفسها تريد السيطرة على الممر، وهو ما نصت عليه اتفاقات وقف إطلاق النار في ناغورنو قره باغ خريف عام 2020. أما طهران، فتؤيد مرور الممر عبر أراضيها.

4- يعد الشتات الأذري في الاتحاد الروسي أغنى الجاليات الوطنية وأكثرها نفوذاً. ويسيطر الأذريون على أصول ضخمة في جميع أنحاء الاتحاد الروسي، بدءاً من أسواق لا تحصى وصولاً إلى قطاع النفط. علاوة على ذلك، يحتل الأذريون مكانة رفيعة في التسلسل الهرمي الإجرامي الروسي، حيث يسيطرون على جزء كبير من الأنشطة الإجرامية في الاتحاد الروسي.

بخلاف الشتات الجورجي والأرمني، اللذين يتصرفان عادة بالتوافق مع الكرملين، ويشكلان عاملاً من عوامل تأثير موسكو على العمليات في جورجيا وأرمينيا على التوالي، فإن وضع الشتات الأذري هو عكس ذلك تماماً. فهو عامل من عوامل تأثير باكو على الاتحاد الروسي. وقد تجلى هذا بصورة خاصة خلال حرب قره باغ، عندما اتخذ الكرملين، بفضل جهود الشتات إلى حد كبير، موقفاً موالياً لأذربيجان.

لذلك، فور بدء التصعيد الحالي، برزت رواية مفادها أن الهدف من الهجوم الصارخ على الشتات الأذري هو، في أقل تقدير، انتزاعه من سيطرة باكو وتحويله إلى أداة نفوذ لموسكو على مسار أذربيجان، نظراً إلى العلاقات الوثيقة بين البلدين، فضلاً عن حجم الأموال التي يجنيها الأذريون في الاتحاد الروسي. وفي أقصى تقدير، انتزاع ممتلكات الأذريين في روسيا. لكن لن يكون من السهل "تجريد" الشتات الأذري في روسيا من ممتلكاته، نظراً إلى نفوذه الهائل وروابطه الواسعة على جميع المستويات.

إجراءات انتقامية

في أوائل فبراير (شباط)، أبلغت باكو موسكو بوقف منظمة "روس سوترودنيتشيستفو" عن العمل في الجمهورية، مطالبة وزارة الخارجية الأذرية بإغلاق "البيت الروسي"، الذي كان يعمل منذ عام 1997 بموجب اتفاقية حكومية دولية (في الوقت نفسه علقت أذربيجان عمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية)، وصرح يفغيني بريماكوف، رئيس "روس سوترودنيتشيستفو"، بأن باكو بررت قرارها بعدم تسجيل "البيت الروسي" قانونياً. وأشار إلى أن المنظمة مستعدة للخضوع لذلك، وقد ناشدت سلطات الجمهورية مراراً وتكراراً بهذا الشأن "إلا أن دعواتنا لم تلب". وأكدت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لتلبية مطالب باكو وتسجيل "البيت الروسي". وأضافت "نأمل في أن تحل هذه المسألة بصورة إيجابية، وألا تستسلم وسائل الإعلام التي تروج لقصة هوس التجسس هذه للاستفزازات".

في الـ11 من فبراير، بدأ "البيت الروسي" تصفية أعماله في أذربيجان. موقعه الإلكتروني والمنظمة نفسها معطلان حالياً، ولكن في مايو (أيار)، زعم الجانب الروسي أنه يجري ’حواراً إيجابياً’ مع باكو في شأن هذه المسألة.

في يونيو، أفاد بريماكوف أن روسيا طلبت من أذربيجان التواصل معها في شأن هذه المسألة في الثالث من مارس (آذار) الماضي، لكن سلطات الجمهورية لم تستجب.

في الـ24 من فبراير، قررت السلطات الأذرية أيضاً تصفية مكتب وكالة "سبوتنيك أذربيجان"، التابع لوكالة أنباء "روسيا سيغودنيا الدولية". وتهدف هذه الخطوة، وفقاً لموقع "ترند" الذي نقل عن مصدر حكومي لم يكشف عن هويته، إلى "استعادة التوازن في ظروف عمل المنشورات الحكومية الأذرية في الخارج، والصحافيين الأجانب في بلدنا". ويعني هذا التوازن، وفقاً لباكو، أن يكون عدد صحافيي "سبوتنيك" في الجمهورية مساوياً لعدد مراسلي وكالة "أذرتاج" الحكومية في موسكو.

وألغت أذربيجان زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي إلى باكو في يونيو الماضي، واستدعت الوفد البرلماني من موسكو، وألغت جميع الفعاليات الثقافية بمشاركة فنانين روس.

وصرحت زاخاروفا في الـ27 من فبراير "نحن نسمع ونفهم الحجج جيداً. نعم، القانون هو القانون. لا أحد يجادل. ولكن من الممكن دائماً إيجاد حلول وفرص مقبولة من الطرفين لحل الوضع وتسويته. لا أرى أي تناقض هنا بين الالتزام بالقانون والعلاقات الطبيعية القائمة على الاحترام المتبادل لتسوية الوضع".

في مطلع مايو، اتهمت باكو موسكو بشن هجمات إلكترونية على عدد من وسائل الإعلام الأذرية. واتهم عضو البرلمان الوطني راميد نمازوف مجموعة القراصنة "كوزي بير"، التي يعتقد أنها خاضعة لسيطرة موسكو، بالتورط في هذه الهجمات.

كيف يتطور الوضع؟

أعرب الكرملين عن أسفه لإلغاء الفعاليات والممثليات الروسية في أذربيجان ولبيان وزارة الخارجية الأذرية، مؤكداً أن تصرفات أجهزة إنفاذ القانون لا يمكن أن تبرر المساعي الدبلوماسية. وصرح السكرتير الصحافي الرئاسي دميتري بيسكوف في الـ30 من يونيو بأن "من المهم مواصلة العمل لشرح أسباب وطبيعة الأحداث التي يرى الجانب الأذري أنها كانت سبباً لمثل هذه المساعي". وأضاف "نعتقد أن كل ما يحدث مرتبط بعمل أجهزة إنفاذ القانون، ولا يمكن ولا ينبغي أن يكون سبباً لمثل هذا الرد".

وبحسب بيسكوف، ليس من المقرر إجراء محادثة بين الرئيسين فلاديمير بوتين وإلهام علييف، ولكن "إذا لزم الأمر، فبالطبع سيتم ذلك في أقرب وقت ممكن". وخلص بيسكوف إلى أن روسيا مهتمة بتطوير "علاقات جيدة مع أذربيجان".

يقول المحلل السياسي الأذري ورئيس مركز أبحاث جنوب القوقاز فرهاد محمدوف، إن العلاقات بين روسيا وأذربيجان مرتبطة باتصالات شخصية بين الزعيمين. وعد أن "هناك تجسيداً واضحاً للعلاقات بين باكو وموسكو على أعلى مستوى من الحوار السياسي". وأضاف "منذ تحطم الطائرة الأذرية، لم نسجل سوى اتصال واحد بين رئيسي الدولتين". كما يلفت الانتباه إلى أن باكو لم تكن راضية عن رد فعل موسكو على تحطم الطائرة، مما دفع علييف في النهاية إلى إلغاء مشاركته في موكب النصر بموسكو في اللحظة الأخيرة. وعلى خلفية عدم تواصل رؤساء الدول مع بعضهم بعضاً بصورة مباشرة، كان هناك "تراكم للأحداث السلبية"، وتطورت عمليات لا يمكن حلها على مستوى وزراء الخارجية، معلقاً "نرى أن هذه الدوامة من المواجهة تدور أكثر فأكثر".

وعلق المتخصص في العلوم السياسية وشؤون رابطة الدول المستقلة أركادي دوبنوف، على اعتقالات الأذريين في يكاترينبورغ وأثرها في العلاقات الثنائية، قائلاً "لدي شعور بأن هناك مواجهات خفية للغاية في قضية يكاترينبورغ، إذ لا يمكن تذكر قضية لم تحل منذ ربع قرن". وأضاف "لا أرى أية دوافع سياسية في هذه القضية. لا يوجد أمر مباشر من المركز السياسي بإلحاق الضرر بالعلاقات الروسية الأذرية. كما أن الاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها ليس من قواعد القيادة الروسية".

وفقاً لدوبنوف، تعد أذربيجان اليوم أكثر أهمية لروسيا من أهمية روسيا لأذربيجان. ولخص الأمر قائلاً "إنها قوة إقليمية مؤثرة. من الخطأ الاعتقاد بأن قوتها تكمن في دعم تركيا لها. بل على العكس، نرى اليوم أن أنقرة باتت تعد باكو سنداً لها".

ويرى الباحث في جامعة بريمن (ألمانيا) نيكولاي ميتروخين، أن هناك دوافع سياسية وراء التوتر الحاصل بين باكو وموسكو. ويقول "بوتين غير راض عن علييف، وقرر استخدام الجالية الأذرية في روسيا كأداة ضغط. في هذه الحال برز رئيس لجنة التحقيق الروسية ألكسندر باستريكين، بدعم من قوات الأمن".

يقول عالم السياسة الأذري ورئيس مركز "أطلس" للأبحاث إلخان شاهين أوغلو، إن وسائل الإعلام الروسية تشن في الآونة الأخيرة حملة ضد أذربيجان. ويكتب على صفحته بموقع فيسبوك" أن مجموعة "مدوني زد" التي تشكلت في الكرملين خرجت عن السيطرة وأصبحت تطغى حتى على الخط الرسمي للدولة بخطابها الشوفيني.

ويؤكد أوغلو أن شخصيات، مثل فلاديمير سولوفيوف وإيغور ستريلكوف (جيركين)، يقدمون أذربيجان هدفاً عسكرياً ويهددون الرئيس إلهام علييف علانية. إذ يكتب مدونو "زد" عن قصف أذربيجان، وعن ترحيل الأذريين من روسيا، ويطالبون الكرملين باتخاذ إجراءات فورية. لا يمكن أخذ هؤلاء الأشخاص على محمل الجد، لكن تصريحاتهم تلقى صدى في المجتمع الروسي، وتشير إلى تنامي المشاعر الشوفينية.

وحذر شاهين أوغلو أيضاً من أن روسيا قد تخلق صعوبات اقتصادية وإدارية مختلفة للأذريين، وتعيد المنتجات الزراعية، وتحاول الاستيلاء على أصول رجال الأعمال من خلال عمليات التدقيق الضريبي.

ويشير إلى أن هذا الخطاب لا يستخدم فقط لتشكيل الرأي العام، بل كأداة للضغط على حكومة أذربيجان. مضيفاً أن بعض القصص التي بثتها قنوات التلفزيون الحكومية الروسية تشكك بصورة مباشرة في سلامة أراضي أذربيجان وسيادتها، وهو ما أثار انتقادات حادة من باكو الرسمية.

من الأمور ذات الأهمية الخاصة في سياق العلاقات الأذرية - الروسية أن الرئيس إلهام علييف، في خطابه في منتدى الإعلام العالمي في شوشا، أولى اهتماماً خاصاً لقضية أوكرانيا. وفي معرض إشارته إلى قواعد القانون الدولي، أعلن دعمه لوحدة أراضي أوكرانيا، وقال "نحن نعترف بوحدة أراضي أوكرانيا، وهذا ينبع من احترام أذربيجان للقانون الدولي".

وأكد علييف أيضاً أن أذربيجان تواصل تقديم المساعدات الإنسانية لأوكرانيا، "نحن محايدون، ولكننا لسنا غير مبالين".

على حافة الهاوية

وصفت وزارة الخارجية الروسية إجراءات باكو الأخيرة بأنها "خطوات متعمدة لتفكيك العلاقات الثنائية". وذكرت اللجنة الدائمة لمجلس حقوق الإنسان الروسي أن قوات الأمن الأذرية انتهكت المواثيق والإعلانات الدولية باحتجازها الصحافيين الروس. وقدم السفير الأذري مذكرة مضادة أعرب فيها عن احتجاجه على "استخدام التعذيب والإجراءات المهينة" ضد المعتقلين الأذريين في روسيا، بحسب ما كتبت صحيفة "فيدوموستي" .

إن إلغاء زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي، والاتهامات الرسمية بالتعذيب والقتل ضد قوات الأمن الروسية، وضرب الروس المعتقلين في باكو، ومداهمة مكتب وكالة أنباء روسية، والمقارنات بين روسيا وألمانيا النازية في وسائل الإعلام الرسمية، كلها قائمة غير كاملة للخطوات التي اتخذتها أذربيجان منذ مقتل الأخوين سافروف في يكاترينبورغ الشهر الماضي.

من الواضح أن هذا الرد فاجأ موسكو. وصفه الكرملين بأنه تصرف غير مسؤول، وعبرت نبرة وزارة الخارجية الروسية وكبار الدعاة على شاشات التلفزيون عن عدم فهم واستياء من تصرفات حليف رسمي، وهذا هو وضع العلاقات بين روسيا وأذربيجان حالياً.

 

وذكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، أن العلاقات بين موسكو وباكو "علاقات تحالف استراتيجي، وبالطبع، هناك قوى لا تروق لها هذه العلاقات". وصرح السكرتير الصحافي للرئيس ديمتري بيسكوف قائلاً "روسيا لم تهدد أذربيجان قط، ولا تهددها".

لم يسبق أن كان لمثل هذه الحوادث تأثير بهذا القدر على العلاقات بين البلدين. ففي عام 2021، قتل مواطن الأذري أثناء اعتقاله في نوفوسيبيرسك الروسية، ولقي جنود روس حتفهم نتيجة لأعمال القوات الأذرية في قره باغ بين عامي 2021 و2023.

لكن ما حدث في يكاترينبورغ ليس سبب الأزمة، بل هو مجرد أحد أعراض الخلافات المتفاقمة التي لم يتم حلها منذ بدأت باكو تخرج عن الطوق الروسي، كما يقول زاور شيرييف، وهو زميل في مركز "كارنيغي برلين" للدراسات الروسية والأوراسية.

ومن بين هذه التناقضات، فإن التناقض الرئيس هو رغبة الكرملين في البقاء كلاعب رئيس في الفضاء ما بعد السوفياتي، وهو ما يتعارض مع طموحات باكو كقوة إقليمية تمتلك أكبر اقتصاد وأقوى جيش في جنوب القوقاز.

وكتب الباحث البارز في جامعة "موسكو" الحكومية للعلوم والتكنولوجيا سيرغي ماركيدونوف، أن النجاحات العسكرية والدبلوماسية التي تحققت في الأعوام الأخيرة حولت أذربيجان إلى "كيان إقليمي مهم". وتشمل هذه النجاحات الانتصار في الحرب ضد أرمينيا عام 2020، واستعادة ناغورنو قره باغ عام 2023، وتحسين العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة، وزيادة التعاون العسكري مع تركيا وإسرائيل، مما منح الجيش الأذري في نهاية المطاف تفوقاً حاسماً على الجيش الأرميني.

"للأسف، يصاحب هذه العملية شعور بالتردد من النجاح. فهل من الضروري الوقوع في مشكلات وتعطيل العلاقات مع روسيا؟ سؤال بلاغي"، يضيف الباحث الروسي.

لكن ما يبدو رد فعل قاسياً من موسكو قد يكون نتيجة حسابات في باكو. فهناك استياء متزايد من تصرفات روسيا، ورغبة في مزيد من الاستقلال والتحرر من النفوذ الخارجي. كما أن ضعف موقف روسيا في جنوب القوقاز بسبب الحرب في أوكرانيا يهيئ الظروف لإعادة النظر في العلاقات.

تفضل روسيا علاقات قائمة على التسلسل الهرمي والسيطرة في ما يتعلق بما تسميه "الخارج القريب". لكن باكو لا تبدي اهتماماً بدور الشريك التابع كما يقول شيرييف.

شريك تجاري وحليف أيديولوجي

ولدى موسكو أيضاً أسباب تجعلها غير راضية عن حليفها الاسمي. لقد وقع علييف وبوتين إعلاناً للتعاون بين الحلفاء قبل أيام قليلة من الهجوم الروسي الكامل على أوكرانيا عام 2022. لكنهما لم يصبحا حليفين حقيقيين. على سبيل المثال، تدعم أذربيجان وحدة أراضي أوكرانيا وترسل مساعدات إنسانية إلى كييف.

لكن في سياق العقوبات والعزلة الدولية، تحتاج موسكو إلى شركاء، وتشارك أذربيجان في الممر الشمالي الجنوبي، الذي يفتح المجال أمام روسيا للوصول إلى الأسواق الآسيوية. ويقول شيرييف "أصبحت موسكو تعتمد على دول مثل أذربيجان أكثر من أي وقت مضى، وتستخدم باكو هذه المساحة بعناية".

لكن إلى جانب التجارة، هناك ارتباط بين بوتين وعلييف من خلال مواقف أيديولوجية، كما يشير المحلل البارز لشؤون جنوب القوقاز في مجموعة الأزمات الدولية جوشوا كوسيرا. مضيفاً "تظل روسيا شريكاً مفيداً لأذربيجان، لأن باكو تدعم تطلعات موسكو لإضعاف الهيمنة الغربية، لا سيما في ما يتعلق بمطالب حقوق الإنسان والديمقراطية. هذه المعايير، التي يروج لها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تعدها باكو وموسكو أدوات يستخدمها الغرب نفاقاً لتحقيق مصالحه". وبصرف النظر عن مدى حدة الأزمة، فمن غير المرجح أن تستمر طويلاً، كما يقول كوسيرا.

هذه هي السمة المميزة للسياسة الخارجية لأذربيجان: خلافات تكتيكية متكررة مع شركائها الرئيسين، سواء روسيا أو الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو إيران. ومع ذلك عادة ما تهدأ التوترات بعد بضعة أشهر. وتستغل باكو هذه الاستراتيجية المتوازنة جيداً لتوسيع هامش المناورة لديها.

لكن حتى لو تم حل الخلاف الدبلوماسي قريباً، فمن غير المرجح أن تبقى علاقات باكو مع الكرملين قوية طويلاً، كما يقول زاور شيرييف. مضيفاً أن أذربيجان تدرك أن الكرملين يسمح حالياً لجيرانه بتحقيق استقلالية متزايدة، ولكن إذا انتهت الحرب في أوكرانيا واستعادت روسيا مواردها فقد يغيرون رأيهم.

ويشير شيرييف إلى أن هذا الإدراك قد يدفع باكو إلى الالتقاء بأرمينيا في منتصف الطريق خلال المفاوضات في شأن اتفاق سلام.

وتوقفت العملية حالياً بسبب طرح علييف شروطاً مسبقة، أهمها تعديل الدستور. وقد أوضح رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان استعداده لقبولها، لكنه لا يستطيع القيام بذلك بمفرده. إذ تتطلب التعديلات الدستورية استفتاء لا يمكن إجراؤه قبل يونيو 2026، ومن المستحيل التنبؤ بنتائجه.

في الوقت نفسه تحذر مصادر الأذرية مقربة من الحكومة من أن الضغط المفرط على باشينيان قد يقوي خصومه - القوى الموالية لروسيا التي لا ترغب في مصالحة سريعة مع أذربيجان والتخلي عن مطالبها في كاراباخ. تاريخياً، بررت باكو هزيمتها في الحرب الأولى في كاراباخ (1992-1994) بالدعم الروسي لأرمينيا - وترى في استمرار الصراع خطر تدخل جديد من موسكو.

قد تعزز الأزمة الأخيرة في العلاقات بين باكو وموسكو الرأي القائل إن تأخير اتفاق السلام لا يؤدي إلا إلى منح روسيا مجالاً أوسع للتدخل. إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون الرأي السائد في باكو هو أن التحرك نحو السلام في ظل وجود باشينيان في السلطة هو أفضل سبيل لإضعاف نفوذ موسكو ومنعها من التلاعب بالرأي الآخر.

كلا البلدين يمران الآن بوضع مماثل، فأرمينيا تشهد فتوراً في علاقاتها مع موسكو للمرة الأولى بسبب هجمات الدعاية الروسية على باشينيان. وقد انتقد رئيس الوزراء الأرميني روسيا مراراً، ويريد الآن أن يرى بلاده عضواً في الاتحاد الأوروبي.

يخوض باشينيان معركة ضد قادة الكنيسة الرسولية الأرمنية وملياردير روسي أرمني يتهمه بالتخطيط للاستيلاء على السلطة. يلمح أقرب حلفائه إلى أن الكرملين يقف وراء المخططين، بينما ترد شخصيات روسية موالية للحكومة بتشويه سمعة باشينيان بالمصطلحات نفسها التي تستخدمها لوصف القيادة الأوكرانية.

وترغب الحكومة الأرمينية في تقليص اعتمادها على موسكو من خلال المصالحة مع أذربيجان وتركيا، وتأمل أن تستوعب باكو ذلك.

لكن بغض النظر عن نتائج عملية السلام والنزاع الدبلوماسي مع موسكو، فمن المتوقع أن تحافظ أذربيجان على مسافة بينها وموسكو في السنوات المقبلة، وستسمح هذه المسافة للقوى الغربية باللعب بالنار في الحديقة الخلفية لروسيا.

المزيد من تقارير