ملخص
تشهد العاصمة الأذرية باكو اليوم استئناف اللقاءات بين إسرائيل وسوريا التي توقفت عقب الأحداث الدامية التي شهدتها منطقة السويداء في الجنوب السوري.
أكدت مصادر إسرائيلية أمنية أهمية الاجتماع المتوقع عقده اليوم الخميس داخل عاصمة أذربيجان، باكو، على مستوى رفيع بين كبار المسؤولين من الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، في محاولة للتوصل إلى تفاهمات أمنية ومنع اشتعال الجبهة السورية، التي لم يهدأ فيها غبار المعارك والتدريبات.
اللقاء بادر للدعوة إليه المبعوث الأميركي توم براك الذي يواصل بذل جهود لضمان الهدوء على طول الحدود الشمالية على جبهتي لبنان وسوريا. وعلى رغم استياء تل أبيب من مواقف المبعوث الأميركي تجاه الملف السوري واتهام إسرائيل بالرغبة في تقسيم سوريا، فإنها تجاوبت مع دعوته للاجتماع.
وعلم في إسرائيل أن اللقاء سيركز على تعزيز التنسيق بين تل أبيب ودمشق لمنع احتدام الأوضاع في أعقاب أحداث السويداء، التي أوقفت المحادثات بين الطرفين حول التوصل إلى اتفاق أمني.
وبحسب مصادر إسرائيلية، هناك هدف للتوصل إلى صيغة تفاهمات تمنع حدوث أزمات مشابهة لأحداث السويداء في المستقبل، وتسعى إسرائيل إلى توضيح موقفها وخططها المستقبلية بتأكيد أمرين، أولهما استمرار انتشار جيشها في الجنوب وما فرضته على الأرض السورية من منطقة عازلة ونزع سلاح جنوب سوريا، وثانيهما استمرار حمايتها للدروز وضمان أمنهم. وخلال هذه المطالب، وفق مسؤول إسرائيلي، ستؤكد تل أبيب استمرار نشاطها الميداني الذي رفعته درجة منذ يومين عبر تشغيل وحداتها العسكرية والاستخباراتية، واعتقال عدد ممن ادعت أنهم تجار سلاح يعملون لمصلحة إيران و"حزب الله" و"حماس".
واتضح أن من بين أهداف نشاط جيشها في الجنوب السوري، التي ستطرحها إسرائيل في الاجتماع هو "ضمان عدم تعزيز بنى تحتية إرهابية في جنوب سوريا"، على حد تعبيرها. ونقلت القناة 12 قول مسؤول إسرائيلي إنه "في الوقت الحالي هناك نوع من الهدوء النسبي، لكن القضايا الجوهرية لن تحل دون توافق شامل بين الولايات المتحدة وإسرائيل والحكومة السورية".
تعزيزات أمنية
ويتزامن هذا اللقاء مع تجاوز إسرائيل قرار استمرار سيطرتها على معظم بلدات الجنوب السوري، باتخاذ قرار استثنائي يقضي ببدء رسم حدود جديدة عند خط وقف إطلاق النار تجاه سوريا. وتحت ذريعة الحفاظ على أمن الحدود، باشر الجيش الإسرائيلي بإقامة جدار على طول الحدود، بعضه متحرك يتنقل وفق تطور الأحداث. ونصب الجيش كتلاً أسمنتية ليشكل حاجزاً بين الجانبين وجلب مزيد من قواته العسكرية بينها كتائب تدريب من وحدة "غفعاتي" أطلق عليها اسم "قوات الردع".
وضمن خطة دفاعه قرر الجيش بناء تحصينات عسكرية في منطقة مجدل شمس وزود المنطقة بثلاث كتائب حرس كاملة على الحدود ونشر قوة شرطية. وتزامناً، كثف الجيش تدريباته على سيناريو سمته الأجهزة الأمنية "الأكثر رعباً"، المتمثل بتسلل المئات من عناصر التنظيمات المختلفة المعادية لإسرائيل الحدود السورية، أي تكرار مشاهد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وهجوم "حماس". وكثف الجيش وحدات المراقبة والقوات المنتشرة على طول الحدود وتلك التي تطوق المنطقة العازلة التي فرضتها جنوب سوريا.
كذلك أعادت إسرائيل فتح العيادات المتنقلة في السويداء للمساهمة في تقديم العلاج المطلوب للدروز، وزودتها بالمساعدات الطبية اللازمة من أدوية وأجهزة وغيرها من مستلزمات.
إسرائيل خاسرة في جبهة معقدة
تصعيد التوتر الذي أحدثه تدخل إسرائيل في السويداء والسماح لمئات الشبان الدروز الذين يخدمون في الجيش من اختراق الحدود والدخول إلى سوريا، انعكس أيضاً في الداخل الإسرائيلي بظل نقاش حذرت من تداعياته جهات أمنية، عدت أن التدخل الإسرائيلي في سوريا يجعل هذه الجبهة أكثر تعقيداً بل تخرج إسرائيل منه الخاسرة الأكبر، لما قد يسببه من ردود فعل جهات خارجية ودول خارجية ومعارضين في سوريا لهذا التدخل.
بروفيسور إيتمار رابينوفيتش الدبلوماسي الذي سبق وترأس وفد المفاوضات الإسرائيلية مع سوريا الأسد، خلال التسعينيات، يرى أن "خطة إسرائيل لتقسيم سوريا لن تكون مقبولة من نظام (الرئيس السوري) أحمد الشرع، كما لن يقبل أية مساومة على سيطرته على كل منطقة الجنوب الذي ينتشر فيها حالياً الجيش الإسرائيلي".
وفي تقديراته يعمل في جنوب سوريا ناشطون تابعون لإيران و"حزب الله" على إفشال الشرع ونظامه، مضيفاً أن "التوقعات تشير إلى أنهم هم أيضاً يشجعون البدو في درعا على الصدام مع الدروز".
وبخلاف مواقف مسؤولين إسرائيليين، يرى رابينوفتش أن على إسرائيل العمل بل مساعدة النظام السوري والدروز على ترتيب العلاقات بينهما. ويقول "كلما قصفنا أكثر، نبعد إمكانية الوصول إلى تسوية مع النظام. حكومة إسرائيل تعمل بانعدام تفكير. رئيس الحكومة والوزراء يتحدثون أكثر مما ينبغي. هم يقعون في خطيئة تمزج جنون الاضطهاد بإحساس القوة". ويضيف "السابع من أكتوبر تسبب بجنون اضطهاد بينما الإنجازات تجاه ’حزب الله‘ وإيران تتسبب لرئيس الحكومة والوزراء بالتفكير في أن القوة هي الجواب وليس الدبلوماسية، وهنا يكمن الخطر".
أما جنرال احتياط غرشون هكوهين فيحذر من خطر فقدان سيطرة إسرائيل على الوضع في سوريا، وفي الوقت ذاته يرى أن هناك حاجة لتصميم مستقبل سوريا انطلاقاً من موقع قوة ونفوذ.
ويدعو هكوهين متخذي القرار في إسرائيل إلى التفكير بخطوات التدخل في سوريا، ويقول إنه "بالنسبة إلى دولة سيادية كسوريا هناك احتمال لإنهاء الحرب والأوضاع الحالية التي تشهدها سوريا والمنطقة الحدودية عبر تسوية سلمية، وعلى إسرائيل أن تأخذ ذلك بالحسبان".
وبرأيه ما "قام به الجيش الإسرائيلي مضطراً، عبر تنفيذ هجمات في سوريا بما في ذلك ضرب رموز الحكم، ينطوي على بعد استراتيجي براغماتي في ظل رغبة دول عدة بتحقيق نفوذها وقوتها داخل سوريا، وإسرائيل كجارة مهددة لا يحق لها أن تنغلق على نفسها، فيما يحدق بها الخطر بكل قوته".
وإزاء التفاؤل بإمكانية التوصل إلى تفاهمات ونجاح جهود لقاء اليوم في أذربيجان، استبعد هكوهين أن يحدث التدخل الإسرائيلي في سوريا تغييراً سلبياً من حيث موقف النظام في دمشق من إسرائيل، لدرجة تفويت إمكانية التسوية والسلام، "وكأن بضربها الجيش السوري حرقت إسرائيل الجسر للسلام، هذا أمر غير معقول". وأضاف "لا نتحدث عن جسر سلام من ورق بل إنه جسر متين، ومن أجل التوصل إلى تسوية يجب أن يقوم الحوار على أساس اعتراف متبادل بالمصالح المتبادلة، بما في ذلك المصلحة الإسرائيلية في حماية حقوق الطائفة الدرزية وباقي الأقليات في سوريا".
وبرأيه فإن "الطريق الذي ستنجح فيه إسرائيل في توضيح موقفها وأهدافها لمختلف الجهات في المنطقة سيسمح لها أيضاً بأن تؤثر انطلاقاً من موقف قوة، على اتجاهات تطور سوريا الجديدة". وتابع "سيكون لأعمال إسرائيل تأثير في مفترق الطرق الذي بين الطريق إلى الاستقرار والازدهار في العلاقات المتبادلة، وبين نظام حدود يواصل الوجود في تهديد متبادل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على إسرائيل أن تتعلم الدرس
الدبلوماسي الذي شغل منصب سفير لدى إسرائيل في دول عدة ميخائيل هراري لم يخف قلقه، بل حذر من خطورة الوضع تجاه سوريا ورأى أن الصورة مركبة ومعقدة. وقال إن "الصورة اتي وضعت إسرائيل نفسها فيها كمسؤولة عن الطائفة الدرزية في سوريا وبصورة مختلفة ربما أيضاً عن الأكراد، لا تساعدها، خصوصاً مع وجود الولايات المتحدة وتركيا كلاعبين مسؤولين". ومع هذا يبقى هراري متفائلاً بتحقيق إنجازات في شأن التوصل إلى تفاهمات أو تسوية، وبرأيه فإن الأزمة التي شهدتها سوريا منذ أحداث السويداء لم تسد الطريق أمام الجهود للوصول إلى تفاهمات أوسع بين إسرائيل وسوريا، لكن هذا يستوجب من الطرفين احتساب خطواتهما بصورة واعية. وأضاف "إسرائيل ملزمة بأن تسوي بين مصلحتين أو اضطرارين أساسيين، بين الرغبة حتى وإن كانت تترافق وعلامات استفهام في الوصول إلى توافقات واسعة مع النظام في دمشق، وبين الالتزام الذي يجدر تأكيده بابداء التضامن والتدخل على الأرض في مواجهة لاعبين محليين كالدروز، دون أن تنجذب إلى المستنقع المغرق في الساحة السورية".
وشدد هراري على ضرورة أن يفهم متخذو القرار "أن في كل ساحة حرب أهلية، من المهم أن تتعلم إسرائيل من التجارب الفاشلة للاعبين في ساحات أخرى".