ملخص
كشف مصدر دبلوماسي فرنسي لـ"اندبندنت عربية" عن أن التطورات الأخيرة المرتبطة بالرد اللبناني على ورقة الموفد الرئاسي الأميركي توم براك، التي لم ترق بالنسبة إلى الإدارة الأميركية إلى المستوى المطلوب، وانعكاس ذلك على ملف التجديد للقوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، استدعى تقريب موعد الزيارة التي كانت مقررة في أغسطس (آب) المقبل.
اختار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام باريس محطة أولى لزيارات إلى أوروبا قد تأتي لاحقاً، لكن اللافت في التوقيت أن الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان كان اتفق مع سلام في زيارته الأخيرة إلى بيروت على حصول الزيارة خلال شهر أغسطس (آب)، إذ كان من المقرر أن يستقبل الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس حكومة لبنان في منطقة بورم لي ميموزا التي يمضي فيها ماكرون، ابتداء من الـ30 من يوليو (تموز)، العطلة الصيفية. ويكشف مصدر دبلوماسي فرنسي لـ"اندبندنت عربية" عن أن التطورات الأخيرة المرتبطة بالرد اللبناني على ورقة الموفد الرئاسي الأميركي توم براك، التي لم ترق بالنسبة إلى الإدارة الأميركية إلى المستوى المطلوب، لا سيما لجهة خلوها من جدول زمني محدد لحصر السلاح وربطه بضمانات رفض براك تقديمها، وانعكاس ذلك على ملف التجديد للقوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، استدعى تقريب موعد الزيارة.
وذكرت مصادر دبلوماسية أن سلام أراد الاستعانة بالفرنسيين لتليين الموقف الأميركي، وأنه يريد كسب الوقت في مسار تسليم السلاح بدعم فرنسي، فيما رأى آخرون أن الجانب الفرنسي يسعى دائماً إلى تثبيت دوره الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط من خلال لبنان، لكن دوره لا يزال محدوداً. وفيما تأتي الزيارة في مرحلة حساسة، إذ يترنح لبنان بين لعنة الدولة الفاشلة والمهملة، إلا أنها، بحسب أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس محيي الدين الشحيمي، تحمل دلالة على مكانة فرنسا في المنطقة، على رغم تراجع نتائج حراكها، فهي تبقى صاحبة "القلم" في كل أمر وواقعة لبنانية، وحتى الأميركي لا يستطيع أن يتجاوزها.
لقاء الإليزيه
وعن اللقاء بين الرئيس الفرنسي ورئيس مجلس الوزراء اللبناني، الذي تخلله مأدبة غداء في قصر الإليزيه، كشفت مصادر دبلوماسية فرنسية عن أنه تناول قضايا الأمن واستقرار لبنان، إضافة إلى موضوع الإصلاحات الاقتصادية الضرورية لاستعادة سيادة البلاد وازدهارها، وسط تشديد فرنسي على أهمية دعم وتعزيز قدرات الجيش اللبناني. وجدد الرئيس الفرنسي المطالبة بالإسراع في الإصلاحات المصرفية تحديداً، وأبلغ رئيس الحكومة أنه لا يمكن عقد مؤتمر دولي لمساعدة لبنان وإعادة إعماره إذا لم يجر التقدم في هذا الموضوع، لأن صندوق النقد الدولي مطالب بحل المشكلة المصرفية في لبنان، لكن حتى الآن لم يحدث شيء.
حضر القرار 1701 في الاجتماع، واتفاق وقف إطلاق النار، وما نفذ منه حتى الآن لناحية نشر الجيش اللبناني في الجنوب، الذي أنجز كثيراً في نظر باريس.
لكن ماكرون شدد كذلك على أن موضوع نزع سلاح "حزب الله" هو مطلب فرنسي أيضاً، على رغم تفهم فرنسا لمصاعب هذه المهمة. ونقل لسلام تخوفه من أن ينعكس التأخر في معالجة سلاح الحزب على التصويت داخل مجلس الأمن على قرار التجديد للقوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، خصوصاً من أميركا بضغط من إسرائيل.
وفي طريق عودته لبيروت، كتب الرئيس سلام على حسابه على منصة "إكس"، "أشكر فرنسا على دعمها المتواصل للبنان وأمنه وسيادته وازدهاره. أعود لبيروت مطمئناً نتيجة التزام الرئيس ماكرون بمساعدة لبنان، والتجديد لقوة اليونيفيل، وتعزيز علاقاتنا الثنائية، لا سيما في مجالات الأمن والاقتصاد والتعليم والثقافة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
زيارة تعكس دعم فرنسا
بحسب الشحيمي، فإن زيارة الرئيس نواف سلام إلى فرنسا تحمل ملفات متواترة ومتوترة في الوقت نفسه، تصل إلى حد التناغم مع بعضها، كما تحتوي على أعباء مركبة في انعكاس مباشر للمسؤولية الملقاة على عاتق العهد والحكومة، لجهة تنفيذ الالتزامات الدستورية التي وردت في خطاب القسم والبيان الوزاري.
ويرى الشحيمي أن للزيارة دلالات مهمة نظراً إلى العلاقة التي تربط عاصمة الأنوار مع بلد الأرز، ووقوف فرنسا الدائم إلى جانب لبنان، بامتدادها التاريخي وصولاً إلى يومنا هذا. وتكتسب الزيارة أهمية انطلاقاً من كون فرنسا ركناً أساسياً من الخماسية السياسية (مجموعة الدول الخمس التي تتابع الملف اللبناني)، وهي طرف مؤثر ومقرر في لجنة "الميكانيزم" الأمنية واللوجستية المولجة الإشراف على سير تنفيذ القرارات الدولية التي لها علاقة باتفاق وقف العمليات العدائية المتفق عليه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والمزمع تنفيذه بطريقة متدرجة غير متدحرجة، وبتنسيق متوازن للوصول من خلاله إلى مرحلة وقف إطلاق النار والدخول في مناقشة المرحلة الثانية، وهي الهدنة الدائمة.
السلاح والتجديد لـ"اليونيفيل"
ويضيف الأستاذ في السياسات الخارجية "الزيارة هدفت إلى التشاور مع الإدارة الفرنسية وتبيان جوهر الخطوات اللبنانية نحو بناء الدولة، إضافة إلى تجديد طلب مساعدة فرنسا بزيادة الضغط على الكيان الإسرائيلي لتحقيق الانسحابات ووقف الانتهاكات والاختراقات والاستهدافات"، ورأى أن مواضيع أساسية حضرت في لقاء الإليزيه، متراصة مع حقيقة رص الهيكل اللبناني المؤسساتي، لا سيما على الصعيد الأمني والعسكري، إضافة إلى قضية تمديد مهمات "اليونيفيل" بصيغتها الحالية، وهو ما تعكف عليه فرنسا، كونها صاحبة القلم في قرار التجديد، عبر خلية الإليزيه المرتبطة برئاسة الجمهورية الفرنسية والمبعوث الخاص جان إيف لودريان، مقروناً بتعاون الكي دورسيه (وزارة الخارجية) مع المجموعة الأممية في الأمم المتحدة، وبصورة خاصة مع دول الفيتو الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وقد أراد ماكرون البحث مع سلام بصيغة تجديدية يمكن أن ترضي المعترضين على التجديد، وفي مقدمهم أميركا وإسرائيل، لتجنب الفيتو لدى التصويت في جلسة أغسطس المقبل.
وإلى جانب التجديد لـ"اليونيفيل"، حضر موضوع المؤتمر الدولي لإعادة الإعمار، الذي كان ماكرون قد وعد، خلال استقباله الرئيس جوزاف عون، بانعقاده في باريس من دون تحديد موعد له. والمعلوم أن المؤتمر مرتبط باكتمال الإصلاحات اللبنانية، وفي طليعتها إصلاح مفهوم الدولة الطبيعية لجهة حصرية السلاح، وإلغاء نمطية الثنائية في الحكم والدور والقرار، بحسب ما ينص عليه اتفاق الطائف.
فرنسا في دور الوسيط؟
ومن باريس، يعتبر الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبة أن المبادرة الفرنسية تجاه لبنان في هذا التوقيت مهمة جداً، ويلفت في هذا الإطار إلى استضافة باريس الاجتماع الإسرائيلي - السوري مع براك، في دلالة مهمة لا يمكن إلا التوقف عندها. ويرى أن هناك دوراً جديداً لفرنسا التي نجحت في بقائها في الوسط، فهي تنسق مع أميركا من جهة، وتبقي على قنوات التواصل مع إيران و"حزب الله" من جهة أخرى، من خلال موفدها الرئاسي لودريان، الحائز على ثقة السعودية أيضاً، انطلاقاً من مركزه كرئيس لوكالة التنمية الفرنسية في العلا.
ويسلط وهبة الضوء على دور فرنسي في ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والضغط للإسراع في إنجاز الاتفاق مع لبنان كممر إلزامي لعودة الاستثمارات، ومن هذا المنطلق يبرز موقفها المشجع على إقرار القوانين الإصلاحية في مجلس النواب، وهذا ما عبر عنه وفد فرنسي زار بيروت أخيراً والتقى لجنة المال والموازنة اللبنانية، مثنياً على ما تحقق حتى الآن.
يعترف وهبة بأن الرئيس ماكرون يبحث دائماً عن دور من خلال السياسة الخارجية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً أنه سيواجه في سبتمبر (أيلول) المقبل مأزقاً سياسياً داخلياً يتمثل بطرح الثقة بحكومته الحالية من اليسار المتطرف واليمين المتطرف، اعتراضاً على الموازنة، كما يواجه مشكلة في السياسة الدفاعية بعد استقالة مفاجئة لرئيس الأركان الحالي وتعيين بديل عنه.
ويرى وهبة أن الأميركيين لم يتمكنوا من خلال الموفدة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس ثم براك من الدخول إلى الساحة اللبنانية بالسهولة التي أرادوها، ومن هنا يبرز السؤال حول مدى قدرة فرنسا على لعب دور مساند.