ملخص
"كيف السبيل إلى شرح معنى أن تكون طفلاً فلسطينياً وبعيداً من فلسطين؟ إن المرء ليتدرب منذ الطفولة على الحنين، وعلى التاريخ، وعلى الشهادة. لأنك في نهاية المطاف تكون أنت الدليل على أن آخرين صمدوا، وعلى أن شيئاً ما كان له ذات يوم وجود".
مع كل مرة أصادف فيها كلمة home، وبخاصة في عنوان، أحار في أي من معنييها أختزلها: البيت أم الوطن؟ فلا أعرف في العربية كلمة تحمل المعنيين، ولعل سبب ذلك هو أن "البيت" أقرب إلينا من أن يكون "وطناً"، أو أن "الوطن" في وعينا هو ما يبتزنا به الحكام ليسلبونا أموالنا حيناً، وأرواحنا حيناً آخر، وحريتنا طوال الوقت. أو لعل السبب هو أن العربية لا تزال وفية للبدو الذين جرت على ألسنتهم أول ما جرت، ولم يكن "البيت" جزءاً من عالمهم، فلم يعنهم من أمره إلا "المبيت" لقضاء الليل، ولم يروا فيه إلا موضع نزول للاستراحة فهو "منزل"، ثم تغيرت الأحوال ولم تعد العربية لغة سكان الأنهار والمراعي، وإنما لغتنا نحن الذين قد لا يعدو البيت لأكثرنا إلا المكان الذي نلوذ إليه من الوطن، فكيف لكلمة واحدة أن تجمع بين ما نحسب أنه لنا وما نعلم أنه علينا؟
وتزداد الحيرة أمام هذه الكلمة حينما تجاور كلمة الفلسطينيين، أو حينما تستعملها الكاتبة الأميركية الفلسطينية حلا عليان في عنوان كتابها الأحدث "سأخبرك حينما أصل إلى البيت". فهذه العبارة اليومية تكتسب بمحض قربها من كلمة فلسطين معنى أعمق محتملاً يصعب التغاضي عنه.
حلا عليان روائية صدرت لها رواية "بيوت الملح" ففازت بجائزة دايتون الأدبية للسلام فضلاً عن جوائز أخرى، وشاعرة لها خمسة كتب شعرية، وطبيبة نفسية سريرية وأستاذة في جامعة نيويورك. وقد صدر كتابها السيري الحديث هذا في نحو 270 صفحة عن دار سيمون أند تشوستر.
واضح أنني انحزت إلى "البيت" دون "الوطن" في ترجمة العنوان، على رغم أنني لم أقرأ من الكتاب إلا فصلاً كبيراً منشوراً في موقع "إلكتريكليت"، لكنه كان كافياً، مع مراجعات الكتاب، لأن أعرف أن عليان ظفرت لنفسها في هذا الكتاب بمغنم ثمين هو أن تحكي عن نفسها بوصفها إنساناً عادياً، لا بوصفها ممثلة لشعب، من دون أن يمنع هذا بالضرورة حضور المأساة الفلسطينية.
تكتب ميريديث بو في مراجعتها (شيكاغو ريفيو- 5 يونيو (حزيران) 2025) أن فكرة الوطن الفيزيقي قد لا تكون شديدة التعقيد لدى من يقضي حياته، كلها أو معظمها، في مكان واحد، أما من يكون كثير التنقل، وكثيراً ما يجد نفسه مكرهاً على مغادرة الوطن والبيت، فقد يصبح البحث عن الانتماء هاجساً، إذ "بأي موضع تربط ذكرياتك؟ وما المكان الذي تعول عليه للبحث عن أحبائك؟ ويأتي الاستغلال السياسي للأرض وللناس فيضيف ثقلاً إلى ذكريات تلك الأماكن المفقودة".
"وفي كتاب مذكرات الكاتبة الأميركية الفلسطينية حلا عليان ’بات الشام يعني رحيلاً دائماً، وحدوداً دائمة التغير، وبات الانتماء خافتاً‘. فهو مكان لا يمكن الرحيل عنه، ولا يمكن الرجوع إليه".
تكتب ميريديث بو أن الإطار العام لكتاب عليان، غير الخيالي الأول، هو أشهر الحمل التي انتهت بميلاد طفلتها، "فكل شهر من ذلك الحمل يمثل هادياً لها في تأملها للماضي، وعرضها تاريخها العائلي والشخصي كأنه شعيرة أو قربان. هذا، والحمل المشار إليه كان حمل أم بديلة للطفلة بعدما عانت حلا لأعوام من فقدان الحمل" إذ تعرضت للإجهاض خمس مرات.
"غير أن الكتاب يتجاوز كثيراً مسألة الحمل والإنجاب، فهو أيضاً أسى على كل ما فقدته عليان منذ نشأتها وحتى إقامتها مع زوجها حياة جديدة في بروكلين بعد أعوام من إدمان الكحول والتنقل من بلد إلى بلد". ويبرز الفصل المنشور من الكتاب في موقع "إلكتريكليت" حكاية مؤلفته مع إدمان الكحول، منذ أول كأس في بيت قريب لها بالأردن:
"شربت للمرة الأولى حينما كان عمرها 16 سنة، خلال زيارة إلى قريب في عمان... ظلت في حال سكر لخمس ساعات. بكت على مقدم سيارة مجهولة، وحكت قصص غرام وفراق لا وجود لها، وذلك كان شأنها مع الخمر. غيرها يشربون ليقولوا الصدق، وهي تشرب وتكذب، تكذب وتسكر وتنسى الأكاذيب. وشربت للمرة الثانية في بيت صديقة في لبنان، شربتا البيرة من الزجاجات مباشرة،
وتتذكر كيف بدا أن هواء الغرفة يهتز، والسجادة، والوخزات الكهربية في أناملها، والقدرة الكامنة الجامحة. ذلك شعور ستظل تطارده لثمانية أعوام، ذلك الوعد بأن يحدث شيء ما".
وتمضي عليان في رحلة الإدمان حتى التعافي والامتناع التام عن الخمر، والاكتفاء، ضمن أشياء كثيرة، بأن يسكر حبيبها عوضاً عنها:
"كان شربه متعة بالنيابة، مغامرة بلا تبعات، استرخاء لجهازي العصبي من خلاله... [حتى أنني] أحببت صداعه، كأنني كنت أدخل غرفة. وهكذا عثرت على طريقة أستمر بها في الشرب دونما شرب، فهي طريقة لمخادعة الأعوام".
"كعادته، يقتنص نثر عليان أميالاً في كل جملة أو فقرة، بل إن إعادة كل فقرة فرصة أخرى للكشف عن هبة جديدة" بحسب ما تكتب ميريديث بو، مضيفة أن "النبرة السردية غير الخيالية تتيح للشاعرة أن تلقي الضوء على حلا القديمة والجديدة، بخاصة أن كل فصل مروي من خلال سلسلة من اللمحات القصيرة المجدولة من نسيج الماضي والحاضر. وفي ثنايا ذلك يبدو أنها تكتشف أن ذواتها القديمة والجديدة ما هي إلا جماع الشخص الملموس نفسه، الشخص الذي تتعلم أن تحبه وتثق فيه بحيث تسمح له أن ينجب ويصبح أماً".
عاشت حلا عليان طفولتها في الكويت وتكساس وأوكلاهوما ومين والإمارات ولبنان، غير أن كتابها يفرد الشام بالذات بالتأمل، فـ"ما معناه حقاً، وما معنى أن تكون منه؟":
"لم يكن الشام محض مكان، بل كان في الوقت نفسه ناساً، ونوعاً معيناً من الناس، فهم متقلبون، وهم بين بين... وكل شيء في نهاية المطاف ينتهي غرباً. فمن يكن من الشام فهو متكلف، شبه مستعمر، غير منغمس هناك بالكلية".
"ولعل عدم الانغماس هناك بالكلية هذا" كما ترى بو "هو مفتاح أوجه أخرى في هوية حلا عليان تتجلى مع بلوغها الرشد، إذ تبدأ في معاقرة الخمر منذ التحاقها بالكلية في بيروت ومع انتقال أسرتها إلى قطر تاركة إياها لنصيب وافر من الحرية لم يسنح لها من قبل"، إذ تكتب عليان:
"في سنة تخرجي من المدرسة الثانوية انتقلت أسرتي إلى قطر، في ضربة حظ تعني أن أكون من أندر المخلوقات في بيروت: شابة عزباء، لا تزال مراهقة، تعيش في شقة بمفردها، مع شريكتها في السكن، من دون حظر للتجوال... أشرع على الفور في الشراب، ابتداءً بحفل التعارف في الجامعة، ومع الأصدقاء بعد المحاضرات. يبدأ الأمر طريفاً، غير خالٍ من عبث، فهو مغامرة لا تنتهي في مدينة تبدو بلا حدود. وهكذا فإن ما عرفته عن بيروت هو ما عرفته عن الشرب... بات الشرب وبيروت مترادفين، سحريين وكريهين بالتبادل. بت أمينة أسرار سائقي التاكسي، وصديقة ندل الحانات ينصحونني بأن أرجع إلى البيت. صرت أرقص في قوارب، وعلى شواطئ، وفوق موائد. وذات ليلة أوشك رجال ’حزب الله‘ أن يعتقلوا صديقي، إذ جنحنا في سكرنا إلى خيامهم في وسط بيروت،
ثم توسلت إلى أحدهم وأنا ثملة أن يترك صديقي وشأنه. فقال لي الرجل في النهاية ’خذي الأميركان واذهبي‘ ثم أضاف بعد تردد، وبنبرة لا تخلو من طيبة، ’وأفيقي يا أختي‘".
تكتب عليان أن "السكر أروع حيلة سحرية على الإطلاق. تمحو ذاتك من دون أن يعلم بذلك أحد. تغيب عن نفسك وحدها، وتبقى في أعين الآخرين، فأنت لا تزال تضحك، ينفتح فمك وينغلق، وتتساقط الكلمات كالحجارة. تطلب زجاجة بيرة أخرى، تضم جسداً إلى جسدك... لم أعرف قط من الذي كان يتولى الزمام حينما أسكر أنا. لعلها أخرى غريبة، أو لعلها أنا، أنا الحقة، أنا الأحق".
تشير ميريديث بو إلى أن محو الذات قد يتحول، شأن الشراب، إلى إدمان. "وعليان تصف الاثنين بالقوتين اللتين تعلمت أن تلجمهما. وتكرر عليان على مدى المذكرات خوفها من فقدان ماضيها، إذ تحاول تدبير وطن يمكن أن تقدمه لابنتها. لقد فقدت أقارب دونما فرصة لوداعهم، وفي الشرق الأوسط مدن سقطت بعدما عاش فيها أقارب وأهل لعليان. تشعر أنها عاجزة عن إنقاذ هذه الأشياء، بمثل فشلها في الحفاظ على حملها... لقد كان بوسعها أن تتحكم في جسمها بطرق كثيرة للغاية، كأن تشرب إلى أن تختفي، أو تنحل من قلة الطعام ’لكن لم يكن بوسعي أن أحافظ في جسدي على حمل. لم يكن بوسعي أن أجعله يخلق حياة جديدة‘". والآن بعدما صارت لها ابنة، باتت تخشى ألا يبقى لابنتها هذه غير قصص أمها عن العائلة والمدن الضائعة.
"فهل الحل هو المضي مع تلك القصص وحكيها؟ هل الحل يكمن في تدوين الذكريات، وعرضها، والربط بينها، وإعادة حكيها، في التخلص من الخجل من ماضيها وماضي عائلتها؟ تشرع عليان في تسجيل هذه القصص لكي تشغلها الأم البديلة لجنين عليان الذي في بطنها. فتقول لها في أحد هذه التسجيلات إن ’هذه القصص قصصك أنت أيضاً بطريقة ما، هي التي كونتك، لأنها حدثت لمن جاءوا بك‘".
"وحتى فكرة القصة يمكن أن تستعمل في اجتياز مأساة أو احتمال ألم. ففيما هي جالسة في غرفة الطوارئ إثر تعرضها لأحد إجهاضاتها، تصف عليان لعبة لعبتها للتجاوز: ’وحين أقول إنني لعبت لعبة مع نفسي، أعني أن القصة هي التي أنقذتني. معرفتي أن القصة قادمة. معرفتي أني يوماً ما سأحكيها. ذكرتني القصة نفسها بأنني لن أكون إلى الأبد في تلك الغرفة، وفي ذلك الضوء، محملقة في بقعة دم يابسة‘".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقول ميريديث بو إن وضع المرء مسافة بين ما يمر به وبين قصة ما يمر به يكون بمنزلة الحاجز، أو هو حيز فاصل يمكن أن يفضي إلى القبول والقوة، "وفي هذا الكتاب، تنشئ عليان سجلاً، قصة تروى للتواصل مع من رحلوا ومع المستجدين في الحياة، وفي ثنايا ذلك، يمثل كتابها دواءً للباحثين عن وطن لم يرغبوا في فقدانه قط".
في مراجعة أخرى للكتاب (نيويورك تايمز-4 يونيو 2025) تكتب صفية سنكلير أن عليان تتأمل في كتابها هذا جذور الحكي باعتباره جزءاً من النظام الأمومي "بنقله الرسائل من الأمهات إلى البنات، فيكون ذلك سبيلاً للنجاة".
"تستعمل عليان شخصية الحكاءة إطاراً لمذكراتها. عبر مقاطع قصيرة تلعب بالزمن، إذ يأتي الكتاب في 11 فصلاً يحمل كل منها اسم مرحلة معينة من مراحل الحمل، منذ ما قبل الحمل وحتى الأشهر من الأول إلى الثامن ثم الولادة وما بعدها. تنسل من ذاتها الماضية إلى ذاتها المستقبلة، لتجدل خطوطاً زمنية عدة: رحلة نشأتها البدوية إذ تتنقل من الكويت إلى بيروت وأبوظبي ودالاس وأوكلاهوما سيتي، وذلك غالباً في ظل الحرب، ثم رحلتها من الإدمان إلى التعافي في العشرينيات، ثم نضالها مع العقم في الثلاثينيات وما تسبب فيه ذلك من ضغط على زواجها، إلى خمس مرات فقدت فيها حملها وصولاً إلى طريقها النهائي عبر حمل الأم البديلة".
"هذا في جوهره كتاب عن الشوق، إلى الأمومة، وإلى الرجوع إلى الوطن الشامي الذي صاغ تاريخ عائلتها، وإلى معنى الانتماء المستحيل إلى أميركا... وإلى معنى الأمان في زواجها... تحكي حلا عليان عن نسخ كثيرة من ذاتها عبر الزمن، وكأنما كل لحظات تاريخها كانت تجري معاً، وبقيت تحدث، وتتكرر، وتجري حتى الآن. ولا بد - كما في حال شهرزاد - أن تستمر الحكاية كي يستمر بقاء الحكاءة".
تكتب سنكلير أن القصة التي يتناولها الكتاب تبدأ عام 1948، بجدتي عليان: سهام وأسرتها التي نزحت من المجدل بفلسطين إثر النكبة، وفاطمة الدمشقية التي سترحل في ما بعد إلى الكويت ثم إلى لبنان. تكتب عليان في كتابها الذي يجعل من الحرب والنفي إرثها أن ’قصص النساء تبدأ بالأرض. فما معنى أن يتجذر انعدام الأرض في النفس وينغرس فيها؟ ما معنى حمل ذلك الفقد، حمل ذلك اللاشيء؟".
"هنا يكمن سؤال الكتاب الحاسم: كيف السبيل إلى الحفاظ على هوية وطنية في ظل العيش بعيداً من الأرض؟ كيف الرحيل إلى وطن لا وجود له إلا جزءاً من جسد، أو ذكرى في قصة؟ تشبه عليان الهوية بطائر القيثارة (lyrebird) الذي ’يقال إنه الكائن الوحيد القادر على التواصل مع جميع الكائنات‘، فهو رمز الشاعر، وصوت الشتات الشامي، بل هو ’استعارة للأم البديلة‘ إذ تكتب عليان أن ذلك الطائر ’يحمل ما يسمعه، ثم يرده إلى العالم‘، ونقل القصص في ذاته نوع من الأمومة".
تشير سنكلير إلى أنه كما لم تكن قصص شهرزاد قصصها وحدها وإنما هي قصص جمعت على مدى عشرات القرون، على أيدي "كتاب وفلاسفة وسحرة ومعلمين"، فإن فعل الأمومة فعل جماعي بالضرورة. ويبين هذا الكتاب أنه رب حكاية واحدة فقط أن تحوي ما يمكن به مقاومة محو شعب ووطن وصد احتلال. تكتب عليان:
"كيف السبيل إلى شرح معنى أن تكون طفلاً فلسطينياً وبعيداً من فلسطين؟ إن المرء ليتدرب منذ الطفولة على الحنين، وعلى التاريخ، وعلى الشهادة. لأنك في نهاية المطاف تكون أنت الدليل على أن آخرين صمدوا، وعلى أن شيئاً ما كان له ذات يوم وجود".
العنوان: I'll Tell You When I'm Home
تأليف: Hala Alyan
الناشر: Avid Reader Press/ Simon & Schuster